اقتصاد

العولمة خلقت وحشا صينيا

في يوم الأحد الماضي الرابع من آذار، أوصت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني بإنهاء تحديد فترة الرئاسة التي تستمر ولايتين، مما يمهّد الطريق أمام الرئيس شي جين بينغ للبقاء فى منصبه إلى أجل غير مُسمّى. وهذا بالتأكيد يُمثّل نهاية حقبة ليس للصين فحسب، بل أيضًا بالنسبة للغرب.

وبالنسبة للغرب، بدأت الحقبة المعنية مع نهاية الحرب الباردة، حيث أصبح الأعداء القدامى ’’أسواقًا ناشئة‘‘. وقد بدأت الصين بالفعل فتح أسواقها أمام الاستثمارات الأجنبية منذ عام 1978 في إطار إصلاحات دنغ شياو بينغ. ولكن في التسعينات فقط توقف نشاط القطاع الخاص هناك، وسرعان ما هرعت الشركات الغربية للاستفادة من السرعة الفائقة للنمو الاقتصادي الصيني.
ويكمن جمال قصة ما بعد الحرب الباردة هو أنّ الأسواق الناشئة كانت غير سياسية. نذكّر بالاعتراف الشهير بأول الأسواق الناشئة من قبل جيم أونيل في عام 2001 باسم ’’بريكس‘‘ (البرازيل وروسيا والهند والصين) أربع دول من تجمعات مختلفة خلال الحرب الباردة يُنظر إليها الآن معًا كأطراف رائدة في حقبة جديدة من العولمة السلميّة تحت باكس أمريكانا. وقد أسماها البعض نهاية تاريخ.

ولكن هذا النهج غير السياسي كان قائمًا على الافتراض الموروث من الحرب الباردة، بأنّ الديمقراطية والرأسمالية تسيران جنبًا إلى جنب، وأنّ توسيع الأسواق الحرّة سيجلب التقارب العالمي للنموذج الاقتصادي الغربي، كتوقعات واشنطن المُتفق عليها.وشهدت الثقة في العولمة تعزيز الملكيّة الفكرية وتدفق كميات هائلة من رؤوس الأموال الغربية إلى الأسواق الناشئة، وقبل كل شيء إلى الصين. ولكن قلّة قليلة في الغرب لاحظت الأهمية الجيوسياسية في ذلك الوقت.

وبدلًا من ذلك، أشادوا بالنمو الاقتصادي. وليس من دون وجود سبب وجيه فاندماج الصين في الأسواق العالمية حرّر مليار شخص من براثن الفقر. ولا يزال هذا دليل على الفوائد المادية لإزالة العوائق الجيوسياسية الناشئة من خلال تنمية الأعمال التجارية العالمية. ولكن هذه القصة من السلام العالمي كانت تتدهور في بعض الوقت.

وقد أدّت الخصخصة الروسية في التسعينات في نهاية المطاف إلى قيام دولة المافيا التي يسيطر عليها أوليغارشي. و توسعت الرأسمالية على نطاق أوسع – مع استثناءات قليلة، كما في أوروبا الشرقية أساسًا، حيث ترسّخت الديمقراطية (على الرغم من المشاكل الحالية) – منذ نهاية الحرب الباردة على الرغم من قيام الديمقراطية، وليس جنبًا إلى جنب.ولا يوجد أيّ مكان أكثر وضوحًا يشرح ذلك مما هو عليه في الصين. ومن الواضح الآن تمامًا أنّه على الرغم من الاعتقاد الليبرالي الجديد المؤمن في القوة التحويلية للأسواق الحرة لتشجيع ’’الإصلاح‘‘، لكنّ الصين تتجه نحو المزيد من الاستبداد، وليس العكس.

وفي الواقع، قد لا يكون من المبالغة القول بأنّ الصين قد خطّت طريقا نحو شكل جديد من الشمولية حيث رجل واحد سيجلس فوق عرش دولة بوليسية مع وصول كامل إلى بيانات المواطنين واسعة الانتشار من خلال وسائل التواصل الاجتماعية ومنصات التسوق على الإنترنت وجهاز المراقبة البشرية والإلكترونية التي تتبع كل خطوة. لا يبدو أبعد من نظام ’’درجة الائتمان الاجتماعي‘‘ المروّع الذي تريد بكين طرحه بحلول عام 2020 للحصول على فكرة عن مدى الخطأ في الفكرة التي أثبتت أنّ الأسواق الحرة ستحدث تغييّرًا ديموقراطيًا، أو حتّى إصلاحًا طفيفًا للتحرر في الصين.

قد يكون تمّ إنقاذ مليار شخص من براثن الفقر، ولكن فقط ليجدوا أنفسهم يعيشون تحت ديكتاتورية إلكترونية. في الواقع يمكن  للعواقب الجيوسياسية المُترتّبة على هذا الإدراك أن تكون عميقة جدًا. ففي الحرب الباردة، واجه الغرب الأنظمة الشيوعية الشمولية التي كان نموذجها الاقتصادي ونظامها السياسي غريبًا لما يدعي ’’العالم الحر‘‘.

وبطبيعة الحال، فإنّ الصلة بين الرأسمالية والديمقراطية كانت دائمًا ضعيفة، ليس أقلها حقيقة أنّ العديد من حلفاء الغرب ليسوا ديموقراطيين. ولكن الآن، نحن نعلم على وجه اليقين أكثر من أي وقت مضى أنّ الرأسمالية والديمقراطية لا يجب تسيرا معًا فالرأسمالية متاحة، ولا تحتاج حتّى لدعم باكس أميريكانا إلى سد العجز. كيف ينتهي هذا؟ نحن لا نعرف الإجابة حتّى الآن، ولكن السؤال قد يأتي بشكل جيد ليكون السمة المميزة لمرحلة جيوسياسية جديدة يبدو أنّ العالم قد دخل فيها.
نلاحظ في أيّ مدى بعيد الصورة السعيدة للعولمة الليبرالية وهي ما تنوط عنه استراتيجية إدارة الأمن القومي لترامب في ديسمبر/ كانون الأول 2017: «الصين وروسيا تتحدى القوة والنفوذ والمصالح الأمريكية، في محاولة لتقويض الأمن والازدهار الأمريكيين».

ومن المسلم به أنّ هذا يأتي في سياق رئاسة ترفض بشكل غريب تنفيذ عقوبات الكونغرس الأمريكي على روسيا للتدخل في انتخابات الولايات المتحدة عام 2016.  ولكن النقطة الأهم هي أنّ الدول الغربية ومواطنيها أصبحوا في حالة تأهب مُتزايد للحاجة إلى إعادة تقييم قيمة الرأسمالية العالمية المتكاملة التي عززوها منذ بداية التسعينيات. لا نتحدث عن إعادة تقييم في ضوء عدم المساواة الذي حققه النمو الاقتصادي، أو الاستعانة بمصادر خارجية ضخمة في وظائف التصنيع التي أنشأت أحزمة صدأة على جانبي المحيط الأطلسي، فذلك موضوع منفصل. بل تتعلق إعادة التقييم هذه بالحقيقة غير المواتية التي لا يمكن إنكارها بالتأكيد، وهي أنّ السياسة الاقتصادية الغربية نفسها قد شجعت، وإن لم تكن عن قصد، صعود الأنظمة المتعصّبة المترسخة في كثير من العالم الشيوعي السابق.

والأثر العملي الذي ينتجه ذلك في السياسات الخارجية والاقتصادية للغرب يعتمد من ناحية على مدى استعداد الغرب للتضحية بالثروة المادية دعمًا لقيمه العامة؛ ومن ناحية أخرى على المدى الذي تحاول فيه الدول الاستبدادية، وقبل كل شيء روسيا والصين، تصدير قيمها إلى الخارج.

يمكن للمرء أن يسرد أي عدد من المناطق التي ستلعب فيها هذه المعضلة، ولكن أهم اختبار على المدى القريب سيكون ما إذا كان الغرب يستجيب لمبادرة الحزام والطريق في الصين كمشروع اقتصادي جيد، أو كتهديد جيوسياسي. الجمال هو في عين الناظر. فالصورة غير السياسية للسوق الناشئة التي تدعم عصر العولمة السريعة منذ نهاية الحرب الباردة كانت لها بالتأكيد عوامل جذب لها، وليس أقلها القدرة على التخفيف من وطأة الفقر على نطاق واسع. ولكن اليوم تبدو الصورة قبيحة، حيث اتّضح أنّ العديد منهم لم يخرج نحو أي شيء مثل القيم الديمقراطية لمعظم الأسواق المتقدمة.

إنّ الادعاء بأنّ الحرية الاقتصادية تؤدي إلى الحرية السياسية، التي تدعم الكثير من نهج عدم التدخل بالسياسة الاقتصادية لما بعد الحرب الباردة بين الغرب والأنظمة الاستبدادية، يبدو الآن ساذج. وقد أثبتت الصين أنّه لا توجد علاقة ضرورية بينهما. فقط المؤمنين الحقيقيين لا يزالون يتوقون إلى فكرة أنّ الرأسمالية سوف تدفع الصين في نهاية المطاف إلى مكان أكثر ليبرالية.

الوسوم

التعليقات