أثار إعلان محامي المتهمين في القضية المعروفة إعلاميًا باسم تنظيم تالتة إعدادي جدلًا واسعًا، بعدما كشف عبر صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي عن إحالة عدد من الأطفال إلى المحاكمة، عقب القبض عليهم قبل نحو عام.
وأعاد ذلك إلى الواجهة تساؤلات بشأن ملابسات القضية، وطبيعة الاتهامات الموجهة إلى هؤلاء الطلاب، ومدى توافق الإجراءات المتخذة بحقهم مع الضمانات القانونية المقررة للأطفال.
ولا تُعد هذه الواقعة الأولى التي يواجه فيها أطفال اتهامات في قضايا ذات طابع إرهابي في مصر؛ إذ سبق أن أصدرت إحدى المحاكم في طنطا عام 2018 أحكامًا بالسجن لمدة خمس سنوات على عدد من المتهمين في القضية المعروفة إعلاميًا باسم داعش كيدز، وهي القضية التي أثارت آنذاك جدلًا واسعًا بشأن محاكمة القُصّر في مثل هذه القضايا.
وقال المتحدث باسم وزارة التربية والتعليم، شادي زلطة، إن الوزارة لم تسمع من قبل بما يُعرف بـ«تنظيم تالتة إعدادي»، مشيرًا إلى أن هذا الملف يندرج ضمن اختصاصات وزارة الداخلية المصرية، وأوضح أن التعامل مع أي أعمال إجرامية أو مخالفات جنائية، حتى وإن وقعت داخل المدارس، يُعد من مسؤولية الجهات الأمنية المختصة.
من جانبه، قال أحد أقارب المقبوض عليهم إن القضية متداولة أمام النيابة منذ نحو عام، موضحًا أن التحريات استندت إلى اجتماعات جرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وليس وفقًا لما ذكرته بعض المنصات الإعلامية، وأضاف أن محامي المتهمين تناول القضية بصورة ساخرة، معتبرًا أن اجتماعات الطلاب كانت أشبه بلقاءات تُعقد خلال حصص الألعاب.
وأشار إلى أن المتهم الأول يعاني اضطرابًا نفسيًا يتمثل في انفصال الشخصية، وهو ما ورد – بحسب قوله – في محاضر الشرطة وتحقيقات النيابة، كما أكد أن المتهمين لم يُعرف عنهم سابقًا أي نشاط ديني.
وأضاف أن المقبوض عليهم تمكنوا من أداء امتحاناتهم بصورة طبيعية بعد الحصول على إذن من النيابة، لافتًا إلى أن أحد المتهمين يدرس حاليًا في الصف الثاني الثانوي.
وفي السياق ذاته، قال المحامي ياسر سعد إن هناك فارقًا قانونيًا واضحًا بين الاشتباه والاتهام والإدانة، موضحًا أن كل مرحلة تخضع لاختصاص جهة مختلفة وفقًا للقانون.
وأوضح أن الاشتباه يندرج ضمن اختصاص سلطات الضبط، ولا يجيز القبض على الشخص أو التحقيق معه إلا بعد عرضه على النيابة العامة. أما الاتهام، فهو من اختصاص النيابة العامة، ويأتي بعد اتخاذ إجراءات التحقيق والاستجواب، وإجراء التحريات، وسماع أقوال الشهود إن وُجدوا.
وأضاف أن الإدانة من اختصاص المحكمة وحدها، مشيرًا إلى أن الحكم لا يصبح نهائيًا إلا بعد استنفاد درجات التقاضي، وصولًا إلى محكمة النقض باعتبارها أعلى جهة قضائية تنظر في الطعون الجنائية.
وفيما يتعلق بالمتهمين القُصّر، أشار سعد إلى أن القانون يعتبر القاصر مسؤولًا جنائيًا عن أفعاله إذا تجاوز سن الخامسة عشرة، وفي هذه الحالة يخضع لاختصاص محكمة الطفل. وأوضح أن العقوبات قد تصل في بعض الجرائم إلى السجن المؤبد، لافتًا إلى أن وجود قضية تضم جميع المتهمين فيها قُصّرًا يُعد واقعة غير معتادة في مصر، رغم وجود سوابق فردية مشابهة.
وأكد أن الأسر تلجأ عادة إلى توكيل محامين لمتابعة الإجراءات القانونية، كما يمكنها التقدم بشكاوى إلى المجلس القومي للطفولة والأمومة، إلا أن تدخله في القضايا التي تنظرها نيابة أمن الدولة العليا يظل محدودًا في الغالب.
ورأى سعد أن الاتهامات في مثل هذه القضايا يغلب عليها الطابع العشوائي، وأنها تستند في كثير من الأحيان إلى تحريات ضباط الأمن الوطني دون وجود أدلة مادية كافية.
وفيما يتعلق بدور المنظمات الحقوقية، أوضح أنها تلجأ، في ظل أوضاع التضييق، إلى متابعة القضايا ورصدها وإعداد تقارير بشأنها، إلى جانب توفير الدعم القانوني للمتهمين من خلال توكيل محامين وتحمل المصروفات والأتعاب القانونية، خاصة إذا كان المحامي من خارج المنظمة.
وأشار إلى أن الأطفال المحتجزين قد يتعرضون لظروف احتجاز لا تتناسب مع أوضاعهم البدنية والاجتماعية والنفسية، محذرًا من أن استمرار هذه الأوضاع قد يترك آثارًا سلبية طويلة المدى عليهم، حتى في حال عدم صدور أحكام قضائية بحقهم.
وأوضح أن تداعيات القضية قد تمتد إلى مستقبلهم المهني والاجتماعي، وقد تؤثر على فرصهم في تولي بعض الوظائف أو المشاركة في المجال العام والعمل السياسي مستقبلًا. كما أن استمرار الاحتجاز قد ينعكس سلبًا على مسيرتهم التعليمية، من خلال التأثير على انتظامهم الدراسي ومستواهم الأكاديمي ونتائجهم العلمية، وهو ما وصفه بالأمر بالغ الخطورة.
وأكد ضرورة مطالبة الجهات المعنية بالإفراج عنهم أو إحالتهم إلى المسار القانوني الطبيعي المنصوص عليه في قانون الطفل، من خلال عرضهم على نيابة ومحكمة الطفل واتخاذ الإجراءات القانونية المناسبة مع مراعاة ظروفهم الاجتماعية والصحية والنفسية.
وأضاف أن المحامي يمكنه التقدم بطلبات لتمكين الطلاب من استكمال دراستهم أثناء سير التحقيقات أو المحاكمة، إلا أن هذه الإجراءات غالبًا ما تكون معقدة، كما أن فرص الموافقة عليها تظل محدودة، سواء من جانب الجهات القضائية أو المؤسسات التعليمية، ما قد يؤدي إلى استمرار حرمانهم من الدراسة طوال فترة احتجازهم.
سؤال يظل مطروحًا: هل تمثل قضية تنظيم تالتة إعدادي حالة استثنائية، أم أنها تعيد إلى الأذهان مشهد محاكمة الأطفال في القضايا ذات الطابع الإرهابي الذي شهدته مصر من قبل؟ الإجابة ستظل رهينة بما ستكشفه التحقيقات وأحكام القضاء خلال المرحلة المقبلة.
اقرأ أيضًا:
دعاوى قضائية وقرارات عشوائية.. وزير التعليم يستمر في إثارة الجدل
بيزنس الجامعات الخاصة.. ما الهدف من السياسة التعليمية الحالية؟
الرئيس المصري يجتمع بوزير التعليم الجديد ورئيس الاكاديمية العسكرية.. لماذا؟



