ترجمات

لماذا ستظل مصر عاجزة عن انتقاد إسرائيل لعقدين قادمين؟

يُظهر الاتفاق الضخم لتوريد الغاز ثغرة استراتيجية خطيرة، ففي سبيل تأمين احتياجاتها من الطاقة، تضطر القاهرة إلى التنازل عن جزء من استقلال قرارها السياسي.

 

قال تقرير منسوب لموقع Responsible Statecraft، في مستهل أغسطس/آب الجاري، أعلنت شركة الطاقة الإسرائيلية “نيوميد” عن صفقة قياسية بقيمة 35 مليار دولار لتوريد الغاز الطبيعي إلى مصر، وهي صفقة تهدف إلى مضاعفة واردات القاهرة ثلاث مرات تقريبًا، وتربط مستقبل مصر في مجال الطاقة بجارتها حتى عام 2040 على الأقل.

 

وعلى الرغم من أن المسؤولين المصريين سارعوا إلى تأطير الاتفاقية على أنها “تعديل” لاتفاقية سابقة مُبرمة عام 2019 وليست اتفاقًا جديدًا، فإن الحجم الهائل للاتفاقية – الأضخم في تاريخ الصادرات الإسرائيلية – يشير بوضوح إلى الاعتماد المتزايد والخطير لمصر على جارتها لتلبية احتياجاتها من الطاقة.

 

صفقة الغاز.. مكاسب لإسرائيل وورطة لمصر

 

جاءت هذه الصفقة مدفوعة باحتياجات سياسية متبادلة، وإن كانت غير متوازنة، بين حكومتين تتشابك مصالحهما بعمق.

 

بالنسبة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، يمثل الاتفاق شريان الطاقة الذي يضمن له تجنّب اضطرابات اجتماعية تهدد استقرار الداخل. أما حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، فتخرج بمكاسب ضخمة؛ فالعقد البالغ 35 مليار دولار يوفّر لإسرائيل مورداً مالياً طويلاً وضخماً، ويكرّس مكانتها لاعباً محورياً في سوق الطاقة بشرق المتوسط. والأهم، أنه يحقق لها نصراً استراتيجياً يتمثل في ربط أكبر دولة عربية بعلاقة اعتماد اقتصادي ممتدة وعميقة.

 

أبرز محطات 2024.. أحداث شكلت ملامح العام في مصر

 

وأوضح تقرير Responsible Statecraft، لكن ما يبدو نصراً لإسرائيل، لا يعدو كونه خياراً اضطرارياً لمصر، فالقاهرة وجدت نفسها مدفوعة بضرورة لا تقبل المساومة، تتمثل في تأمين الكهرباء بأي ثمن. فقد لاحقتها في السنوات الأخيرة أزمة تراجع قدرات إنتاج الطاقة؛ وبعد أن كانت مصدّراً صافياً للغاز الطبيعي المسال، انخفض إنتاجها تدريجياً، بينما استمر الطلب المحلي في التصاعد بفعل تضخم سكاني يتجاوز 110 ملايين نسمة.

 

وقد انعكست الأزمة على الشارع المصري بشكل قاسٍ، وأجبرت الحكومة على اتخاذ قرارات سياسية شديدة الصعوبة. فموجات الحر اللاهبة في الصيف أدت إلى انقطاعات متكررة للكهرباء.

 

رهن القاهرة لمستقبل الطاقة لدى تل أبيب

 

تُدرك حكومة الرئيس السيسي أن الاستقرار السياسي مرتبط بشكل مباشر بشبكة الكهرباء، وكما أقر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي العام الماضي، فإن تجنب انقطاع التيار الكهربائي يُعد ضرورة أساسية.

 

وأوضح تقرير Responsible Statecraft، وعلى ناحية أخرى تُظهر الأرقام وفقًا لما أوردته بلومبرج ومبادرة البيانات المشتركة للمنظمات، صورة قاتمة لمصر تتمثل في عجز يومي في الغاز يصل إلى مليارات الأقدام المكعبة، وفاتورة واردات طاقة يُتوقع أن تقترب من 3 مليارات دولار شهريًا.

 

كما أن استيراد الغاز الطبيعي المسال باهظ التكلفة، وكما أشار مسؤولون مصريون، يظل الغاز الإسرائيلي الذي يتم تسليمه عبر خطوط الأنابيب هو البديل الأرخص والأكثر موثوقية، حتى مع زيادة السعر بنسبة 14.8% عن الاتفاقية السابقة.

 

وقد أجبر هذا المنطق الحكومة على اتخاذ هذا المسار؛ ففي وقت قريب مثل شهر مايو 2025، أدى إغلاق صيانة مُخطط له في حقل ليفياثان الإسرائيلي إلى تخفيض الإمدادات للصناعات المصرية الحيوية مثل الأسمدة والبتروكيماويات، واختارت الحكومة المخاطرة بتعطيل الصناعة بدلاً من مواجهة شكاوى بسبب انقطاع التيار الكهربائي عن المنازل، وهي علامة واضحة على أولوياتها.

 

هذا الاعتماد المتزايد على الطاقة يُعقد الدور التاريخي لمصر كـ “محاور عربي رئيسي” في القضية الفلسطينية. وقدرة القاهرة على ممارسة ضغط فعال على إسرائيل مقيدة بشكل أساسي، بحقيقة أن إسرائيل يمكنها أن تُغلق “صنبور الغاز” لأسباب أمنية وتشغيلية، وهو ما حدث بالفعل.

 

وقد برزت هذه الديناميكية المحرجة إلى الواجهة في أواخر يوليو 2025، فقد انضمت مصر إلى المملكة العربية السعودية وقطر في تأييد إعلان نيويورك، وهو إطار دولي رئيسي لـ “اليوم التالي” في غزة، والذي دعا إلى نزع سلاح حماس وتولي السلطة الفلسطينية شؤون الحكم.

 

وفي هذا الأسبوع تحديدا، نسف نتنياهو هذه الخطة علنًا، رافضًا بشكل قاطع أي دور للسلطة الفلسطينية، هذه الخطوة تترك مصر، التي تُعد وسيطًا رئيسيًا في محادثات متوقفة الآن، بحد أدنى من النفوذ لإجبار الدولة التي تتحكم في إمدادات طاقتها على تغيير سياستها.

 

 

القاهرة في مواجهة اتهامات التواطؤ

 

وأشار التقرير المنسوب لموقع Responsible Statecraft، ومع تعثر مفاوضات وقف إطلاق النار، وعجز القاهرة عن امتلاك أوراق ضغط كافية للتأثير على إسرائيل أو حركة حماس، لم يبق أمامها سوى إدارة تداعيات الصراع.

 

مهمة كهذه باتت تستلزم تشديد القبضة على الخطاب الإعلامي وممارسة قمع سياسي في الداخل، وقد تجلّى ذلك بوضوح في الرد الغاضب على النداء المتلفز الذي وجّهه القيادي البارز في حماس خليل الحية، حين تجاوز القنوات الرسمية وخاطب المصريين مباشرةً، مطالباً إياهم بضمان ألا “تموت غزة جوعاً”. كلمات الحية فُسّرت على نطاق واسع بوصفها اتهاماً مبطناً بتواطؤ الدولة، ومحاولة مدروسة لإشعال ضغط شعبي.

 

رد القاهرة جاء صارماً وسريعاً؛ إذ أطلق ضياء رشوان، رئيس الهيئة العامة للاستعلامات، حملة مضادة واعتبر خطاب الحية “خطأً فادحاً”، فيما تحركت وسائل الإعلام الموالية للحكومة لتصوير حماس كـ”خائنة”.

 

الأكثر دلالة كان تدخّل الدولة في موقف الأزهر الشريف، أرفع مرجعية سنية في العالم. فبعد أن أصدر شيخ الأزهر بياناً أدان فيه “التجويع الإبادي” في غزة و”تواطؤ” بعض الدول، تحدثت تقارير عن ضغوط من الرئاسة أجبرته على سحب البيان.

 

هذه الواقعة تكشف عن قلق عميق من أي رواية قد تُحمّل مصر مسؤولية جزئية عن معاناة غزة، خصوصاً في ظل سيطرتها على معبر رفح، ورغم تمسّك القاهرة بموقفها القائل إنها مقيدة باتفاقيات أمنية مع إسرائيل ولا تستطيع التحرك منفردة، إلا أن تفاقم الكارثة الإنسانية يجعل الأصوات المطالبة بخرق تلك القيود وإدخال المساعدات أكثر إلحاحاً.

 

وأشار تقرير Responsible Statecraft، أما خارجياً، بدأ الإحباط الدولي يتفجر في الشوارع حول العالم، مع احتجاجات أمام السفارات المصرية من لاهاي حتى تل أبيب، وتمثل هذه التظاهرات رموزاً قوية لحجم الضغوط الهائلة المتصاعدة على القاهرة، العالقة بين رأي عام عالمي يطالبها بمواجهة إسرائيل، وواقع داخلي مرير يعتمد فيه بقاء أنوارها مضاءة على الدولة نفسها التي يُفترض أن تُواجَه.

 

رابط المصدر:

 

https://responsiblestatecraft.org/egypt-israel-gas/

 

 

Hosam Sabri
مترجم صحفي، خبير في ترجمة وتحليل التقارير الصحفية، والمواد الصحفية ذات الطابع الاستقصائي، ملتزمًا بالدقة والموضوعية.

مقالات ذات صلة