إن الاعتراف بعشرات الآلاف الذين لقوا حتفهم وهم يساندون المجهود الحربي البريطاني سيكون خطوة أولى على طريق الإنصاف. غير أن العدالة التاريخية تقتضي أكثر من مجرد الاعتراف؛ إذ ينبغي أيضاً تقديم تعويضات لأحفادهم، لا تقل قيمتها عن 360 مليون دولار.
ذكر تقرير منسوب لصحيفة The Middle East Eye، أنه خلال الحرب العالمية الأولى، حققت الإمبراطورية البريطانية انتصاراتها العسكرية مستندة إلى جهود العمّال المصريين في فيلق العمّال المصريين.
فبعد دخول القوات البريطانية إلى القدس في ديسمبر/كانون الأول عام 1917، كتب الجنرال أرشيبالد موراي: “ما كان لحملة فلسطين أن تبلغ خاتمتها المجيدة لولا فيلق العمّال المصريين.”
وقد جُنّد مئات الآلاف من أبناء وادي النيل، وكثيراً ما كان ذلك قسراً، للعمل في شقّ خطوط السكك الحديدية ومدّ شبكات المياه التي مكّنت القوات البريطانية من عبور الصحارى القاسية وغير المأهولة، ومع ذلك، وبعد مرور أكثر من قرن، لم تحظَ عائلات أولئك العمّال بأي اعتراف ذي معنى بتضحيات أسلافهم، ناهيك عن تعويضهم عن المخاطر التي أُجبروا على تحمّلها.
ويستكمل كاتب التقرير البروفيسور كايل ج. أندرسون، عندما تُرجم كتابي فيلق العمّال المصريين إلى العربية عام 2023، علمتُ أن جدّ المترجم، الدكتور شكري مجاهد، كان أحد أفراد هذا الفيلق.
وقد عاش حياته بأكملها وشظية أو رصاصة مستقرة في كتفه، وفاقداً إحدى عينيه نتيجة الإصابات التي تعرّض لها أثناء عمله خلال الحرب العالمية الأولى، وقد شعرتُ بالفخر لأن عملي أسهم في تمكين الدكتور مجاهد من التعرّف بصورة أعمق إلى تاريخ عائلته.
وكما أوضح الباحث آرون جايكس، فإن الإداريين البريطانيين عمدوا إلى تسجيل أجور أفراد فيلق العمّال المصريين ضمن ما عُرف بالحساب المعلّق؛ وهو مصطلح بيروقراطي يشير إلى نفقات كان ينبغي أن تتحملها بريطانيا، لكنها حمّلتها للحكومة المصرية، ثم مارست ضغوطاً على القاهرة للتنازل عنها لاحقاً.
في واقع الأمر، لم تكن بريطانيا هي من موّل مجهودها الحربي، بل كان المصريون هم من تحمّلوا جانباً كبيراً من تكلفته، وكما يكتب الباحث جايكس: “كان دافعو الضرائب المصريون يُقرضون بريطانيا تكاليف عملهم هم أنفسهم”، وهي عبارة تختزل ببراعة ما انطوت عليه تلك الممارسات من تحايل مالي وغطرسة استعمارية.
وأوضح كاتب التقرير كايل ج. أندرسون، وهذا ليس مجرد استنتاج أكاديمي أو تأويل تاريخي، فعندما أوفدت لندن بعثة اللورد ملنر عام 1919 لاستطلاع اتجاهات الرأي العام المصري، أقرت الحكومة البريطانية صراحة بأن مجلس الوزراء المصري كان قد شطب الحساب المعلّق الذي كانت مصر، بموجبه، تملك حق المطالبة باسترداد سلف بلغت ثلاثة ملايين جنيه إسترليني.
ولا تزال وثائق بعثة ملنر تحتفظ بهذا الإقرار مكتوباً بوضوح لا لبس فيه، فمصر، التي أُعلنت محمية بريطانية عام 1914، تنازلت فعلياً عن مطالبة مالية زمن الحرب بلغت ثلاثة ملايين جنيه إسترليني، وهي كلفة كان ينبغي أن تُقيَّد على الخزانة البريطانية لا على كاهل المصريين.
وهنا يبرز السؤال الذي يختزل مفارقة الاستعمار بأسرها: من كان يحمي مَن؟
وأشار أندرسون أنه قد أسهمت تلك الملايين الثلاثة في تمويل شبكة عمل واسعة ومعقدة امتدت من قرى وادي النيل إلى تلال فلسطين وما وراءها. وبين عامي 1917 و1921، حافظ فيلق العمّال المصريين بصورة مستمرة على قوة عاملة تجاوزت مئة ألف عامل بعقود مؤقتة.
ووفقاً لتقديرات بريطانية متحفّظة، تجاوز عدد المصريين الذين جُنّدوا أو شاركوا في أعمال الفيلق بين مارس/آذار 1917 ويونيو/حزيران 1918 325 ألف رجل.
إن هذه الأرقام لا تعكس مجرد حجم المشاركة المصرية في الحرب، بل تكشف أيضاً عن الثمن الباهظ الذي دفعه المصريون، بأجسادهم وأموالهم، في سبيل حرب خيضت تحت راية الإمبراطورية البريطانية.
واستكمل التقرير المنسوب لصحيفة The Middle East Eye، أنه كان الثمن الإنساني الذي دفعه المصريون باهظاً إلى حدّ يتجاوز الوصف، فقد قضى عشرات الآلاف من العمّال تحت نيران القصف المعادي أو فتكاً بالأمراض، بينما تعرّض آخرون للضرب والعقاب لمجرد مقاومتهم التجنيد القسري.
كما أن غياب هؤلاء الرجال أثقل كاهل أسرهم التي كانت تكابد، أصلاً، وطأة الغلاء واضطرابات زمن الحرب. وحتى اليوم، لم يُحصَ على نحو دقيق عدد القتلى والجرحى في صفوف فيلق العمّال المصريين؛ وليس ذلك لأن معاناتهم كانت هامشية أو ضئيلة الشأن، بل لأن الدولة الاستعمارية لم تجعل حياتهم ضمن أولوياتها.
أما الجانب المالي من هذه القصة، الذي كشفه الباحث جايكس، فهو أكثر قابلية للقياس، فاستناداً إلى مؤشر أسعار المستهلك في المملكة المتحدة، ارتفع مستوى الأسعار بين عامي 1917 و2026 بنحو 88.7 ضعفاً. وعلى هذا الأساس، فإن مبلغ ثلاثة ملايين جنيه إسترليني عام 1917 يعادل اليوم قرابة 270 مليون جنيه إسترليني (360 مليون دولار)، ويشكّل هذا الرقم أساساً معقولاً وقابلاً للدفاع عنه لإنشاء صندوق تعويضات، لأنه يرتبط مباشرةً بالأموال التي حُوّلت زمن الحرب ثم جرى التنازل عنها لاحقاً.
وفي الحقيقة، فإن مبلغاً يناهز 270 مليون جنيه إسترليني يظل متواضعاً قياساً بحجم الظلم الواقع. فهو لا يعكس سوى الأموال المثبتة في الوثائق المتعلقة بالحساب المعلّق الذي تكشف عنه أوراق بعثة ملنر، ولا يشمل الخسائر الأوسع الناجمة عن العمل القسري أو الاستغلال الاستعماري غير المعوّض.
كما أنه لا يتضمن الفوائد المترتبة على الأموال التي تنازلت عنها مصر، ولا يأخذ في الحسبان الكلفة الاقتصادية والاجتماعية التي تكبّدتها الأسر والقرى بعدما فُرغت من رجالها في سنّ العمل.
كذلك لا يحسب الآثار الممتدة للإصابات والإعاقات والوفيات المبكرة التي خلّفت جروحاً عبر الأجيال، ومع ذلك، فإن هذا الرقم، المستند إلى وثائق الأرشيف وافتراضات تضخم متحفّظة، يمثّل نقطة انطلاق عادلة طال انتظارها، فكيف يمكن أن يبدو برنامج تعويض عادل؟
أوضح كاتب التقرير أنه ينبغي تطبيق التعويض العادل كالتالي:
أولاً، ينبغي للحكومة البريطانية إنشاء صندوق تعويضات لفيلق العمّال المصريين برأسمال أولي قدره 270 مليون جنيه إسترليني، على أن تُربط قيمته بمعدلات التضخم حتى موعد صرف التعويضات. فهذا المبلغ يمثّل أموالاً أقرّ مسؤولون بريطانيون أنفسهم بأنها كانت حقاً لمصر.
ومن ثم، فإن ربط برنامج التعويض بهذا التحويل المالي المعترف به يوفّر أساساً إثباتياً معقولاً، ويفنّد الحجة المتكررة القائلة إن أحداً لا يعرف ما الذي ينبغي سداده.
ثانياً، يجب أن تُعطى الأولوية في الاستحقاق لأحفاد عمّال الفيلق من صلب النسب، وكذلك لأحفاد الرجال الذين جُنّدوا في وحدات النقل المساندة، مثل شكري مجاهد، ويمكن الاستناد في إثبات الأهلية إلى القوائم الإدارية المصرية المتبقية، وسجلات الأجور العسكرية البريطانية، وسجلات القرى المحلية حيثما توفرت، على أن تُستكمل بإفادات موثقة يشرف عليها مؤرخون مستقلون ومنظمات مجتمعية.
وحيث تغيب الأسماء – كما يحدث كثيراً في السجلات الاستعمارية – ينبغي أن يسمح البرنامج بالشهادات المجتمعية الموثوقة. فلا يجوز أن يتحول فشل الدولة الاستعمارية في حفظ السجلات إلى ذريعة لإقصاء أولئك الذين أهملت حتى عدّهم.
ثالثاً، ينبغي أن يجمع برنامج التعويض بين منحٍ مالية فردية واستثمارات مجتمعية في المحافظات التي تضررت أكثر من غيرها من حملات التجنيد زمن الحرب، ولا سيما محافظات الدلتا ومصر الوسطى.
فالمنح الفردية تُقرّ بالأضرار الممتدة عبر الأجيال التي لحقت بالعائلات، أما الاستثمارات المجتمعية – في مجالات الصحة العامة، وحفظ الأرشيف، والتنمية المحلية – فتعترف بأن الاستغلال كان جماعياً، وبالتالي يجب أن يكون جبر الضرر جماعياً أيضاً.
رابعاً، يتعين على المملكة المتحدة أن تقرن التعويض باعتذار رسمي عن ممارسات التجنيد القسري التي اتُبعت في مصر، وعن المناورات المالية التي نقلت أعباء الحرب من مركز الإمبراطورية إلى أطرافها المستعمَرة. وينبغي أن يُلقى هذا الاعتذار في القاهرة، وباللغة العربية، وأن تُتلى خلاله أسماء سرايا فيلق العمّال المصريين والضحايا المعروفين منهم، على أن تُودع هذه السجلات في الأرشيفين الوطنيين البريطاني والمصري، حتى يبقى الحق محفوظاً في الذاكرة كما يُحفظ في التاريخ.
وختم أندرسون تقريره، بأن بريطانيا تمتلك سوابق في تصحيح مظالم الماضي، فعندما نشر جوليان بوتكوفسكي وجوليان سايكس كتاب “أُعدموا عند الفجر” عام 1992، أجبرا الرأي العام البريطاني على مواجهة أحد أحلك إرث الحرب العالمية الأولى:
إعدام مئات الجنود البريطانيين وجنود المستعمرات بتهم الفرار من الخدمة أو الجبن العسكري أو غيرها من المخالفات التي بات يُنظر إليها اليوم بوصفها نتائج مأساوية لصدمة الحرب وآثارها النفسية العميقة.
وقد أشعل الكتاب حملةً عامة استمرت عقوداً، تُوِّجت عام 2006 بقرار البرلمان البريطاني منح عفوٍ بعد الوفاة لجميع الجنود الذين أعدمتهم المحاكم العسكرية الميدانية.
وكان ذلك الإجراء التشريعي، رغم تأخره، دليلاً على أن بريطانيا قادرة على إعادة النظر في مظالم ماضيها الإمبراطوري والعسكري متى واجهتها أدلة تاريخية دامغة وحجة أخلاقية مقنعة، حتى وإن مرّت على تلك المظالم أجيال.
واليوم، ينبغي أن تمتد الروح ذاتها إلى ما هو أبعد من الجبهة الغربية، وقد دأب بعض المدافعين عن هذه القضية على المطالبة بذلك منذ سنوات. فقد واصلت البارونة بينيت مساءلة الحكومة البريطانية بإصرار بشأن قضايا التوثيق والتخليد، فيما تعمل لجنة مقابر حرب الكومنولث، بقيادة جورج هاي، على استعادة أسماء الذين لم يُخلَّد ذكرهم سابقاً، ورسم خرائط مواقع دفنهم.
وحتى الآن، جرى استعادة ما يقرب من سبعة آلاف اسم بفضل أبحاث رائدة قادها مؤرخون بارزون، من بينهم ميشيل باريت، غير أن الطريق إلى الإنصاف الكامل لا يزال طويلاً.
فهناك أكثر من 2200 من أفراد فيلق العمّال المصريين يرقدون اليوم تحت شواهد قبور الكومنولث، الممتدة من بورسعيد إلى مدينة أراس الفرنسية، لكن ثمة ما يُقدَّر بنحو عشرة آلاف آخرين يرقدون في قبور مجهولة، تمتد من رفح إلى القرى التي عاد إليها بعضهم مترنّحين تحت وطأة المرض والجراح.
إن أحفاد هؤلاء الرجال لا يطالبون بمجرد الاعتراف الرمزي بمعاناة أسلافهم؛ بل يطالبون بالعدالة، وبعد أكثر من قرن من الانتظار، آن الأوان لأن تُسدَّد الديون التي خلّفها التاريخ، وأن يُؤدَّى الحق إلى أهله.
رابط المصدر:
https://www.middleeasteye.net/opinion/why-britain-finally-compensate-families-egypt-world-war-one-labourers




