غير مصنفة

تصادم روسيا مع الغرب على الجغرافيا وليس على الأيديولوجيا

كان جوزيف ستالين في داتشا (منزل ريفي في روسيا) يقف أمام خريطةٍ للاتحاد السوفيتي الذي تم توسيعه حديثًا بعد فترة وجيزة من استسلام ألمانيا في أيار/مايو 1945، وأومأ بالموافقة.

المساحات التي اقتطعها من أوروبا الشرقية التي كانت تحتلها روسيا سوف تحمي إمبراطوريته ضد نابليون وهتلر المستقبل. ثمّ نزع ستالين الغليون من فمه، وأخذ يلوّح به تحت قاعدة القوقاز، هزّ رأسه وقطّب حاجبيه، وقال لمساعديه: «لا أحب حدودنا هنا» مشيرًا إلى المنطقة حيث تلتقي جمهوريات الاتحاد السوفيتي جورجيا وأرمينيا وأذربيجان بالقوى المعادية تركيا وإيران.

على مدى العام والنصف المقبل، انهارت العلاقات بين الولايات المتحدة الأمريكيّة والاتحاد السوفيتي، كما ضغط ستالين على أنقرة وطهران من أجل التنازلات الإقليميّة، ثمّ قام الرئيس الأمريكي هاري ترومان بالتراجع عن إرسال أسطولٍ بحريٍ إلى البحر الأبيض المتوسط.

وفي شباط/فبراير 1947، أخبرت بريطانيا المُفلِسة وزارة الخارجية بأنّها لم تعد قادرة على الدفاع عن الحكومة اليونانية في حربها الأهليّة مع المتمرّدين الشيوعيّين المدعومين من يوغسلافيا، ممّا دفع ترومان إلى التعهد بتقديم مساعداتٍ اقتصاديّةٍ وعسكريّةٍ أمريكيّةٍ إلى أثينا وأنقرة.

وستالين الذي كانت بلاده تُكافِح من أجل التعافي من الدمار النازيّ تراجع عن الدفاع. وكان هدفه الآن هو إقامة منطقةٍ أمنيّةٍ جديدةٍ في أوروبا الشرقية ومنع الولايات المتّحدة من السيطرة على العدو اللدود لروسيا ألمانيا. وفي آذار/مارس من عام 1947، بدأ وزير الخارجية الأمريكي الجديد جورج مارشال بالمفاوضات في موسكو مع نظيره السوفيتي فياتشيسلاف مولوتوف لمدة ستة أسابيع ، حول مستقبل ألمانيا المُحتلّة.

ومع عدم استعداد أيّ من الطرفين لقبول إمكانية تحوّل هذا البلد الخطير الذي يقع في مواقع استراتيجية إلى حليفٍ للطرف الآخر، انتهت المحادثات في طريقٍ مسدودٍ. إلا أنّ ستالين ما زال يعتقد أنّ ترومان سيضطر في نهاية المطاف إلى التنازل عن الوحدة الألمانية بشروط الاتحاد السوفييتي -التعويضات الضخمة والبنية السياسيّة المؤيّدة للشيوعيّين- من أجل الوفاء بتعهد سلفه فرانكلين روزفلت بسحب القوات الأمريكيّة من أوروبا في غضون عامين بعد الحرب. غادر مارشال موسكو مُقتنعًا بأنّ التعاون مع السوفييت قد انتهى. كانت ألمانيا وكثير من دول أوروبا الغربية، تتّجه نحو الانهيار الاقتصاديّ والاجتماعيّ، ويبدو أنّ القول المأثور للينين ’’الأسوأ ، كلّما كان ذلك أفضل‘‘ هو رد ستالين.  لقد حان الوقت، قرّر مارشال بالعمل الأحادي من جانب الولايات المتّحدة لتأمين حكومةٍ ديمقراطيّةٍ رأسماليّةٍ في أجزاءٍ من أوروبا لا تزال خارج السيطرة السوفيتيّة.

وفي خطابه الذي ألقاه في جامعة هارفارد في 5 يونيو 1947، قدّم الخطوط العريضة لما يمكن أن يصبح ’’خطة مارشال‘‘ التي تضمنت تقديم مساعداتٍ أمريكيّةٍ ضخمةٍ لمدّة أربع سنوات لدعم إعادة الإعمار والتكامل الأوروبي. وندّد ستالين بالخطة  باعتبارها مؤامرةً أميركيّةً شريرةً لشراء الهيمنة السياسيّة والعسكريّة على أوروبا. كان يخشى من فقدان السيطرة ليس فقط على ألمانيا بل على أوروبا الشرقية أيضًا.  قبل إطلاق خطة مارشال، لم يكن ستالين يومًا متشددًا بشأن أشكال الاشتراكية التي تتبعها الدول في نطاق الاتحاد السوفييتي. وسمح لكل من بلغاريا وتشيكوسلوفاكيا والمجر وبولندا ورومانيا بتشكيل حكوماتٍ ائتلافيّةٍ من نوعٍ أو آخر. وكان مطلبه مجرّد الولاء لموسكو على السياسة الخارجية. من شأنه أن تتغير قريبًا. وبحلول نهاية عام 1948، استغلّ ستالين وسحق العناصر غير الشيوعيّة المُتبقيّة في حكومات أوروبا الشرقيّة.

كان ترومان يريد استخدام خطة مارشال كأداةٍ للحدّ من المشاحنات الأمنيّة الأمريكيّة في أوروبا. لكنّ وزارة الخارجية قامت بتخصيص مبلغ 13.2 مليار دولار (أكثر من 135 مليار دولار من أموال اليوم) على شكل مِنَحٍ للمتلقّين الذين يدمجون اقتصاداتهم، ممّا يجعلهم يعترضون على أنّ فقدان الاكتفاء الذاتي سيجعلهم أكثر عُرضةً للمضايقات والتهديدات السوفيتية (والألمانية). لذا وافق الرئيس على المطالب الفرنسية والبريطانية بمنح مساعدة مارشال للحماية العسكرية. وفي الرابع من نيسان/أبريل عام 1949، أي بعد مرور عام على توقيع تشريع مساعدات مارشال، وقّع ترومان اتفاقية التأسيس لمنظمة حلف شمال الأطلسي (الناتو).

وفي الشهر التالي، قبلت الولايات المتّحدة وبريطانيا وفرنسا الدستور لدولة ألمانية الغربية الجديدة. وردّ السوفييت بإنشاء دولتهم الشرقية الخاصّة في أكتوبر. إنّ جدلية الشكوك لدى كل طرف تجاه الآخر باللعب قدر الإمكان دون اللجوء إلى الحرب، فالحدود الأوروبية لنزاع الحرب الباردة ستبقى مجمّدة للأربعين سنة القادمة. بعد أربعة عقود، في 9 تشرين الأول/نوفمبر 1989، تجمّع حشود من ألمانيا الشرقية أمام حائط برلين وهم يصرخون ’’Tor auf!‘‘ ’’افتحوا البوابة!‘‘. وعندما استجاب حرس الحدود القلقين والمُرتَبِكين، بدأ عشرات الآلاف يتدفقون إلى الغرب. وفعل ذلك ملايين آخرون في الأيام القادمة.

بعد ستة أسابيع في دريسدن، استقبل حشد من المستشاريين في ألمانيا الغربية هيلموت كول يهتفون ’’Einheit! Einheit! Einheit!‘‘ ’’الوحدة!‘‘. وفي مكانٍ قريب، أمضى ضابط في جهاز المخابرات السوفياتية يبلغ من العمر 37 عامًا أسابيع في حرق تلال من الوثائق استعدادًا لهجماتٍ مُحتملةٍ على مخفره من قبل الغوغاءين الغاضبين. أتلف حجمًا ضخمًا من الرماد فرن المبنى. وبعد سنوات، قام صحفيون روس بمقابلة الضابط السابق في ألمانيا، وأوضح فلاديمير بوتين: «كنّا مهتمين بأيّ معلومات عن الخصم الرئيسي». هذا الخصم هو الناتو، وسيواصل استمالة القادة الروس في السنوات القادمة.

وبحلول أوائل عام 1990، كان الشيوعيّون الألمان الشرقيّون، الذين كانوا ينهزمون تحت وطأة الاشمئزاز الشعبي والاقتتال الداخلي، قوةً سياسيّةً مستفذّةً، وكان الأمين العام السوفيتي ميخائيل غورباتشوف قد بدأ يروّض نفسه للوحدة الألمانية. وكان لا يزال يُطالب بأنّ ألمانيا الموحدة لن تكون جزءًا من حلف الأطلسي. وقال غورباتشوف للصحفيين الألمان والسوفييت عن استمرار العضوية الألمانية في حلف الناتو يجب ’’استبعادها تمامًا‘‘.

وقد أكدّ غورباتشوف وخلفاؤه الروس أنّهم تعرضوا للتضليل بشأن ما إذا كان سُيسمَح للحلف بالتوسّع شرقًا. وقال الزعيم السوفيتي: «الناتو هو منظمة مُصمّمة منذ البداية لتكون معاديةً للاتحاد السوفييتي». وأخبر وزير الخارجية للولايات المتحدة في ذلك الحين جيمس بيكر: «أيّ تمدد في المنطقة من قبل حلف شمال الأطلسي غير مقبول». ولكن عندما أُعيدَ توحيد ألمانيا في أكتوبر، كان عاجزًا عن وقف خروج الجزء الشرقي من معاهدة وارسو والدخول في حلف الناتو.

مع زوال غورباتشوف والاتحاد السوفيتي في عام 1991، واصل الرئيس الروسي بوريس يلتسين الضغط على القضية مع نظيره الأمريكي. وكان الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون قد قال إنّ الولايات المتحدة ’’تزرع بذور عدم الثقة‘‘ بالتعلّق بعضوية حلف الناتو أمام دول حلف وارسو السابق. وقال كلينتون خلال اجتماع عام 1995 في الكرملين: «بالنسبة لرئيسٍ روسيٍ يوافق على حدود توسيع حلف شمال الأطلسي إلى حدود روسيا، فإنّه سيشكل خيانةً للشعب الروسيّ». وقد حذّر وزير الدفاع بافيل غراتشيف القادة البولنديين من أن مواطنيهم ينظرون للتحالف على أنّه ’’وحشٌ مُوجّهٌ ضدّ روسيا‘‘.

رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية يفغيني بريماكوف، الذي سيصبح فيما بعد وزير الخارجية ورئيس الوزراء، جادل بأنّ توسع حلف الناتو سوف يتطلّب وضع دفاعٍ روسيٍّ أكثر قوةً. وقال للدبلوماسي الأمريكي ستروب تالبوت في عام 1996: «هذه ليست مجرّد مشكلة نفسيّة بالنسبة لنا، إنّه سؤال أمني». كما حذّر مجلس موسكو للسياسة الخارجية والدفاع من أنّ توسيع الناتو سيجعل ’’دول البلطيق وأوكرانيا منطقةً من التنافس الاستراتيجي المُكثّف‘‘.

تركت مقاومة روسيا كلينتون أمام خيارين معقولين. يمكنّه أن يتجاهلها ويصرّ على توسيع حلف الناتو بطريقةٍ قويةٍ، في إطار منطق أنّ ’’روسيا سوف تظلّ روسيا دائمًا‘‘ وسوف تضايق وتهيمن على جيرانها إذا لم يتم احتواؤها من خلال التهديد باستخدام القوّة العسكريّة. كان هذا هو الموقف الجمهوري في ذلك الوقت، والذي تمّ تحديده في مجموعة ’’عقد مع أمريكا‘‘ عام 1994. وكان الخيار الآخر هو الجلوس إلى أن ترفض السلطات الروسيّة الالتزام بتعهداتها باحترام سيادة جيرانها.

لكنّ كلينتون اختار خياراً ثالثاً، وهو توسيع حلف الناتو بثمنٍ رخيصٍ في إطار منطق أنّ الحلف يواجه أيّ عدوٍّ حقيقيٍ. وفي عام 1996، جادل رونالد أسموس، الذي سرعان ما أصبح مسؤولًا مؤثرًا في إدارة كلينتون، بأنّ تكاليف توسيع حلف الناتو ستكون متواضعةً، لأنّ ’’الفرضية كانت تتجنّب المواجهة مع روسيا، وليست استعدادًا لتهديد روسي جديد‘‘.

سأل السناتور الديمقراطي سام نان في خطاب إلى المسؤولين العسكريين: «هل سنكون قادرين حقًا على إقناع الأوروبيين الشرقيّين بأنّنا نحميهم… بينما نُقنِع الروس بأنّ توسيع الناتو لا علاقة له بروسيا؟». وحذّر تالبوت في مذكّرةٍ داخليّةٍ من أنّ «حلف الناتو المُوسّع الذي يستثني روسيا لن يخدم احتواء روسيا، بل على العكس من ذلك إنّه سيزيد من استفزازهم». لكنّ ريتشارد هولبروك، ثم مبعوث كلينتون الخاص إلى البلقان، رفضا هذا التحذير. وكتب في مجلة السياسة العالمية في عام 1998: «بعد سنواتٍ من الآن سوف ينظر الناس إلى النقاش مرّة أخرى ويتساءلون عن كل هذه الجلبة، وسوف يلاحظون أنّه لم يتغير شيء في علاقة روسيا بالغرب».

لا يمكن أن يكون هولبروك أكثر خطأً. قال كينان، البالغ من العمر 94 عامًا، لتوم فريدمان في صحيفة نيويورك تايمز: «لقد وقعنا على حماية سلسلةٍ كاملةٍ من البلدان، على الرغم من أنّنا لا نمتلك الموارد ولا نيّة القيام بذلك بأيّ طريقةٍ جادّةٍ». إنّ المناورة التي سيجريها كلينتون ستضع حلف شمال الأطلسي في ظلّ نقص الموارد ضد روسيا المُتسلّطة والفاشستية أكثر من أي وقت مضى.

بعد أيامٍ من انضمام الجمهورية التشيكية والمجر وبولندا إلى الناتو في آذار/مارس 1999، بدأ الحلف حملة قصف لمدة ثلاثة أشهر ضد صربيا والتي، مثل روسيا، هي دولة أرثوذكسية سلافية (أي متعلق باللغات السلفية). هذه الهجمات على بلد شقيق أثارت الروس العاديين، خاصة وأنّهم لم ينفذوا دفاعًا عن عضو في الناتو، بل لحماية السكان المسلمين في كوسوفو، التي كانت آنذاك مقاطعة صربية. إنّ أعمال الناتو في يوغوسلافيا السابقة – في البوسنة عام 1995 وكذلك في صربيا في عام 1999 – تمّ القيام بها بأهدافٍ نبيلةٍ ألا وهي وقف ذبح الأبرياء. ومع ذلك، فإنّ توسّع حلف الناتو في دول حلف وارسو السابق يضمن للجميع ألّا يُرَى الروس بهذه الطريقة. عرفت موسكو أنّ أتباعها السابقين، بالانضمام إلى الحلف، قد ربطوا أنفسهم الآن بدعم السياسات الغربية التي تحدّت المصالح الروسية. كلما اتّسع حلف الناتو إلى الشرق، أصبح التهديد أكثر.

بدا ذلك واضحًا بشكلٍ خاص عندما بدأ أعضاء حلف الناتو في اتخاذ إجراءاتٍ أحاديّة الجانب معاديّةً لروسيا، وهي أعمال لم تكن لتتخذها أبًدا خارج الحلف. ففي عام 2015، على سبيل المثال، أسقطت تركيا طائرةً مقاتلةً روسيّةً كانت قد عبرت مجالها الجوي من سوريا، حيث كانت تقصف معارضي نظام بشار الأسد. وهكذا صرحت وزارة الخارجية التركيّة لروسيا بعد الهجوم: «المجال الجوي التركي … هو المجال الجوي لحلف الناتو». وأصحبت روسيا على علم بذلك. وقال رئيس الوزراء الروسي دميتري ميدفيديف في مقابلة مع مجلة التايم: «تركيا لم تتصرف كممثل عن نفسها فقط لكن عن تحالف شمال الأطلسي ككل، وهذا عمل نابع من غير مسؤولية للغاية».

في محاولة لطمأنة الروس بأنّ الناتو لم يكن يشكل تهديداً، اعتبرت إدارة كلينتون أنّ المصالح الروسية المشروعة من المسلمات، في عصر ما بعد الغلاسنوست (سياسة التحرر التي أسسها غورباتشوف في الأتحاد السوفييتي في الثمانينات) والبيريسترويكا (سياسة الانفتاح وإعادة البناء الاقتصادي في روسيا تحت رعاية غورباتشوف خلال الثمانينات)، لن تتعارض مع مصالح الناتو. لكن هذا الرأي يفترض أنّ الحرب الباردة كانت مدفوعة بالأيديولوجية وليس بالجغرافيا. كان هالفورد ماكيندر، مؤسس الجغرافيا السياسية، قد سخر من هذا الرأي. وقد اجتذب ماكيندر، الذي توفي في عام 1947، وهو العام الذي تمّ فيه إطلاق مبدأ ترومان وخطة مارشال، اهتمام صانعي السياسة إلى منطقة مركزية الأوروآسيوية الشاسعة التي هيمنت عليها روسيا. كما كتب في عام 1919 ’’من يحكم أوروبا الشرقية‘‘ و’’قيادة المنطقة المركزية: من يحكم النطقة المركزية يقود الجزيرة العالمية ومن يحكم الجزيرة العالمية يقود العالم‘‘. كانت أفكار ماكيندر، وليس ماركس، هي أفضل تفسير للحرب الباردة.
خوف روسيا الأبدي من الغزو قاد سياستها الخارجية آنذاك وما زال يفعل ذلك الآن. كتب كينان في كتابه الشهير تلغراف طويل عام 1946: «في أساس نظرة الكرملين للشؤون العالمية هو شعور تقليدي روسي وغريزي بعدم الأمان». كانت روسيا أمام تحديات واسعة وذات ميل كبير إلى التمزق، وبالنظر إلى الخارج كانت روسيا ’’أرضًا لم تكن تعرف أبداً جارًا ودودًا‘‘. كانت ميزتها هي عدم قابليتها للدفاع ضد الهجوم. لا توجد سلاسل جبلية أو مسطحات مائية تحمي حدودها الغربية. ولقرون، عانت الغزوات المتكررة. وشجع هذا المشهد والتاريخ على ظهور قيادة مركزية للغاية وإدارة مستبدة مهووسة بالأمن الداخلي والخارجي. كان الشيوعيون مجرد مجموعة واحدة من هذه القيادات، وهي غريبة عن العصر الذي ظهرت فيه.

لطالما كانت الحدود الغربية للبلاد ضعيفة بشكل خاص. تشكل مساحة اليابسة الأوروبية الحدود الغربية الروسية شبه جزيرة كبيرة يحيط بها بحر البلطيق وبحر الشمال في الشمال، والمحيط الأطلسي في الغرب، والبحر الأسود في الجنوب. وفي المقابل، روسيا لديها عدد قليل من المنافذ البحرية. المحيط المتجمد الشمالي بعيد عن مراكزه السكانية. الموانئ القليلة في البلاد غير صالحة للاستعمال إلى حد كبير في الشتاء. ويمكن بسهولة حظر المياه التركية في الجنوب، مثل المياه الشمالية في الشمال. خلال الحرب الباردة، أعاقت القواعد الجوية النرويجية والبريطانية والأيسلندية وصول روسيا إلى البحر.
لكن هذه المشاكل لم تقتصر على القرن العشرين. ففي النصف الأخير من القرن التاسع عشر، تم احتواء روسيا من قبل فرنسا وبريطانيا – في البلقان، والشرق الأوسط والهند والصين – قبل أن يضع كينان ’’الاحتواء‘‘ كلمة معروفة. خياراتها الدفاعية محدودة، عقيدتها العسكرية كانت من الناحية التاريخية عدوانية. وقد سعت إلى السيطرة على جيرانها كوسيلة لمنع استخدام الأراضي الحدودية ضدها من قبل القوى الأخرى. وفي حين يرى الغرب أنّ مخاوف روسيا من الغزو لا أساس لها من الصحة، فقد أظهر التاريخ للزعماء الروس أنّ النوايا الأجنبية مخفية أو مائعة في العادة. كل عصر يجلب تهديد وجودي جديد؛ سيكون هناك دائما نابليون آخر أو هتلر.

بعد الحرب العالمية الثانية، كان التهديد من وجهة نظر الكرملين هو التطويق الرأسمالي الذي تقوده واشنطن ودميتها ألمانيا الغربية. إن دمج أوكرانيا وروسيا البيضاء (1922) ودول البلطيق (1940) في الاتحاد السوفييتي، وإنشاء دويلة حاجزة إضافية في الشرق، عزّز أمن روسيا على حساب الغرب. وفي عام 1949 أدّى تقسيم السيطرة على ألمانيا إلى توازن مستقر، استمر لمدة أربعة عقود. وبمجرّد أن فقدت موسكو سيطرتها على برلين في عام 1989، انهارت الحدود الدفاعية الروسية، مما اضطرها إلى التراجع إلى حدود أبعد شرقًا مما كانت عليه منذ القرن الثامن عشر.

وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ضابط المخابرات السوفيتية السابق الذي كان على الخطوط الأمامية لجهود موسكو السرية ضد حلف الناتو خلال الثمانينات، في خطابه عن حالة الأمة عام 2005 عن انهيار الاتحاد السوفييتي بأنه ’’أعظم كارثة جيوسياسية‘‘ في القرن العشرين. لقد كرس جزء كبير من فترة رئاسته الطويلة لاستعادة الحيز الاقتصادي والأمني للاتحاد السوفييتي في مواجهة توسع حلف الناتو والاتحاد الأوروبي ومنع الأجزاء المكونة للإمبراطورية السوفيتية القديمة من تقويض مصالح روسيا الحالية.

في حين أنّ النزاعات العسكرية في مولدوفا وجورجيا وأوكرانيا قد نُسبت إلى جهود الكرملين العدوانية لإعادة تأسيس عناصر من الإمبراطورية السوفييتية، فمن الجدير بالذكر أنّ روسيا لم تقم بضم أي من المناطق الانفصالية – باستثناء شبه جزيرة القرم التي تضم أسطول البحر الأسود الروسي. والسبب ليس مجرد إنكار، بل أيضًا حقيقة أنّ ضمّ الأراضي الموالية لروسيا كان من شأنه أن يعزّز القوى الموالية للغرب في الأجزاء المتبقية من كل بلد. وسيؤدي الضم إلى تقويض الهدف الأساسي لروسيا، وهو إبقاء البلدان التي لا يمكن للمؤسسات الغربية أن تصل إليها لتهدد المصالح الروسية. إنّ وجود صراعات مُجمّدة في الدول الثلاث يمنعها فعليًا من الانضمام إلى حلف الناتو. لطالما رفض الحلف الطامحين بالنزاعات الحدودية غير المحسومة والصراعات الإقليمية الداخلية والقدرة العسكرية غير الكافية لتوفير دفاع وطني له مصداقية.

في حالة جورجيا وأوكرانيا، تزامن توقيت التدخلات الروسية مع تحقيق تلك البلدان لمعايير ملموسة على طريق الانضمام إلى عضوية حلف الناتو. تشكل الأقاليم الانفصالية المشتركة، تحت السيطرة الروسية الفعالة، الآن قوسًا وقائيًا ذا قيمة على طول الحدود الغربية والجنوبية الغربية لروسيا. وكما عزّز ستالين المنطقة العازلة للاتحاد السوفياتي ردًا على خطة مارشال، التي توقع أن تضيفها واشنطن بالقوة العسكرية، عزّز بوتين المنطقة الروسية العازلة ردًا على توسع الناتو.

ربما تكون وجهة نظر بوتين أفضل من خلال محادثة خاصة أجراها مع الزعيم الإسرائيلي السابق شيمون بيريز قبل وفاة الأخير في عام 2016: «ماذا يريد الأمريكيون من الناتو؟ أي جيش يريدون للقتال؟ يعتقدون أنّني لم أكن أعرف أنّ شبه جزيرة القرم هي روسية وأن خروشتشيف قد أعطاها لأوكرانيا كهدية؟ لم أكن أهتم، حتّى ذلك الحين كنت في حاجة إلى الأوكرانيين في حلف شمال الأطلسي. لأي غرض؟ أنا لم أتعرّض لهم».

هذه ليست كلمات مدافع عن أيدولوجية. كما أنّه ليس تفكير لزعيم روسي فريد لا يرحم. فرغم كل شيء، كان غورباتشوف، الذي لا يحب بوتين، يدعم ضمّ شبه جزيرة القرم، وكذلك العمل العسكري الروسي في جورجيا. لقد كتب في مذكراته: «أعمى عن المشاعر التي أثارها توسع الناتو في روسيا».

لا يحتاج القادة الغربيون إلى التعاطف مع روسيا، ولكن إذا كانوا يرغبون في وضع سياسات خارجية فعّالة، فهم بحاجة إلى فهمها. ربّما اختفت الشيوعية من أوروبا، لكن الجغرافيا في المنطقة لم تتغير. إنّ روسيا، كما كانت دائماً، كبيرة وقوية للغاية بحيث لا يمكن دمجها داخل المؤسسات الغربية دون تغيير جذري لها، كما أنّها معرّضة بشدة للتجاوزات الغربية للإذعان لاستبعادها.

إنّ خطة مارشال، التي رسّخت الحرب الباردة ، تُذكَر كواحدة من الإنجازات العظيمة للسياسة الخارجية الأمريكيّة ليس لمجرّد كونها بصيرة، بل لأنّها نجحت أيضًا. لقد نجحت لأنّ الولايات المتّحدة قبلت حقيقة وجود نفوذٍ روسيٍّ لا تستطيع اختراقه دون التضحية بالمصداقيّة والدعم العام.

ترتكز الأعمال العظيمة من الحنكة السياسيّة على واقعيّة لا تقل عن المثاليّة. إنّه درس تحتاج أميركا إلى تعلّمه.

الوسوم

التعليقات