العراقسوريا

الايديولوجيا البعثية سبب الفوضى في العراق وسوريا

في البداية لابد من القول على أنه على الرغم من مرور 15 عاماً على غزو الولايات المتحدة الأمريكية للعراق فإن أيديولوجية الأرض المحروقة أبقت النيران مشتعلة في المنطقة.

تدخلت الولايات المتحدة الأمريكية عسكرياً في العراق في عام 2003م أي قبل 15 عاماً وكانت النتيجة الأكيدة لهذا التدخل هي الحرب والفوضى، لكن الغريب أن الولايات المتحدة لم تتدخل في عام 2011م في سوريا عند اندلاع المعارك فيها وعلى الرغم من ذلك كانت النتيجة الحرب الفوضى أيضاً، فعلى الرغم من اختلاف سياسة الولايات المتحدة في التعامل مع الوضع في سوريا والعراق إلا أن النتيجة كانت واحدة، مما يؤكد وجود قوة أكبر تعمل على أرض الواقع لابد من الاعتراف بها.




هذه القوة هي إرث البعث، حيث كان هناك مزيج سام من القومية العربية العلمانية والاشتراكية جعلت أنظمة عائلة الأسد في سوريا وصدام حسين في العراق فريدة تماماً في العالم العربي.

شعار حزب البعث
شعار حزب البعث

البعث، الكابوس الذي دمر الأراضي بين البحر الأبيض المتوسط والهضبة الإيرانية في أوائل القرن العشرين أكثر مما فعل جورج بوش وباراك أوباما . وكلما انتشرت أيدولوجية البعث زاد الدم الذي يتبعها وذلك لأنه عند سقوط أحد زعمائها أو تحديه فإنها لا تنص على وجود طبقات وسيطة من المجتمع المدني لتربط بين النظام في الأعلى والطبقات الأقل كالأسرة أو القبيلة في الأسفل، حيث صرح عام 1998م الباحث والكاتب والمسرحي اللبناني “الياس خوري” أن هذه الأنظمة لم تنجح فقط في تدمير مجتمعاتها وإنما أي بديل عنها أيضاً فهي تقدم خياراً من اثنين، إما السيطرة المطلقة أو الفوضى الإجمالية، واستمر “خوري” بالاستشراف واصفاً أن نظام الأسد وحسين قد استخدما السنين الطويلة في الحكم لبناء أجهزة الأمن في حين أن شعوبهم كانوا عبارة عن سكان فقط وليس مواطنين، بالإضافة إلى محاولة إخفاء المشاكل السياسية والاقتصادية والاجتماعية كالعنصرية والطائفية لتصبح في نهاية الأمر قنابل موقوتة في انتظار الانفجار بأية لحظة.

في ظل هذا الفشل الكامل في صياغة هويات علمانية نابضة بالحياة وبعد تغذية الفروقات العرقية والطائفية في سوريا والعراق ظهرت الأيديولوجية البعثية التي كانت أكثر فتكاً من البرجوازية التي سبقتها، ففي حين كانت بعض البلدان مثل تونس ومصر تشكل دولاً بشكل أو بآخر منذ العصور القديمة كانت سوريا والعراق مجرد تغييرات جغرافية وسياسة متطرفة مما جعل تطبيق البعثية أسرع.

حوربت البعثية في أوائل الثلاثينات من قبل بعض المسيحيين والمسلمين السوريين مثل “ميشيل عفلق” و”صلاح الدين بيطار” الذين اعتنقوا أيديولوجيات كانت تنتشر وقتها في أوروبا، حيث تبنى كل منهما أيديولوجية قومية عربية ماركسية، كما يمكن مطابقة ما كتبه الباحث الفرنسي “أوليفييه روي” عن الأصوليين المسلمين مع أوصاف البعثيين العلمانيين: “لأن مجتمعاتهم تجاهلت أبناء الكتاب من الطبقات الدنيا والمتوسطة جعلهم ذلك يستاؤون ويحلمون بثورة من شأنها مسح البرجوازية العربية تماماً”.

ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث (على اليمين) مع صدام حسين رئيس العراق الاسبق (على اليسار)
ميشيل عفلق مؤسس حزب البعث (على اليمين) مع صدام حسين رئيس العراق الاسبق (على اليسار)

للأسف كانت نتيجة الأفكار البعثية غير المدروسة بعد مواجهتها للمجتمعات الأمية والتقليدية في بلاد الشام عبارة عن دول لأجهزة الأمن القائمة على القمع، حيث كانت في العراق تحت الحكم السني مما جندها لمحاربة الشيعة أما في سوريا فقد كانت تحت ظل الحكم العلوي لذلك تم تجنيدها لمحاربة السنة، وبعكس الادعاءات المعلنة كان كل منهما معادٍ للأكراد.
من الجدير بالذكر أن القمع في العراق وخاصة في عهد صدام لم يسبق له مثيل حيث لم يتجرأ الناس على الكلام عن النظام حتى في منازلهم، أما بالنسبة للوضع في سوريا في زمن حافظ الأسد فكان أقل حدةً حيث سُمح للمعارضة بالتواجد بشرط ألا تكون علنية.




كان العراق أشبه بساحة سجن عملاقة، وكان صدام يطلب من العراقيين دائماً أن يستعدو للحرب فبعد حربه مع إيران لعقد من الزمن في الثمانينات قام بغزو الكويت في عام 1990م، وحتى في حال لم تقم الولايات المتحدة بالتدخل في العراق لم يكن البعث العراقي ليصمد في وجه الربيع العربي لأن أدنى ثقب في الواجهة الحاكمة من شأنه أن يحطم بنية الدولة في العراق وذلك لأن النزاعات الطائفية والعرقية بين السنة والشيعة والأكراد كانت ضخمة جداً.

إن امتداد النفوذ الإيراني إلى البحر الأبيض المتوسط في ال 15 سنة الماضية يعود إلى تآكل البعثيين في المجتمعات العربية بالإضافة إلى قرارات رؤساء أمريكا؛ وقد كان الأمل الوحيد للعراق بعد الغزو الأمريكي هو الظهور السريع أو تثبيت ديكتاتور عسكري جديد على غرار حسني مبارك في مصر وبرويز مشرف في باكستان.

للأسف تم الاعتقاد بأن الولايات المتحدة الأمريكية التي استطاعت التغلب على النازية عام 1945م وعلى الشيوعية عام 1989م ستستطيع إحداث فرق في العراق البعثي إلا أنه لم يتغير شيء سوى أنها كشفت النقاب عن الأيديولوجية البعثية الفارغة. إن الأضرار التي خلفتها الأيدولوجية البعثية في سوريا –وإن كانت أقل مما خلفتها في العراق- ما زالت شديدة جداً والدليل على ذلك الفوضى التي حدثت في سوريا عند تحدي النظام،وربما لم يكن ذلك خطأ بشار الأسد وحده فبعد 21 تغيير في الحكومة خلال السنوات ال 24 الأولى لسوريا بعد استقلالها جاء انقلاب الأسد الأكبر عام 1970م، الذي ساعد فيه السوفييت بأساليبهم التعذيبية والقمعية من أجل تحقيق الاستقرار، ولكن لم يفعل الأسد شيئاً فبدلاً من تحويل السكان إلى مواطنين وبناء شعور بالاتحاد من أجل توحيد السنة والشيعة والأكراد والأرمن والمسيحيين السوريين قام باللجوء إلى القمع العقيم مما ولّد ضغطاً كبيراً في المجتمع ينتظر الفرصة المناسبة للانفجار.

كانت سوريا بحاجة في ذلك الوقت إلى ديكتاتورية مستنيرة على غرار ما كان يقدمه الحبيب بورقيبه في تونس لكن للأسف بسبب وضع الأقلية العلوية كان الأسد غير آمن، بالإضافة إلى أن الأيديولوجية البعثية كانت تفتقر إلى الشرعية المتأصلة للملكيات العربية وبالتالي لم تكن قادرة على تزويد شعبها بالحرية اللازمة لأي مجتمع مدني.

كان “خوري” قد أكد أن الحكم البعثي كان شاملاً لدرجة أنه لم يخلق بديلاً لنفسه، حتى أن العراق كان بحاجة إلى أدنى مرتبة على الأقل من البعثيين من أجل إدارته، كما فعل السوفييت الذين علموا أنهم بحاجة إلى أن يغفروا للنازيين من المستويات الدنيا لكي يديروا ألمانيا بعد الحرب، إلا أن هذا الدرس قد تم تجاهله في العراق.

لكن ربما يتم تطبيق هذا الدرس في سوريا، حيث يبقى الموظفون البعثيون في وظائفهم حتى بعد سقوط حكم الأسد -إن سقط- وإلا فإن دمشق التي تعتبر حالياً في حالة سلام بالمقارنة مع ما حدث في بغداد والموصل وحلب ستتذوق من نفس الكأس في حال سقط الحكم البعثي فيها، فأياً كان ما يفعله الغرب في سوريا من الأفضل أن يكون لديه خطة تفصيلية مسبقة للمرحلة القادمة.

تذكر أن رومانيا تعافت بعد أيام قليلة من سقوط “تشاوشيسكو” فقط لأن جناحاً أكثر اعتدالاً في الحزب الشيوعي استولى على السلطة في مرحلة انتقالية دامت عدة سنوات قبل ظهور الديمقراطية الحقيقية.




المصدر: foreign policy

الوسوم

التعليقات