جسر موسى، الجسر الجديد، الذي تُقدَّر كلفته بأربعة مليارات دولار، والمخطط إنشاؤه فوق مضيق تيران الذي يربط خليج العقبة بـالبحر الأحمر ويعد منفذ إسرائيل البحري الجنوبي، مرشّح لأن يُحدث تأثيرات عميقة في موازين القوى الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
في تقرير صادر عن مركز Fikir Turu، أشار كاتب التقرير إلى أن المشروع يستمدّ اسمه، كما هو متوقَّع، من القصة الواردة في الكتاب المقدّس عن شقّ النبي موسى عليه السلام للبحر الأحمر. ويهدف هذا المشروع، المخطَّط تنفيذه إمّا على شكل جسر أو نفق، إلى ربط قارّتي آسيا وأفريقيا ربطًا ماديًا مباشرًا، بما يعزّز مسارات التجارة والسياحة والحج بين منطقة الخليج العربي وشمال أفريقيا.
يُموَّل مشروع جسر موسى بالكامل من الرياض، ويعكس في الوقت ذاته توجّهًا أوسع لما يُعرف بدبلوماسية البنية التحتية ضمن إطار رؤية ولي العهد الأمير محمد بن سلمان 2030، بما يحمله من دلالات على الانتقال من عقود من الجدل والنقاش في هذه المنطقة الحسّاسة إلى مرحلة التنفيذ العملي. كما يُشار إلى أنّ المشروع ينسجم مع مبادرة مدينة نيوم المستقبلية التي تخطّط لها السعودية على ساحل البحر الأحمر.
وأوضح التقرير الصادر عن مركز Fikir Turu لطالما شكّل مضيق تيران مسارًا جيوسياسيًا بالغ الحساسية، وكان سببًا متكرّرًا للأزمات بين مصر وإسرائيل عبر التاريخ. ففي خمسينيات القرن الماضي، اعتُبر قرار مصر إغلاق المضيق أمام السفن الإسرائيلية بمثابة «سبب للحرب» من قبل حكومة تل أبيب آنذاك، وكان ذلك أحد العوامل المفجِّرة لأزمة السويس عام 1956.
وفي عام 1967، أعادت مصر إغلاق المضيق، وهو ما رأت فيه إسرائيل تهديدًا وجوديًا مباشرًا، ليُدرج هذا القرار ضمن الأسباب المباشرة لاندلاع حرب الأيام الستة.
وتعزّزت الأهمية الجيوسياسية للمنطقة بوجود جزيرتي تيران وصنافير، اللتين ظلّتا لفترة طويلة تحت السيطرة الفعلية لمصر، قبل أن تبدأ عام 2016 عملية نقل السيادة عليهما إلى المملكة العربية السعودية، وهي العملية التي اكتملت رسميًا عام 2022 في إطار ترتيبات شملت ضمانات أمنية أمريكية وإسرائيلية.
وبهذا، أُعيد تعريف وضع المضيق من منظور القانون الدولي والأمن الإقليمي، ما وفّر الأساس الجيوسياسي للنقاشات الدائرة اليوم حول مشروع الجسر المزمع إنشاؤه.
واستكمل كاتب التقرير الصادر عن مركز Fikir Turu، إلى أن المشروع يحمل تداعيات جيوسياسية واقتصادية بالغة الأهمية على مستوى الإقليم. فالجسر، إلى جانب ما يعد به من مكاسب لوجستية وتعميق التكامل بين الخليج وأفريقيا، يُثير في الوقت نفسه تقديرات عديدة تشير إلى أنّه قد يفرض تحديات استراتيجية خاصة على إسرائيل.
ويُنظر إلى مشروع جسر موسى، الذي يتجاوز إسرائيل كليًا، بوصفه بديلًا محتملًا لممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا الاقتصادي، الذي كان من المخطّط أن تلعب إسرائيل فيه دور نقطة عبور محورية، والذي أعلن عنه الرئيس الأميركي آنذاك جو بايدن في سبتمبر/أيلول 2023.
وإلى جانب ذلك، ومع إعادة تأهيل معبر البوكمال الحدودي بين سوريا والعراق وفتحه مجددًا أمام حركة العبور في يونيو/حزيران 2025، وظهور ممرّات برّية عبر سوريا والعراق، يرى بعض المراقبين أنّ جسر موسى، في حال استمرار التوترات السياسية، قد يكرّس سيناريوًّا مستقبليًا تُستبعد فيه إسرائيل من مسارات الاندماج الإقليمي.

تشير التقديرات إلى أنّ الأهداف الرئيسية لهذا الخط تتمثّل في إنشاء عمود فقري تجاري يربط الخليج بالبحر الأحمر فالبحر المتوسط، وتسهيل مسارات الحج والعمرة، وتنشيط الاقتصاد المصري بما يسهم في مأسسة محور الرياض–القاهرة، وإقامة ممر مادي سعوديّ المركز يربط آسيا بأفريقيا، إضافة إلى تعزيز الاستثمارات السعودية في البحر الأحمر في مواجهة تنافس كلٍّ من الصين والولايات المتحدة والإمارات.
ومن هذا المنظور، يُنظر إلى المشروع باعتباره خطوة استراتيجية لنقل الدور الإقليمي للسعودية من التفوق في مجال الطاقة إلى التفوق في البنية التحتية.
وأشار التقرير المنسوب إلى مركز Fikir Turu، كما يمكن قراءة جسر موسى بوصفه انعكاسًا لاستراتيجية سعودية أوسع نطاقًا في مجال التحوّط والحماية. إذ تستثمر الرياض في ممرّات متعددة تمتد شرقًا نحو الهند، وغربًا إلى أفريقيا، وشمالًا عبر العراق ثم سوريا وصولًا إلى تركيا.
والقاسم المشترك بين هذه المسارات جميعًا هو تجاوز إسرائيل. ففي حين يضع مخطّط إسرائيل في قلب المعادلة، يتيح جسر موسى للسعودية الارتباط بأوروبا بصورة مستقلة عبر البوابة المتوسطية لمصر، مقدّمًا بديلًا منزوع الطابع السياسي، ويتجنّب مخاطر التورّط في تداعيات الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024، جدّد وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان التأكيد على أنّ التطبيع مع إسرائيل ليس مطروحًا على الطاولة ما لم يتم التوصّل إلى حلٍّ يفضي إلى قيام دولة فلسطينية. وإضافة إلى ذلك، تُظهر أحدث استطلاعات الرأي أنّ 81 في المئة من السعوديين يعارضون التطبيع مع إسرائيل، وهو رقم يعكس مقاومة شعبية عميقة لأي تقارب معها في ظل غياب تقدّم ملموس في ملف الحقوق الفلسطينية. وفي بيئة يسودها التوتر ورفض الرأي العام، لا يبدو من المرجّح أن يتبنّى صانع القرار السعودي، على المدى القريب، مشاريع بنية تحتية مرتبطة بإسرائيل. غير أنّ الشرق الأوسط يبقى ساحة متحوّلات مفتوحة، وقد تفرض التطورات الجديدة معادلات مختلفة في المستقبل.
تولي مصر أهمية كبيرة لهذا المشروع بدورها. فالقاهرة تسعى إلى تقليص اعتمادها على قناة السويس، التي تراجعت إيراداتها بنحو 50 في المئة نتيجة التوترات في البحر الأحمر، وذلك عبر توسيع مسارات التجارة البرية.
وفي حال نجاح جسر موسى، يمكن لهذه البنية التحتية أن تسهم في إعادة تموضع مصر بوصفها جسرًا بريًا يربط بين أفريقيا والخليج وأوروبا، ولكن هذه المرة مع تجاوز إسرائيل.
إلى جانب جسر موسى، يبرز مساران بريّان إضافيّان قيد الطرح.
أولهما، إعادة الفتح التدريجي لسوريا بما يسمح بإعادة ربط دول الخليج بتركيا عبر السعودية أو الأردن.
وثانيهما، مقترح طريق التنمية الذي يربط ميناء الفاو الكبير في العراق بتركيا.
ورغم ما يقدّمه كلا المسارين من بدائل مهمّة نظريًا وجيوسياسيًا، فإنّهما ينطويان أيضًا على مخاطر مالية وسياسية وجيوسياسية.
وتُطرح مجموعة من البدائل البرية القادرة على تقليص الأهمية الاستراتيجية لإسرائيل بوصفها مركز عبور. وفي هذا السياق، يُنظر إلى جسر موسى على أنّه يتجاوز كونه مجرّد رابط مادي، ليحمل رسالة استراتيجية واضحة. وتذهب بعض التفسيرات الطموحة إلى أنّ السعودية ومصر تعملان على بناء بنية تحتية لشرق أوسط يمكنه الاستغناء عن إسرائيل.
وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، قد يؤدّي هذا التحوّل إلى تآكل إحدى قنوات النفوذ المحورية المحتملة في المنطقة، ومع عودة فاعلين إقليميين مثل سوريا والعراق وتركيا إلى الانخراط في المباحثات الاقتصادية، وعدم اكتراث الشركاء العرب بالبحث عن مسارات بديلة، قد تجد إسرائيل نفسها مضطرة إلى التحرّك وإطلاق خطوات جديدة لاستعادة تفوّقها الجيوسياسي.

وأشار التقرير المنسوب لمركز Fikir Turu، يؤثّر الجسر الجديد في إسرائيل بشكل مباشر لثلاثة أسباب رئيسية.
فبالنسبة إلى إسرائيل، يُعدّ ميناء إيلات، الواقع عند الطرف الجنوبي للبلاد، منفذها الوحيد إلى التجارة البحرية العالمية عبر خليج العقبة. ويثير تشييد الجسر مخاوف من تقييد العبور العسكري والتجاري، وهو ما يدفع إسرائيل إلى اشتراط أن لا يعيق تصميم الجسر حركة الملاحة في المياه المفتوحة.
كذلك، تسعى إسرائيل منذ فترة طويلة إلى تعزيز الربط بين إيلات والبحر المتوسط عبر تطوير قناة عملاقة أو ممرّ بري–بحري يشكّل بديلًا لقناة السويس. غير أنّ جسر السعودية–مصر قد ينقل الميزة اللوجستية الإقليمية إلى محور الرياض–القاهرة، ويُضعف رؤية إسرائيل القائمة على الاندماج المحوري حول البحر الأحمر، بل وقد يغيّر مسارات التطبيع التجاري التي تنتهجها دول الخليج مع إسرائيل، وفقًا لتقديرات متداولة.
تسعى الولايات المتحدة إلى مقاربة هذا الجسر بوصفه أحد المكوّنات التقنية ضمن حزمة التطبيع السعودي–الإسرائيلي. غير أنّ المملكة العربية السعودية لا تزال تربط مسار التطبيع بتحقيق تقدّم ملموس في القضية الفلسطينية، وهو ما يجعل من المشروع ورقة ضغط جيوسياسية محتملة في سياق مفاوضات التطبيع.
وقد يترتّب على تشييد الجسر انعكاسات مهمّة تتجاوز أطرافه المباشرين. فإلى جانب ما يحمله من فرص اقتصادية كبيرة لكلٍّ من مصر والسعودية، يُتوقَّع أن تمتدّ تداعياته لتشمل قوى دولية وإقليمية فاعلة، مثل الولايات المتحدة والصين وإيران.
ومن الزاوية الأميركية، يمكن القول إنّ واشنطن تنظر إلى المشروع بنظرة إيجابية نسبيًا من منظور جيوستراتيجي، في ظل التحدّيات المتزايدة التي تواجه أمن البحر الأحمر، بما في ذلك تهديدات الحوثيين وإيران والقرصنة البحرية. غير أنّه من الطبيعي في المقابل أن تتحفّظ الولايات المتحدة على أي تطوّر قد يفسح المجال أمام توسيع نفوذ الصين ومبادرة الحزام والطريق في البحر الأحمر.
بالنسبة إلى الصين، ينسجم المشروع إلى حدّ بعيد مع شبكاتها اللوجستية في البحر الأحمر وشرق أفريقيا، ويُنظر إليه على أنّه فرصة لتعزيز الشراكة السعودية–الصينية. كما أنّه يحدّ من فعالية المساعي الإسرائيلية الرامية إلى إقصاء الصين عن ميناء إيلات.
أمّا إيران، فقد ترى في المشروع خطوة جديدة نحو تكامل مادي تقوده السعودية في منطقة الخليج. وإلى جانب ذلك، قد يسهم الجسر بصورة غير مباشرة في تقليص تأثير شبكات النفوذ الإيرانية في البحر الأحمر، ولا سيما جماعة الحوثي، الأمر الذي من شأنه أن يُضعف كذلك السردية الإيرانية المناهضة للتطبيع في الإقليم.
خلاصة القول، إنّ هذا المشروع يُمثّل مبادرة جيوسياسية معقّدة ومتعدّدة المستويات، يُراد تنفيذها بما يتوافق مع رؤية السعودية 2030، وبما يهدف إلى تخفيف الضغوط الاقتصادية عن مصر، وخلق صيغة جديدة من التكامل المادي بين الخليج وأفريقيا، فضلًا عن إضعاف الممرّ الاستراتيجي الذي تسعى إسرائيل إلى ترسيخه عبر ميناء إيلات بصورة غير مباشرة. وهو مشروع تتشابك عنده مصالح الولايات المتحدة والصين وإيران وإسرائيل في آنٍ واحد.
ومع أنّ الخطوات الأولى قد أُنجزت، فإنّ ما إذا كان المشروع سيُكتب له التنفيذ الكامل، أو سيحقّق النجاح المنشود، أو سيتمكّن من إحداث تحوّل فعلي في موازين القوى الجيوسياسية في المنطقة، يبقى أمرًا تحسمه التطوّرات الزمنية المقبلة.
رابط المصدر:
https://fikirturu.com/jeo-politika/musa-koprusu-asya-ile-afrika-bir/




