نشر مؤخرا تقرير منسوب لموقع Hudson Institute، تناول فيه ما يدور داخل أروقة دير سانت كاترين، حيث أثار أقدم الأديرة المسيحية العاملة في العالم، اهتماماً دولياً في وقت سابق من هذا العام، وسط مخاوف من احتمال استيلاء الحكومة المصرية على ممتلكاته المقدسة، فقد صدر في 28 مايو قرار معقد من محكمة إقليمية مصرية يهدد بنقل ملكية معظم أراضي الدير.

ويعود الدير مجدداً إلى صدارة الأخبار، ولكن لأسباب غير سارة مرتبطة بذلك القرار القضائي. فبضغط من القيادات الأرثوذكسية اليونانية حول العالم، أعلن رئيس الدير، المطران داميانوس، عزمه الاستقالة اعتباراً من 12 سبتمبر. وفي الأثناء، قرر المجمع المقدس لبطريركية القدس في 8 سبتمبر، وبالإجماع، عزل داميانوس من منصبه مسبقاً.
وأوضح موقع Hudson Institute، تشهد المفاوضات المعقدة أصلاً حول وضع دير سانت كاترين مزيداً من الاضطراب. يقع هذا الدير العظيم عند سفح جبل سيناء، حيث أعطى الله الوصايا العشر لموسى. ويُعتقد أنه يضم شجيرة العليقة المشتعلة التي كلّم الله منها موسى. كما تحتوي مكتبته على وثائق قديمة لا نظير لها، من بينها مخطوطة السينائية، وهي مخطوطة تعود إلى القرن الرابع، تضم معظم نصوص العهد القديم باليونانية، وتعد أقدم نسخة كاملة من العهد الجديد.
إن بقاء هذا الدير لأكثر من ألف عام في منطقة نائية تربط بين القارات وتجتازها جيوش غازية يُعد معجزة بحد ذاته. وتشير التقارير إلى أنه يحتفظ بعهد حماية منحه النبي محمد – صلى الله عليه وسلم – عام 623 ميلادية، وأكده السلطان العثماني سليم الأول في القرن السادس عشر. وخلف جدرانه المحصنة، تمكن من البقاء في واحدة من أكثر مناطق العالم قسوة.
ورغم مكانته التاريخية، فإن القرار المعقد الصادر عن المحكمة في 28 مايو يعني أن الحكومة المصرية يمكنها أن تطالب بحقوق ملكية على معظم أراضي الدير. وقد قللت الحكومة المصرية من أهمية هذه المخاوف، مشددة على “أهمية الحفاظ على العلاقات الوثيقة والأخوية التي تربط البلدين والشعبين وعدم المساس بها”.

وأشار التقرير المنسوب لموقع Hudson Institute، وتطوّرت الأحداث اللاحقة بصورة معقدة ومثيرة للانقسام. فباعتبار دير سانت كاترين تابعاً للكنيسة الأرثوذكسية اليونانية، فقد تعاون مع الحكومة اليونانية ومع معظم العالم الأرثوذكسي لصوغ ردّه على قرار المحكمة وعلى الحكومة المصرية ذاتها.
وفي الأثناء، تزايدت حدة التوتر بين رهبان الدير، ولا سيما بشأن دور رئيسه الطاعن في السن، المطران داميانوس، الذي يقود الدير منذ 52 عاماً. وبلغ الخلاف ذروته عندما أعلن غالبية الرهبان أنهم قرروا عزل داميانوس من رئاسة دير سانت كاترين، فيما هدد المطران من جانبه بحرمان الرهبان المتمردين من الكنيسة.
وفي 30 يوليو، أرسل الرهبان وفداً ورسالة إلى البطريرك ثيوفيلوس الثالث، بطريرك الروم الأرثوذكس في القدس، طالبين تدخله للمصالحة وتسوية الانقسام، وجاء في رسالتهم أن “الجمعية العامة للأخوية السينائية قررت اليوم بالإجماع عزل المطران داميانوس السينائي من منصبه كأب ورئيس أساقفة.”
استجاب البطريرك ثيوفيلوس إيجاباً لهذه المبادرة، وأوفد ثلاثة من كبار رجال الدين إلى الدير للمساعدة في حل الخلاف. إلا أن هذه الخطوة، رغم حسن نيتها، دخلت حقل ألغام قانوني يتعلق بسلطات الولاية الكنسية داخل الكنيسة الأرثوذكسية، مما زاد من حدة التوتر.

فعلى الرغم من أن بطريركية القدس تمتلك سلطة كنسية على معظم مناطق الشرق الأوسط، فإن مدى شمول هذه السلطة لدير سانت كاترين يبقى موضع جدل. ويذكر الموقع الرسمي للدير أنه “غير خاضع، ومحمي، ولا يطأه أحد، ويتمتع بحرية كاملة من الجميع. علاوة على ذلك، فهو كنيسة ذات حكم ذاتي، وهذه الصفة تمنحه المكانة القانونية نفسها التي تتمتع بها الكنائس الأرثوذكسية الكبرى، كاليونانية أو الروسية، أي أنه كنيسة مستقلة بذاتها، وإن كانت الأصغر ضمن العائلة الأرثوذكسية الشرقية.
ولمزيد من التعقيد، يقرّ الموقع أيضاً بوجود “علاقة روحية أوسع وغير محددة مع بطريرك القدس.” ومع ذلك، أكد البطريرك ثيوفيلوس في رسالة لاحقة إلى المطران داميانوس أن لبطريركية القدس الولاية الروحية والكنسية على الدير، مشيراً إلى أن “بطريركية القدس تتحمل الولاية الروحية والقانونية على الدير البطريركي الستافروبيغي في سيناء.”
واستكمل التقرير المنسوب لموقع Hudson Institute، وجاء ردّ المطران داميانوس حادّاً وسلبياً، مؤكداً استمرار “الجهد الجبّار الذي بدأ لإنقاذ الدير وضمان مستقبله” من أي إجراءات قضائية محتملة في مصر، ومعبّراً عن أسفه قائلاً:
“في هذه اللحظة بالذات، حين عادت الآمال وبدأت الجهود تثمر، تثبت كلمات ديونيسيوس سولوموس من جديد: الفرقة، تلك البائسة، تمسك الصولجان. تبتسم لكل إنسان وتقول: خذه لنفسك.”
وفي الوقت نفسه، رأى منتقدون أن بطريركية القدس “تسعى في المقام الأول إلى ترسيخ دورها بوصفها الجهة المركزية في جميع القرارات المتعلقة بمستقبل دير سانت كاترين.” وفي ظل هذه التوترات، صدرت رسائل من أثينا ومن البطريرك المسكوني تفيد بتراجع دعمهما لموقف داميانوس. وردّاً على ذلك، أعلن المطران، البالغ من العمر 91 عاماً، أنه بدأ إجراءات اختيار خلف له.
لكن هذا المسار توقّف سريعاً، إذ قررت بطريركية القدس في 8 سبتمبر، وبالإجماع، عزل داميانوس من منصبه. وقد أضعفت هذه الخلافات موقف الدير في مواجهة التحديات القانونية التي يطرحها النزاع أمام المحاكم المصرية، في وقت تشير فيه مؤشرات إلى قرب التوصل إلى تسوية محتملة.
ففي 7 سبتمبر من العام الجاري، صرّح رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس بأن اليونان ومصر “تقتربان من توقيع اتفاق بشأن الوضع القانوني للدير.” غير أن هذا الاتفاق يتطلّب موافقة رئيس الدير، وهو المنصب الذي أصبح شاغراً بعد عزل داميانوس.
وفي حين تتواصل الخلافات الكنسية حول هذا الدير العريق، يبدو أن التفاهم الحكومي بين مصر واليونان يسير بوتيرة أسرع، إذ أكّد ميتسوتاكيس أن الجانبين يقتربان من التوصل إلى اتفاق نهائي. وتولي الحكومتان أهمية كبيرة لحل هذه القضية ودياً، نظراً لعلاقاتهما الوثيقة وتحالفهما في شرق البحر المتوسط في مواجهة تركيا وليبيا، خصوصاً في ما يتعلق بالكابلات البحرية وحقوق النفط والغاز.
وهكذا، قد تسهم الاعتبارات السياسية والتحالفات الإقليمية في حماية دير سانت كاترين، رغم استمرار الانقسامات داخل الكنائس نفسها.
رابط المصدر:
https://www.hudson.org/religious-freedom/leadership-crisis-roils-st-catherines-monastery-amid-egyptian-court-dispute-paul-marshall




