فن

صناعة الأفلام من بعد #Me Too

طلب المدير التنفيذي لإحدى شركات الكابلات الاجتماع معي في لوس أنجلوس و ذلك منذ ثمانية عشَر شهراً و كنت أشعر بالثقة نظراً لأنه سبق لي أن كتبت وأخرجت فيلماً قصيراً عن مراهقةٍ مسلمة و حظي الفيلم بجمهور على الإنترنت فتحدثنا أنا و المدير عن نشأتي و كيف صنعت الفيلم و من ثم سألني عما أريد القيام به في شبكته , و أنا كاتبه و مخرجة إلا أنني أردت أن أكون واضحة معه فقلت له ” أريد أن أقوم بالإخراج التلفزيوني ” مما غيّر محتوى الحديث فأخبرني عن صعوبة الدّخول في هذا المجال و نصحني بالتفكير ببرنامج تنويع الأعراق و هو برنامج “تلقي التدريب ” للمخرجين الذين لا يملكون خبرة تلفزيونية و ينتمون لخلفيات غالباً ما يُساء التعبير عنها في هوليوود و من المفترض أن يكون الهدف هو فهم الإخراج و تحقيق فرصة لتكوين علاقات, لقد فاجأني فهو من طلب هذا الاجتماع و فجأة شعرت بأنه لم يرني صانعة أفلام جاهزة لدخول مجال التلفاز بل كامرأة سمراء بحاجة “برنامج ” فيوماً ما قد أصبح جاهزة , و زَلَّ لساني قائلةً ” لا أظن أن هذه البرامج تعلم الإخراج ” فتراجع فوراً و قال بأنه لم يعني كلامه و إنما أراد المساعدة فحسب .

كان ذلك حينها و في أكتوبر الماضي كنت أقوم بمعاينة موقع التصوير لفيلم طويل في شيكاغو ” Hala” مقتبس من قصة فيلمي القصير و كانت الأخبار عن هارفي وينستن قد انتشرت و في داخل سيارة الفان رأيت حركة إلكترونية تحمل الهاشتاغ #MeToo و ظهرت يومياً إدّعاءات جديدة مضمونها الإساءة الجنسية من قبل رجال بارزين في مجال الترفيه كالممثلين و العملاء والمنتجين و كانت النساء تتحدث بشجاعة عن قصصهنّ للإعلام و تم فضح الحقيقة البشعة لعملنا هذا للمرة الأولى, وعندما عدّت إلى لوس أنجلوس في نهاية العام للقيام بتعديلات على فيلمي كان الجو مختلفاً ففي يناير تغيَّرت أحاديث السَّجادة الحمراء لحفل جوائز غولدن غلوب من الترويج الذاتي إلى التعبير الصَّادق عن التضامن فعند إعلان جائزة أفضل مُخرج قالت نتالي بورتمان في المقدمة ” هاهم جميع المرشحين من الرجال ” وأثارت الجدل حينها و في السياق ذاته ظهرت حركة “Time’s Up” التي انطلقت بقوةٍ كبيرة بهدف محاربة التحرش الجنسي وعدم المساواة, و في ذاك الوقت كان لدي عشر أسابيع لتعديل فيلمي الطويل و لم أنم جيداً كما فاتتني رحلة إلى اليابان و عرس صديقتي في المكسيك فهذا ما يحصل عند صناعة الأفلام و حتى مع شعوري بالحماية أثناء تعديل الفيلم لاحظت فارقاً واضحاً بالطريقة التي يتحدث بها النساء في هوليوود مع بعضهم البعض , كما قام الأصدقاء و الزملاء الرجال بالتوقف و التفكير ملياً باختلال القوة في الصناعة و دورهم الممكن بالحفاظ عليه.

تقوم صناعة الأفلام على التعاون وغالباً ما تحتاج إلى موافقة البوَّاب للمضي قدماً فيظهر البوابون في قصّتك و تجربتك و صناعة فيلمك بمنظورٍ آخر و أحياناً تقوم بتبرير قيمة قصتك , و هذا جزء من رقصة ما يدعى “الاجتماعات العامة” التي تمتد على مدار 45 دقيقة من الحوار المهذب مع المدراء التنفيذيين على أملٍ ضئيلٍ بالحصول على عمل فتتنقل من غرفة إلى أخرى و أنت تنمق الكلام بشغف و في الغالب كل ما تحصل عليه عند مغادرتك هو الماء المجاني, لقد اعتدت العمل كمساعدة في وكالة مواهب و كنت أعلم أن المدراء التنفيذيون في الاستوديوهات كانوا يقبلون الاجتماع بكُتَّابنا و عُملائنا من المخرجين فقط ليظهرَ بأنهم يقومون بعملهم أو ليحافظون على علاقاتهم مع الوكلاء , أما بالنسبة للنساء السَّمراوات هناك تجعيد إضافي فهناك شعور بأن المدراء التنفيذيون يعتبرون تلك الاجتماعات وسيلةً للشعور بالرضا عن أنفسهم و يقولون ” نعم التقينا امرأة سمراء اليوم ” و ذلك عندما يسألهم المدير عمّا يفعلونه بشأن التنوع العرقي و يتابعون القول ” إلا أنها لا تملك الخبرة الكافية , فلننتظر لنرى ما الذي ستقوم به في المرحلة التالية ”

إني أتخيل تكرار هذه المحادثات في كل البلدة بينما تبقى الإحصائيات المحزنة عن النساء وراء الكاميرا على حالها , و تقول دراسة أجراها باحثون في جامعة “Southern California” بأن 4 بالمائة من الأفلام الأشهر في عام 2016 كانت من إخراج نسائي الأمر الذي يعد تحسناً طفيفاً عن عام 2009 فبالتالي لا تعد المحادثات و الوعي دليلاً على التغير الفعلي , انتهى بي الأمر بدخولي في برنامج تنوع عرقي و ذلك عبر مؤسسة “Ryan Murphy’s Half foundation” فرافقت مخرجة مذهلة في “American Horror Story” و قامت بتعليمي الكثير عن الواقع العملي لصناعة الأفلام على نطاقٍ كبير و الالتزام بجدول العمل و العمل مع المواهب و الشركاء الأقوياء و منحتني عضوية في “Directors Guild of America” التي تحوي 15 بالمائة من النساء المخرجات و الأرقام أسوأ بالنسبة للنساء السمراوات , لقد تسلحت بهذه الخبرة و اجتمعت مجدداً بالمدير التنفيذي الذي نصحني ببرنامج التنوع العرقي و بدا الاجتماع لي كأنه نفس الاجتماع الأول باستثناء أنني لاحظت وجود مديرتين في هذا الاجتماع و قلت لهم : الآن انتهيت من البرنامج و لا أؤمن بأنظمة الفصل , فلا يتعين على الرجال البيض الدخول في برامج التنوع العرقي لكن لماذا يجب على البعض الدخول في هذه البرامج؟ يتم توظيف الرجال وفقاً لمقدراتهم بينما توظَّف النساء وفقاً لخبراتهن السَّابقة ,

و أثناء حديثي مع المدراء التنفيذيين فكرت بأهمية تحدث النساء عن التحرش و فقدان الفرص و السَّعي وراء ما يستحقون إلا أن ذلك يبدو أنانياً من منظورٍ سطحي , فالمزيد من النساء يحصلون على فرص للكتابة و الإخراج لكن ماذا سيغيرون بالنسبة للنساء الأخريات ؟ الجواب هو : كل شيء

فالمزيد من قصص النساء ستقود إلى انتشار أكبر عبر الشاشات , لطالما أخذت النساء أدوارا هامشية في عملنا بحجة عدم الخبرة و الاستحقاق و امتلاك الكفاءة المناسبة , لقد انتهى وقت التحرش و الاعتداء الجنسي كما انتهى وقت التمييز بين الجنسين و عدم المساواة و التنازل فلا يكفي الحديث و الدعاية و السيمنارات أو ورشات العمل و لا يكفي أن تكون “واعياً” فالنساء تُجدن القيام بالعمل و حان وقت توظيفهن , و بالطبع لم أقل كل هذا الكلام في الغرفة حيث جلست إلى طاولة الرجل نفسه الذي أخبرني عن عدم جهوزيتي في وقت مضى فشعرت بأنني أقوى و أكثر ثقة مما سبق و قلت : أنا جاهزة و أعتقد أن الاجتماع كان جيدا وفق ما يستحق.

MINHAL BAIG

الوسوم

التعليقات