السعودية

رجال أقوياء لكنهم ضعفاء بعكس ما يبدو عليهم

عندما جاء معمر القذافي من الخفاء في منتصف العقد الأول من القرن الحادي و العشرين , قام ” الكلب المسعور” بسلسلة من الإصلاحات الشاملة و التي كانت ملائمة لكل من الأسواق و المستثمرين العالميين بالإضافة للولايات الأميركية و أوروبا , و بالرغم من أنه كان موضوعاً يشغل الصورة التعاطفية للمنافذ الرئيسة في الإعلام الغربي و في أغلب الأحيان لم تؤكد المقالات حقيقة أن القذافي الجديد استمر في حكمه لليبيا مستخدماً العنف كما في السابق و أن ميراثه ليس ” دبي في البحر المتوسط ” و إنما المجازر و الفوضى التي أغرقت ليبيا منذ سقوطه.

و بشكل مجرد نلاحظ أن قصة القذافي تعتبر نموذجاً للعديد من القادة العرب الذين اعتبروا مصلحين قبل أن يكونوا كذلك , إذاً لم هناك رومنسية جديدة تجاه الرجال الأقوياء في العالم العربي و الغربي ؟ و هذا ما ينطبق على ولي العهد السعودي محمد بن سلمان الذي تشكل قصاصاته الصحفية معياراً ذهبياً يطمح إليه كل قائد عالمي و من المرجح أن يزداد دفتر قصاصاته هذا الأسبوع عقب زيارته للندن حيث ستقوم رئيسة الوزراء البريطانية تيريزا ماي بمد السجادة الحمراء للعاهل الشاب معلنةً بذلك تقوية العلاقات المالية و العسكرية مع المملكة العربية السعودية.

و هاهم الرجال الأقوياء يعودون لمصالحهم في أيامنا هذه و يرجع ذلك بشكل كبيير إلى موقف الرئيس الأميركي ترامب الداعم للرجال الأقوياء في العالم كالرئيس الروسي فلاديمير بوتين و رئيس الفيليبين رودريغو دوتيرتي بالإضافة للقائد المصري عبد الفتاح السيسي , إلا أن الأمر لا يعد خياراً سياسياً ينسب لخصائص الرئيس الخامس و الأربعون , و مع أنه نادراً ما يتمكن المسؤولون في الغرب من اختيار الحكام إلا أنهم على يقين بقدرة السلطويين على تأمين الاستقرار, و من الغريب أن الرجال الأقوياء لا يتمتعون بسجل جيد سواء كانوا أخياراً أم لا.

و في الخمسينيات و الستينيات جاء كل من الرؤساء المصري جمال عبد الناصر و الجزائري هواري بومدين و السوري حافظ الأسد مقدمين الوعود بالتطوير و الإصلاح الاجتماعي و التمكين الوطني فاستمرت الدول الكبيرة التي بنوها إلا أنهم عملوا لفترة قصيرة و مع تلاشي الحماس الثوري و تراجع النمو الاقتصادي المتواضع حلَّت القوة , ولاحقا قام خلفاؤهم ببذل جهودٍ فاترة لتحريك الجماهير بعقائد جديدة أو مجدّدة و مع ذلك لم يكن هناك بطولة لبناء ” دولة مؤسسات ” أو مواصلة النضال لحرية الجزائر أو لعبور مصر لقناة السويس في عام 1973 أو ضرورة التطوير الاقتصادي, بل قام مبارك و بن جديد و بشار الأسد في سوريا بترؤس الوضع الراهن بشكل غير شرعي و غير موجه و ذلك في دول تحشد طاقاتها لإجبار المواطنين على الطاعة , إلا أن هذه المشكلة ليست عربية فقط , كما أطلق الرئيس هوغو تشافيز الثورة البوليفارية مما سيدفع خليفته الفظ نيكولاس مادورو لإتمام فشل فينزويلا , و حتى المبادئ و الأفكار التي قام مصطفى كمال أتاتورك بتوجيهها في المجتمع العثماني و صياغتها للجمهورية التركية و التي ظهرت كإصلاحات شاملة في القرن العشرين قد فقدت رواجها بين ملايين الأتراك.

و بالطبع نجحت حكومات سينغافورة و الإمارات العربية المتحدة و قطر في تحقيق التطوير و الأمان و الهيبة الدولية , فإنها تدّعي الشرعية لأنها حكومات غير ديمقراطية و غالبا غير طماعة و نجحت في تحقيق الثروة و البنية التحتية القوية و تأمين فرص و حياة أطول و أكثر صحة لمواطنيها , لكن هذه الحكومات ليست دائماً خيرة كما تريدنا أن نعتقد و مع ذلك لا يمكن إنكار نجاحها , فالإنجازات خاصة بهذه الأماكن الفريدة التي تتمتع بعدد قليل من السكان و ثروة كبيرة مع قادة يمتلكون الكاريزما , و في سياق آخر أصبحت أغلبية دول الرجال الأقوياء استغلالية .

و على صعيد أكبر يتطلب إصلاح المجتمعات المعقدة درجة معينة من الإجماع و تفويض السلطة الأمر الذي لن يتحمله الرجال الأقوياء أو المصلحون و كنتيجة لذلك ستختل السياسات السلطوية مما سيخلق مشاكل متنوعة كالعنف و الفساد و التجذر و يبدو ذلك بديهيا إلا أن كلاً من الولايات المتحدة و أوروبا لم يتوافقا مع فكرة الرجال الأقوياء بالرغم من الترويج لها , و بالرغم من أن السيسي لم يتلق الدفء كولي العهد السعودي إلا أن استخدامه للقوة الوحشية لقتل الإرهابيين و دفع التغير الاقتصادي قد أكسباه مديحاَ جيداَ و قوبلت جهوده في إزاحة معارضيه و نقاده باحتجاج ضحل , و هذا لا يختلف كثيراً عن طريقة تعامل الغرب و الولايات المتحدة مع الرئيس المصري حسني مبارك الذي أبقى قناة السويس مفتوحة و حافظ على السلام مع اسرائيل و داس بحذائه على رقاب المتطرفين الإسلاميين , إلا أن السيسي قد تفوق عليه بخطوة إضافية فتحدى الأساس الديني المصري لمواجهة مسار التطرف الأمر الذي كان ملائماً باستعداد كبير أو مفتقراً للزعماء السياسيين و الموظفين المنتخبين أو حتى بعض هيئات التحرير.

و بالنسبة لزعماء السياسة في الغرب لا بد أنه من السهل التعامل مع الرجال الأقوياء فالديمقراطية فوضوية في نهاية المطاف فيتعين على الرجال الأقوياء أن يقلقوا قليلاً حيال التذلل لواشنطن و ذلك مقارنة بالديمقراطيين الذين يتأثرون بالرأي العام , كما أنه يمكن للديمقراطية أن تكون قادة أسوأ و ذلك من منظور قادة أوروبا و أميركا فعلى الرغم من كل أخطاء السيسي ستفضله واشنطن دائما على محمد مرسي المنتمي للإخوان المسلمين , و في حال تمكنت ليبيا و اليمن من النجاة من الفوضى المحيطة بهم سيكون ذلك تحت إشراف رجال أقوياء سيرحب بهم قادة العالم مع الشعور بالراحة من نهاية الفوضى و سفك الدماء, و مع ذلك يعد الاستقرار و الأمان اللذان يؤمنهما السلطويون قليلي المتانة و عرضة لخلق المشاكل التي تهدد قوتهم من حلقات معارضة و كبت و تجذُّر و عنف.

و مع ذلك ليس من الصعب أن نلحظ جاذبية الأشخاص مثل محمد بن سلمان للسعوديين و الأجانب على حد سواء , و يدور في أذهاننا أن اليمن كارثة مخجلة لكن ولي العهد سيصوغ عقد اجتماعي جديد و يجعل بلده “محور الاستثمار” كما سيسمح للنساء بقيادة السيارات و سيوفر الفرص للشباب و هذا أفضل بكثير من أن تكون السعودية فاشلة أو مسببة الفشل لغيرها .
إن ما يجذب الغرب لمحمد بن سلمان هو أنه وعد بتثبيت الإسلام , و كان للسيسي نفس الهدف لكنه حمل قيمة أكبر قادمة من الرجل الذي سيكون خادم الحرمين الشريفين , كما قام الملك السعودي المستقبلي بابتكار قصة مفادها أن محاوريه الغربيون قد تكرروا عدة مرات فالوهابية كانت في السابق ألطف و أخف إلا أن الثورة الإسلامية في إيران أدت إلى إسلام سعودي أقل تسامح و مساومة و هذا ما يسلب الحريات من سجلات التاريخ لكنه مع ذلك يجعل العديد ممن قاموا بالحج مؤخرا في الرياض بالإضافة للعديد ممن يسكنون هناك سعداء لأن الشرطة الدينية لم تعد قادرة على اعتقالهم بتهمة تأييد مبادئ الإسلام المتزمتة.

و بالرغم من ذلك يبدوا أنه تم الخطأ في تقدير حماس السعودية و النخبة الغربية تجاه محمد بن سلمان فطريقته الأساسية في تحقيق التغيير تكمن في تراكم أكبر كمية ممكنة من القوة , و نظرا لأن مؤيدي ولي العهد لا يمانعون سيترتب عليهم دفع الثمن في حال فشل تحول السعودية و اتساع الفجوة بين ما يخبرهم عن حياتهم في السعودية و ما سيختبرونه بأنفسهم بالإضافة إلى ظهور معارضة كبيرة , و هذا لا يعني أن محمد بن سلمان سيفشل و إنما إن نجح في تحويل المملكة العربية السعودية سيكون ذلك مثيرا للسخرية و مخالفا للتوقعات .

الوسوم

التعليقات