في هذه المرحلة التاريخية المعقدة، تتصاعد وتيرة الصراعات في أفريقيا والشرق الأوسط. ثلاثة من هذه النزاعات، في السودان وليبيا وغزة، تشترك في قاسم جغرافي واحد، جميعها تجاور مصر. بل إن اثنتين من هذه الدول الثلاث، وهما السودان وليبيا، تشهدان حروباً بالوكالة، ما يجعل تحديد الأطراف والتوجهات العسكرية أمراً بالغ الصعوبة.
لكن الحكومة المصرية، مستندة إلى إرثها التاريخي كقوة إقليمية، وفي ظل وضعها الداخلي الدقيق، تسعى للحفاظ على دور فاعل في حل هذه الصراعات الثلاث، وإن كان غير مباشر، ومع أن الصوت المصري يبدو أكثر خفوتاً في القضية الفلسطينية، إلا أنه لا يزال يحمل ثقلاً أكبر على الساحة الأفريقية.
ذكر تقرير منسوب للمعهد الإيطالي لتحليل العلاقات الدولية، أنه في مطلع شهر يوليو، استقبلت مصر بفارق ساعات قليلة كلاً من المشير الليبي خليفة حفتر، قائد الجيش الوطني الليبي، والجنرال السوداني عبد الفتاح البرهان، رئيس مجلس السيادة في الخرطوم، وهذا التوقيت لا يمكن أن يكون مجرد مصادفة، خاصة في ظل التطورات الأخيرة داخل البلدين. هذا الحراك الدبلوماسي المصري يكشف عن رغبة القاهرة في استعادة زمام المبادرة والتحرك بفاعلية لإيجاد حلول لهذه الأزمات التي تهدد أمنها واستقرارها الإقليمي.
منذ اندلاع الحرب الأهلية في السودان عام 2023، تابعت القاهرة تطوراتها بدقة وحذر. فقد أيّدت مصر خطوة الجيش السوداني في 2019 لإزاحة الرئيس عمر البشير، وعندما تفجّر النزاع مجدداً في مارس 2023، أعلنت سريعاً دعمها للقوات المسلحة النظامية في معركتها ضد قوات الدعم السريع بقيادة محمد دقلو (حميدتي).
وأوضح المعهد الإيطالي، لم يكن هذا الموقف مجرد اصطفاف سياسي، بل خيار استراتيجي يهدف إلى منع تركيا من تثبيت موطئ قدم على البحر الأحمر. فقد وضعت أنقرة أنظارها على السواحل السودانية، بما يتيح لها السيطرة على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، فضلاً عن قربه من مكة المكرمة، ورغم أن سقوط البشير أوقف هذا المشروع، فإن تركيا واصلت محاولاتها للتدخل عبر دور “الوسيط”.
أما عام 2025، فقد حمل تطورات مفصلية في الميدان. ففي مارس، حقق الجيش السوداني نصراً نوعياً بحسم معركة الخرطوم بعد قتال طويل، مطيحاً بقوات الدعم السريع من قلب البلاد ودافعاً بها إلى معاقلها في دارفور غرباً.
غير أن ميزان القوى لم يستقر طويلاً؛ ففي يونيو، باغتت قوات دقلو خصومها وسيطرت على منطقة “المثلث” في شمال السودان، المتاخمة لمصر وليبيا. وزادت خطورة الموقف مع تقارير تحدثت عن توغل بعض وحدات الدعم السريع داخل الأراضي المصرية لعدة كيلومترات أثناء مطاردة القوات النظامية، ما جعل شظايا الحرب تطرق أبواب القاهرة مباشرة.
لم يتأخر رد الفعل الحكومي المتوقع، ففي محاولة لتبرير الهزيمة، اتهمت حكومة الخرطوم قوات الجنرال الليبي حفتر بتقديم الدعم للمتمردين في الاشتباكات. وهذا ما يقودنا إلى السيناريو الثاني.

تعيش الحرب الأهلية الليبية منذ عام 2020 حالة من الجمود الهش، عقب فشل محاولة المشير خليفة حفتر اقتحام العاصمة طرابلس. ومنذ عام 2013، وضعت القاهرة ثقلها خلف حكومة الشرق في طبرق، معتبرة إياها السدّ الأخير أمام تمدد الميليشيات الإسلامية التي تمثل جزءاً من الأجهزة الأمنية لحكومة الوحدة الوطنية في الغرب.
يزداد الموقف تعقيداً مع الدعم التركي الصريح لحكومة طرابلس؛ إذ وفرت أنقرة غطاءً عسكرياً لها مقابل توقيع اتفاق مثير للجدل حول توسيع مناطق النفوذ الاقتصادي البحري بين الطرفين. هذا الاتفاق لا يشكل فقط خرقاً لموازين القوى الإقليمية، بل يهدد أيضاً بقطع المنطقة الاقتصادية الخالصة لمصر وعزلها عن شركائها في شمال المتوسط، وفي مقدمتهم اليونان، كما ذكر تقرير المعهد الإيطالي لتحليل العلاقات الدولية.
على صعيد آخر تلاحق الأزمات الكبرى القاهرة من كل اتجاه، لتدفعها إلى إعادة ترتيب أولوياتها على الساحة الإقليمية. فقد انشغلت الحكومة المصرية بملفات أكثر إلحاحاً مثل الحرب في غزة، وأمن البحر الأحمر، والأزمة السودانية، وتعقيدات سد النهضة الإثيوبي، الأمر الذي انعكس على محدودية دعمها المباشر لحكومة طبرق في ليبيا. هذا الفراغ أفسح المجال أمام قوى أخرى، أبرزها روسيا التي زادت من حضورها في ليبيا، والإمارات العربية المتحدة التي تبنّت سياسة أكثر جرأة في الإقليم.
وإذا كان لموسكو والقاهرة تقاطعات سطحية في المصالح، خاصة في السودان حيث يدعم الكرملين الحكومة المركزية، فإن المشهد مع أبوظبي يختلف تماماً، فالإمارات تعمل وفق استراتيجية نفوذ متشابكة تمتد في عمق القارة الإفريقية، وتجد تجسيدها الأوضح في السودان، حيث تدعم قوات الدعم السريع، الخصم المباشر للجيش الذي تراهن عليه القاهرة.
وأشار المعهد الإيطالي لتحليل العلاقات الدولية، يكمن السبب في القطاع الزراعي الحيوي في السودان، والذي يُعد في الوقت نفسه نقطة ضعف، فقد استثمرت الشركات الإماراتية بكثافة في هذا القطاع، مستحوذة على ما يقارب 50 ألف هكتار من الأراضي الزراعية. تُعد هذه الاستثمارات حجر الزاوية في استراتيجية الإمارات لتنويع مصادر غذائها، والمساهمة في الوقت نفسه بتقليل اعتمادها على النفط.
وعلاوة على ذلك، تهتم الإمارات بالمواد الخام والذهب الموجود في مناجم غرب دارفور التي تسيطر عليها قوات الدعم السريع. وتموّل هذه القوات نفسها عبر عمليات تهريب واسعة النطاق، ما يُمكّنها من الحصول على تدفق كبير من الأسلحة القادمة من الأراضي الليبية التي تخضع لسيطرة مدينة طبرق.
في خضم هذا المسار، يبدو أن تشاد تلعب دورًا محوريًا وحاسمًا. ففي ظل الضغوط الهائلة على حدودها من أزمة هجرة محتملة ومدمرة، تتعاون تشاد مع أبوظبي وقوات الدعم السريع لتكون بمثابة نقطة ارتكاز في شبكة الإمداد غير المشروعة هذه، وذلك مقابل ضمان الاستقرار على حدودها.
وفي وقت سابق من هذا العام، وخلال عملية عسكرية، تمكن الجيش السوداني من أسر عدد من المرتزقة الكولومبيين الذين يقاتلون لصالح الإمارات، وقد وصل هؤلاء إلى دارفور عبر نفس الطريق المذكور. هذا التطور دفع الحكومة السودانية إلى توجيه اتهامات مباشرة للحكومة الإماراتية بالوقوف خلف الصراع، الأمر الذي أدى في نهاية المطاف إلى قطع العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

اعتادت الحكومات المتعاقبة في مصر أن تنظر إلى السودان باعتباره عمقاً استراتيجياً خلفياً، بينما ركزت أنظارها على التهديدات القادمة من الشمال أو الشرق. لكن المشهد تبدل اليوم؛ فإلى جانب المأساة المشتعلة في غزة، باتت التهديدات تتدفق من الجنوب والغرب معاً. وفي ظل هذا الطوق من الأزمات، يبرز الخطر الأكبر في احتمال التحالف بين قوات خليفة حفتر وقوات الدعم السريع.
وآوضح المعهد الإيطالي لتحليل العلاقات الدولية، أن المعارك الأخيرة في مايو أعادت فتح ملف هشاشة الحكومة الليبية، وهو ما شجع تركيا على اختبار خيارات جديدة، أبرزها احتمال التقارب مع طبرق. حفتر بدوره التقط الإشارة، ولوّح باستعداده للاعتراف باتفاق ترسيم المناطق الاقتصادية الخالصة (ZEE) مقابل الاعتراف بشرعية حكومته.
هذا السيناريو يبدو مرفوضاً تماماً من القاهرة التي فقدت بالفعل دورها الوسيط بين حماس وإسرائيل، وتخشى أن تجد نفسها على هامش الملفات الإقليمية الأخرى. ورغم التقارب النسبي مع أنقرة والتنسيق المحدود في الملف الصومالي، فإن الخصومة الاستراتيجية بين الطرفين ما زالت عميقة الجذور.
وإذا كان الجيش المصري يُنظر إليه تاريخياً كأكبر قوة عسكرية في العالم العربي، فإن التدخل المباشر في النزاع السوداني يبدو احتمالاً ضعيفاً بسبب الضغوط الاقتصادية الداخلية. لذلك اتجهت القاهرة إلى خيار مغاير: هجوم دبلوماسي يهدف إلى تقريب الخرطوم من طبرق، لتفادي تحول الأزمات المتفرقة إلى جبهة موحدة قد تهدد استقرار مصر من الداخل.
أشار المعهد الإيطالي لتحليل العلاقات الدولية، إلى أن زيارة المشير خليفة حفتر والقائد السوداني عبد الفتاح البرهان المتزامنة إلى القاهرة لم تكن محض صدفة، بل حملت دلالات واضحة على مسعى مصري لتنسيق المواقف واحتواء أزمات متفجرة.
ففي البيان الصادر عن المتحدث باسم الرئاسة المصرية، السفير محمد الشناوي، أكدت القاهرة مجدداً دعمها الثابت لوحدة السودان، ورغم غياب أي إعلان رسمي حول تحركات ميدانية لاستعادة السيطرة على “المثلث” الحدودي، فإن الطابع العسكري للرئيس عبد الفتاح السيسي يجعل من المرجح أن يكون الملف قد طُرح بعمق.
اللقاء مع البرهان أعاد أيضاً إلى الواجهة التحدي الأكبر الذي يواجه القاهرة والخرطوم منذ سنوات: سد النهضة الإثيوبي، الذي اكتمل إنشاؤه في يوليو ويُنتظر تدشينه في سبتمبر المقبل. هذا المشروع يهدد الأمن المائي للبلدين، ما يدفع مصر إلى التشديد على ضرورة وجود سودان موحّد يقف إلى جانبها في مواجهة أديس أبابا.
أما مع حفتر، فقد برز ملف الأمن الحدودي والتصدي لعمليات التسلل غير الشرعي كنقطة ارتكاز أساسية للتعاون العسكري بين الجيشين المصري والليبي. لكن الرؤية المصرية لا تقتصر على الجانب الأمني؛ إذ تسعى القاهرة إلى استعادة دورها في رسم ملامح المشهد الليبي، بل وربما التوسط بين ليبيا واليونان في النزاع البحري الأخير، لتقدم نفسها كبديل موثوق عن أنقرة التي تنظر إليها أثينا بعين الريبة.
في الوقت نفسه، عبّرت القاهرة عن استيائها من “المرونة الأميركية” تجاه الطموحات التركية في شرق المتوسط، بينما ترى واشنطن أن تركيا، رغم نزعتها التوسعية، تبقى شريكاً لا غنى عنه في مرحلة الانكفاء الأميركي، هذا يضع مصر أمام تحدٍّ حقيقي لإثبات قدرتها على إدارة الأزمات المحيطة بحدودها.
ورغم هذه المعضلات، فإن إدراج القاهرة ضمن “الرباعية” الخاصة بالأزمة السودانية – إلى جانب الرياض وأبوظبي – يعد مؤشراً على بقاء مصر لاعباً إقليمياً محورياً. غير أن مشاركة الإمارات في الصيغة ذاتها تضيف طبقة جديدة من التعقيد، في ظل تضارب الأجندات بين الطرفين في أكثر من ملف.
تجد مصر نفسها اليوم أمام تحديات دبلوماسية وأمنية غير مسبوقة، تتطلب منها مراقبة مستمرة ودقيقة لملفات معقدة. هذا الدور يضع قدراتها ومصداقيتها تحت ضغط هائل.
لكن في المقابل، قد تكون الإدارة الناجحة لهذه الأزمات هي الفرصة التي ينتظرها النظام الحاكم ليعيد تأكيد دوره ووجوده، خاصة في ظل سخط الرأي العام من الأزمة الاقتصادية الطاحنة وتراجع النفوذ المصري في القضية الفلسطينية، حسبما ذكر المعهد الإيطالي لتحليل العلاقات الدولية.
وعلى الجانب الآخر، يحمل الفشل في التعامل مع هذه الأزمات خطرًا أكبر، فقد يعيد الزخم لجماعة الإخوان المسلمين، وربما يمهد الطريق لعودتهم إلى السلطة. هذا السيناريو لن يُحدث انقلابًا استراتيجيًا داخل مصر وحسب، بل قد يجرها إلى “الحلقة النارية” الذي يحيط بها، ويزيد من تعقيد المشهد الإقليمي بأكمله.
رابط المصدر:




