في حين يفرض التعزيز العسكري المصري قدراً من اليقظة، ينبغي لإسرائيل أن تستثمر المصالح المشتركة مع القاهرة في ملفات إيران، وحركة حماس، والطاقة، وشرق البحر المتوسط، بما يسهم في الحفاظ على استقرار العلاقات مع جارتها الجنوبية.
ذكر تقرير منسوب لمعهد القدس للدراسات الاستراتيجية والأمنية، أن الجدل في إسرائيل بشأن نوايا اكتسب مصر زخماً في الآونة الأخيرة، سواء في وسائل الإعلام أو في الأوساط البحثية. وكان الدافع وراء ذلك مناورة عسكرية مصرية في سيناء في أبريل/نيسان 2026، رغم أنها كانت قد نُسقت مسبقاً.
ويعكس هذا النقاش عناصر مثيرة للقلق في الوضع العسكري المصري، وفجوات كبيرة بين القدس والقاهرة بشأن مجموعة من القضايا، بدءاً من موقف مصر من الحملة ضد إيران، وصولاً إلى اعتراف إسرائيل بأرض الصومال. وعلى المستوى الاستراتيجي، يتمحور السؤال الرئيسي حول علاقة مصر بالاصطفاف الناشئ الذي يضم تركيا وباكستان والمملكة العربية السعودية.
ورغم أن هذا المعسكر “السني” يبدو وكأنه يتشكل استجابةً لإيران الشيعية ووكلائها، فإن لدى إسرائيل أسباباً تدفعها إلى النظر إليه بقلق متزايد، ولا سيما إذا انضمت إليه مصر في نهاية المطاف. وفي الوقت نفسه، لا يزال من الممكن النظر إلى نظام عبد الفتاح السيسي بوصفه شريكاً في مكافحة الإسلام الراديكالي، وجزءاً من الاصطفاف الإقليمي الموالي للولايات المتحدة.
ويُعد تجدد تركيز إسرائيل على مصر أمراً مهماً، لأن القضية المصرية كثيراً ما تُدفع إلى الهامش وسط التدفق المستمر للأحداث في المنطقة.
فمصر هي أهم جار لإسرائيل، وقد حافظت على السلام مع إسرائيل على مدى جيلين؛ وهو سلام بارد، لكنه يستند الآن إلى اتفاق طويل الأجل للغاز، ويبلغ عدد سكان مصر 120 مليون نسمة، ما يجعلها الدولة الأكثر سكاناً في كل من الشرق الأوسط وحوض البحر المتوسط.
كما تمتلك جيشاً نظامياً كبيراً، وقوة جوية قوية، وبحرية متطورة تضم سلاح غواصات، ويضفي الموقع الجيوستراتيجي لمصر ومكانتها الدبلوماسية مزيداً من الأهمية عليها، كما يزيدان من خطورة أي تدهور في العلاقات إذا ما تعمقت الشكوك المتبادلة.
واستكمل التقرير المنسوب لمعهد القدس للدراسات الاستراتيجية والأمنية، لذلك، تحتاج إسرائيل إلى سياسة حذرة ومحكمة التوازن، تجمع بين متطلبين: توفير استجابة أمنية للمخاوف المشروعة، وفي الوقت نفسه تحديد مجالات التقارب والمصالح المشتركة التي يمكن أن تعزز معاهدة السلام. وينبغي أن تأخذ معادلات بناء القوة في جيش الدفاع الإسرائيلي، على المدى الطويل، في الحسبان القدرات المصرية البرية والجوية والبحرية بوصفها عامل مخاطرة، وإن لم ترقَ بعد إلى مستوى “التهديد”، حتى في ظل غياب نية عدوانية في الوقت الراهن.
كما يتعين على إسرائيل الحفاظ على وضعها الردعي في هذا السياق. وينبغي أيضاً أن يُبقي مجتمع الاستخبارات مصر تحت مراقبة دقيقة، وأن يمنحها أولوية في متطلبات جمع المعلومات، مع إيلاء اهتمام خاص للاستخبارات المستمدة من المصادر المفتوحة، التي يمكن أن تكشف للعين الخبيرة عن التوجهات الأساسية للسياسات، والقيود الاقتصادية، والتيارات الاجتماعية والأيديولوجية الأعمق.
وفي الوقت نفسه، إذا بالغت إسرائيل في شكوكها، فإن القاهرة ستفسر ذلك بالمثل، وستؤدي الحلقة المفرغة الناتجة عن ذلك إلى تضييق هامش الحوار.
وأوضح التقرير المنسوب لمعهد القدس للدراسات الاستراتيجية والأمنية، وتشير زيارة السيسي إلى دولة الإمارات العربية المتحدة، وهي دولة تتقاطع مواقفها مع إسرائيل في العديد من القضايا المشار إليها أعلاه، بما في ذلك إيران وتركيا والقرن الأفريقي، والتي كُشف خلالها عن مساهمة القوات الجوية المصرية في الدفاع عنها (إلى جانب الأنظمة الإسرائيلية)، إلى أن مصر تحافظ على حرية حركتها، وأنها ليست ماضية في الاصطفاف مع تركيا، التي لا تزال تنظر إلى أيديولوجيتها ونواياها بعيدة المدى بعين الريبة، وأنها ترى ضرورة الإسهام في مواجهة إيران. كما يمكن لإسرائيل ومصر أن تجدا أرضية مشتركة بشأن حركة حماس، بالنظر إلى صلتها بجماعة الإخوان المسلمين، شريطة ألا تسعى إسرائيل إلى فرض حلول تدفع سكان غزة إلى عبور الحدود.
وأشار التقرير المنسوب لمعهد القدس للدراسات الاستراتيجية والأمنية، أن الوجود العسكري المصري في شبه جزيرة سيناء، منذ سنوات، يتجاوز السقوف التي حددها الملحق العسكري لمعاهدة السلام الموقعة عام 1979.
وتُبرر القاهرة هذا الوجود بالحاجة الفعلية إلى مكافحة التنظيمات الإرهابية الدموية، وفي مقدمتها تنظيم ولاية سيناء التابع لتنظيم الدولة الإسلامية، الذي ينشط بصورة رئيسية في شمال شبه الجزيرة.
وقد جرى التعزيز العسكري في المنطقة (ب) عموماً بعلم إسرائيل وبالتنسيق معها، كما سبق لإسرائيل أن شاركت بصورة مباشرة في دعم العمليات العسكرية المصرية هناك. ومع ذلك، فإن بعض ملامح الانتشار العسكري المصري لا تنسجم مع متطلبات مكافحة الإرهاب، رغم أن هذه القوات ليست منظمة في تشكيلات قتالية على مستوى الفرق، من النوع اللازم لخوض عمليات ضد جيش نظامي مثل جيش الدفاع الإسرائيلي.
كما تشير دلائل إلى إنشاء بنية تحتية تتيح للقوات الجوية المصرية الانتشار في قواعد جوية متقدمة داخل سيناء عند الضرورة. وإلى جانب ذلك، شهدت قدرات النقل العسكري وشبكة الطرق في سيناء تطوراً لافتاً.
وفي القدس، تحذر أصوات من أن هذه التطورات قد تعكس نية مصرية للعودة إلى الحرب مع إسرائيل في مرحلة ما. وقد أضفت هذه التحذيرات زخماً على الجدل الدائر في وسائل الإعلام بشأن النوايا المصرية.
ويستند هذا القلق إلى القوة الشاملة للجيش المصري، الذي يواصل تعزيز قدراته العسكرية بوتيرة كبيرة، مستفيداً من أموال المساعدات العسكرية الأمريكية، إلى جانب صفقات تسليح ممولة مع طيف واسع من الموردين على جانبي الانقسام الجيوسياسي، من بينهم فرنسا وألمانيا، فضلاً عن روسيا والصين.
وأشار تقرير معهد القدس للدراسات الاستراتيجية والأمنية، وتضم القوات المسلحة المصرية اثنتي عشرة فرقة نظامية، يغلب عليها الطابع المدرع أو الميكانيكي، وتعتمد على دبابات أبرامز الأمريكية، إضافة إلى قوة جوية كبيرة تشمل مروحيات هجومية متطورة، وقوة بحرية حديثة تضم سلاحاً للغواصات.
وبصرف النظر عن اعتبارات المكانة العسكرية والهيبة المؤسسية، فإن التهديد المرجعي الذي يُستند إليه في تبرير هذا المستوى من التسلح هو، بوضوح، جيش الدفاع الإسرائيلي، وهو ما تعكسه المناورات التي تُجرى على مستوى هيئة الأركان العامة. ولا ينطبق ذلك، بطبيعة الحال، على جيشي جارتي مصر الأخريين: ليبيا، التي تخضع منطقتها الشرقية لسيطرة حليف السيسي، “المشير” خليفة حفتر، أو السودان، الذي تعصف به حرب أهلية مدمرة. كما أن الخصائص النوعية لعملية بناء القوة العسكرية المصرية لا تتوافق مع احتمال اندلاع مواجهة مع إثيوبيا بشأن سد النهضة الإثيوبي الكبير.
كذلك أشار التقرير إلى أن الحذر والمراقبة الاستخباراتية الدقيقة أمران تفرضهما الضرورة، وينبغي إيلاء اهتمام خاص للمصادر المفتوحة، لما توفره من قدرة على استشراف توجهات السياسات، وقياس المزاج العام، ورصد القيود الاقتصادية واحتمالات الأزمات، فضلاً عن كشف التحولات الاجتماعية العميقة ومخاطر عدم الاستقرار أو صعود القوى المتطرفة.
كما يتعين على صناع القرار والمخططين، سواء على المستوى السياسي أو داخل المؤسسة الدفاعية، التعامل مع القدرات العسكرية المصرية بجميع أبعادها البرية والجوية والدفاع الجوي والبحرية باعتبارها عاملاً مهماً في معادلات بناء القوة لدى جيش الدفاع الإسرائيلي. وينبغي النظر إلى هذه القدرات بوصفها عامل مخاطرة مرجعياً، حتى وإن لم تمثل في الوقت الراهن تهديداً قائماً؛ أي حتى في ظل عدم وجود نية مصرية حالية لانتهاك معاهدة السلام.
وإذا ما أرفقت إسرائيل عملية بناء قوتها العسكرية بتوضيحات بشأن دوافعها، ومفادها أنها لا تعتزم المساس بأمن مصر أو دفع سكان غزة إلى النزوح نحو الأراضي المصرية، فإن ذلك من شأنه أن يعزز قوة الردع، وهي العامل الذي أسهم منذ البداية – وبصورة أكبر بعد نتائج حرب أكتوبر – في قرار مصر السعي إلى السلام.
وأشار تقرير معهد القدس للدراسات الاستراتيجية والأمنية، أن الجدل المتجدد بشأن أهداف مصر يجدد أيضاً عدداً من القضايا التي برزت خلالها خلافات جوهرية بين البلدين، سواء أثناء الحرب مع إيران أو في ظل التطورات الإقليمية الأوسع:
ولا يزال نظام السيسي يشكل ركيزة سياسية وأيديولوجية في مواجهة قوى الإسلام الشمولي في المنطقة، بما في ذلك حركة حماس، رغم احتفاظه ببعض قنوات الاتصال السياسي أو الاستخباراتي مع بعض هذه القوى.
وتتيح هذه الحقيقة، إلى جانب الطريق المسدود الذي وصلت إليه اتصالات نيكولاي ملادينوف مع حركة حماس، إمكانية تحديد المصالح المشتركة مع مصر، والحفاظ على قناة رفيعة المستوى بعيدة عن الأضواء، وصياغة رسائل متبادلة تهدف إلى تهدئة التوتر.
ويقتضي الحذر أن تستعد إسرائيل، وأن تضمن أن تأخذ عملية بناء قوتها العسكرية في الحسبان أكثر السيناريوهات تطرفاً، إلا أن حسن إدارة الدولة يقتضي أيضاً تجنب تضخيم المخاوف أو المبالغة في تصوير التهديد. وهناك ما يدعو إلى الخشية من أن يؤدي تصاعد الخطاب العلني ذي الطابع التصادمي بشأن نوايا مصر إلى إثارة الشكوك في القاهرة، وتعميق التوترات المتبادلة، في الوقت الذي برزت فيه فرصة لتحديد مجالات التقارب مع مصر.
رابط المصدر:




