ترجمات

كيف تحوّل المثلث الحدودي بين السودان وليبيا إلى معقل للجريمة والحرب

في هذه الصحراء القاحلة التي تسودها الفوضى وانعدام القانون، تزدهر شبكات تهريب الذهب وتجارة البشر، فيما يشكل هذا الموقع الاستراتيجي نقطة محورية في النزاع المسلح المستعر في السودان.

 

نشر تقرير منسوب لموقع Middle East Eye، أنه في الثاني عشر من يونيو، أعلنت قوات الدعم السريع السودانية، وهي تشكيل شبه عسكري، سيطرتها على الجزء السوداني من منطقة المثلث الحدودي التي تلتقي فيها حدود السودان وليبيا ومصر.

 

هذه البقعة الغامضة، الغارقة في رمال الصحراء، ظلت طويلاً بعيدة عن أنظار العالم، مسرحاً لفوضى لا قانون لها، حيث تزدهر أنشطة التهريب والعنف، من الذهب والأسلحة إلى المخدرات والبشر.

 

اليوم، أصبحت ألسنة الحرب تلتهم المثلث، أرض قاحلة ملتهبة تحولت إلى ساحة صراع تتنازعها حكومات وميليشيات وجماعات مسلحة، جميعها مدعومة بقوى أجنبية، في سباق للسيطرة على هذه الرقعة النائية.

 

وجاء بيان قوات الدعم السريع، التي تخوض منذ أبريل 2023 حرباً دامية ضد القوات المسلحة السودانية أجبرت 12 مليون شخص على النزوح من منازلهم، ليلقي الضوء على قيمة هذه المنطقة النائية، حيث جاء فيه:

 

“تكمن أهمية هذا النصر في الموقع الاستراتيجي لمنطقة المثلث، التي تمثل معبراً اقتصادياً وحدودياً بالغ الأهمية بين الدول الثلاث”.

 

“تعمل هذه المنطقة كمحور حيوي للتجارة والنقل بين شمال وشرق أفريقيا. كما أنها غنية بالموارد الطبيعية، بما في ذلك النفط والغاز والمعادن.”

 

وقبل استيلاء القوات المسلحة السودانية على الجزء السوداني من المثلث الحدودي، كانت رحلة التنقل من السودان إلى ليبيا عبر هذه المنطقة تكلف نحو 250,000 جنيه سوداني (حوالي 100 دولار) وتستغرق ما يقرب من يوم كامل. وقبل سيطرة القوات في يونيو، كان سائقو الحافلات والمهربون يعلنون عن هذه الرحلات بشكل علني، أما الآن فقد اختفى هذا الإعلان تماماً.

 

على أنقاض حكم القذافي

 

وأوضح  تقرير Middle East Eye، أنه في شهر مارس 2011، وقبل أشهر قليلة من اغتيال الزعيم الليبي معمر القذافي، أعلنت ليبيا امتلاكها احتياطيات من الذهب تُقدَّر حينها بأكثر من ستة مليارات دولار.

 

لكن ما إن سقط الرجل القوي حتى اندلعت اضطرابات عمّت المنطقة من تشاد إلى إفريقيا الوسطى، مروراً بإقليم دارفور السوداني الذي لم يعرف الهدوء معظم سنوات القرن الحادي والعشرين، واندلعت معركة شرسة للسيطرة على الثروات.

 

ووصفها أحد عمال مناجم الذهب الحرفيين، الذي قضى عقداً من عمره في منطقة المثلث، بأنها مكان لصنع المال لا للاستقرار، مؤكداً أن الولاء الوحيد هناك هو للثروة.

 

وجاء في تقرير لمؤسسة “تشاتام هاوس”: “سعت كل من قوات الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية للسيطرة على تجارة الوقود غير المشروعة المربحة والحيوية القادمة من جنوب ليبيا”.

 

 

ومنذ عام 2012، ازدهر تعدين الذهب في المنطقة، وتدفقت إليها آلاف الحالمين بالثراء من مختلف أنحاء منطقة الساحل، حاملين معهم أدواتهم وأحلامهم، في سباق محموم نحو بريق المعدن النفيس.

 

وأوضح التقرير المنسوب لموقع Middle East Eye، وفي الوقت نفسه، ازدهرت في المنطقة تجارة غير قانونية أخرى، شملت تهريب البضائع المسروقة مثل السيارات والمخدرات، بالإضافة إلى الاتجار بالبشر إلى أوروبا عبر البحر المتوسط من دول إفريقية مختلفة.

 

بالنسبة لسليمان بالدو، الخبير في الشأن السوداني وفي الديناميكيات الاقتصادية والسياسية للمنطقة، فإن اقتصاد منطقة المثلث يجب أن يُنظر إليه كجزء من اقتصاد الساحل الإفريقي، القائم على العسكرة واستخراج الذهب والمعادن الأخرى.

 

وقال بالدّو، المدير التنفيذي لمبادرة الشفافية والسياسات في السودان، في حديثه إلى “Middle East Eye”:

 

“هناك عاملان خطيران تلاقيا مع العوامل السابقة وأدّيا إلى حالة الفوضى الراهنة في منطقة المثلث، وهما سقوط نظام القذافي والحرب السودانية التي أثّرت بشدة في دارفور وتشاد ودول إقليمية أخرى.”

وأظهر التقرير الصادر عن مركز تشاتام تحت عنوان “الذهب والحرب في السودان” أن تهريب الذهب عبر ليبيا يعكس حالة من الاستقرار النسبي – وإن كانت إجرامية – على الصعيد السياسي والاقتصادي والأمني، وهو ما فرضته قوات الجيش العربي الليبي بقيادة القائد الشرقي خليفة حفتر.

 

وهذا يختلف تماماً عن الوضع في السودان، حيث يسعى كل من القوات النظامية السودانية وقوات الدعم السريع إلى السيطرة على تجارة الوقود غير المشروعة والمربحة من جنوب ليبيا، والتي شهدت تصاعداً كبيراً منذ عام 2022 نتيجة استيلاء النخب على قطاع النفط في ليبيا، حسبما ذكر التقرير.

 

 

وأضاف التقرير:

“ارتفع الطلب وأسعار الوقود خلال الحرب في السودان نتيجة ندرة الوقود. ومن المرجح أن قوات الجيش الليبي العربي وحلفاءها المحليين من ميليشيات سبيل السلام كانوا يزودون قوات الدعم السريع بالوقود قبل اندلاع الحرب وبعدها بفترة وجيزة، كجزء من تجارة عادية ومساعدات أمنية، وفي الوقت نفسه تم تهريب كميات صغيرة من الذهب من منطقة المثلث عبر ليبيا.”

 

ويُشار إلى أن ميليشيا سبيل السلام الليبية، الحليفة لحفتر، كانت جزءًا من النجاحات الأخيرة لقوات الدعم السريع في منطقة المثلث

 

فرصة ذهبية للدعم السريع

 

وذكر التقرير المنسوب لموقع Middle East Eye، أنه منذ سقوط نظام القذافي، تحولت منطقة المثلث الحدودي إلى رقعة صراع متقلبة، تتناوب السيطرة عليها قوات الجيش السوداني، وقوات الدعم السريع، وفصائل مسلحة من ليبيا وتشاد.

 

وتشير مصادر عسكرية إلى أن وجود القوات المسلحة السودانية هناك كان ضعيفاً، وأنها اعتمدت على قوات الدعم السريع، التي انبثقت من ميليشيات الجنجويد المدعومة حكومياً، والتي أرّقت إقليم دارفور، قبل أن يدمجها الرئيس المخلوع عمر البشير في مؤسسات الدولة عام 2013، لتبدأ منذ 2016 نشاطها في أعماق الصحراء الشمالية الغربية.

 

لكن سرعان ما تبدلت التحالفات؛ فبعد أن كانت القوتان جزءاً من جيش واحد، اندلعت بينهما حرب مفتوحة، انحاز خلالها الجيش إلى حركات التمرد في دارفور، فيما نسجت قوات الدعم السريع تحالفاتها الخاصة مع قوات خليفة حفتر في ليبيا.

 

 

يقول باحث سوداني:

“كانت قوات الدعم السريع الرابح الأكبر من المثلث، إذ استخرجت الذهب وانخرطت في تجارة مربحة أخرى”.

 

التمرد يقتحم ساحة الصراع

 

ويضيف المحلل السياسي الليبي، إسلام الحاج، لموقع Middle East Eye:

 

“إن حركات التمرد الدارفورية، وعلى رأسها حركة العدل والمساواة وحركة تحرير السودان، وجدت موطئ قدم في جنوب ليبيا منذ عهد القذافي، ومع اشتعال الحرب في السودان، عززت قوات الدعم السريع وجودها هناك، وأقامت شبكة مصالح واسعة مع جماعات مسلحة ليبية، شملت تهريب البشر والأسلحة والوقود، وأنشطة إجرامية أخرى”.

 

في قلب الصحراء القاسية، وجدت قوات الدعم السريع بيئة خصبة للتمدد، فحصدت دعماً من حكومة البشير، وحتى من الاتحاد الأوروبي الذي كان يسعى لوقف تدفق المهاجرين واللاجئين الأفارقة عبر هذه المنطقة نحو المتوسط.

 

وتؤكد مصادر عسكرية وعمال مناجم في المثلث أن الدعم السريع أنشأت ثلاث قواعد عسكرية في شيفروليه والبرلي والشاسي، وكانت ترفع شعار مكافحة تهريب البشر ووقف تدفقهم شمالاً، بينما كانت تواصل استغلال ثروات المثلث وتعزيز تجارتها في الخفاء.

 

 

الحرب في السودان

 

مع اندلاع الحرب في السودان في أبريل 2023، سيطرت القوات المسلحة على قواعد قوات الدعم السريع في منطقة المثلث، بينها قواعد شيفروليه، بينما سحبت القوات شبه العسكرية مقاتليها للتركيز على استعادة العاصمة الخرطوم.

 

وقال مصدر عسكري وعامل منجم في المنطقة إنّ “مجموعات دارفور انخرطت خلال هذه الفترة في عمليات مكثفة لاستخراج الذهب وتجارة الأسلحة والوقود واللوجستيات الأخرى، مما أدى إلى وقوع مواجهات بين هذه القوات والميليشيات الليبية في جنوب ليبيا.”

 

ورغم انسحابها من المثلث، حافظت قوات الدعم السريع على وجودها هناك عبر تحالفها مع ميليشيات ليبية مرتبطة بحفتر، التي تمكنت من تسهيل تدفق الأسلحة من الإمارات، حسبما كشف العمال لموقع Middle East Eye.

 

وأوضح إسماعيل حسن، عامل مناجم في المنطقة، أن التحالف بين مجموعات متمردي دارفور والقوات المسلحة السودانية الذي تم في نوفمبر 2023 أنهى التعاون السابق بين هذه المجموعات وقوات الدعم السريع.

 

وشهدت المنطقة العديد من المواجهات بين قوات الجبهة المشتركة المتحالفة مع الجيش وقوات الدعم السريع، حيث سعت الأولى إلى قطع الإمدادات القادمة من ليبيا وصار القتال يتركز على السيطرة.

 

وتمكنت قوات الجبهة المشتركة من قطع بعض الإمدادات التي تصل لقوات الدعم السريع في دارفور، في حين بدأ الحصار على مدينة الفاشر، عاصمة شمال دارفور، منذ أكثر من 15 شهراً، ومن ناحية أخرى تُعد الفاشر آخر معاقل الجيش في المنطقة الغربية الشاسعة من السودان.

 

وقال حسن: “انتقلت حالة التوتر إلى منطقة المثلث، واندلعت اشتباكات بين قوات الجبهة المشتركة والميليشيات الليبية المتحالفة مع حفتر والتي قدمت الدعم لقوات الدعم السريع، بما في ذلك فتح معسكرات داخل الأراضي الليبية.”

 

وفي عملية كمين واحدة، اعتقلت قوات الجبهة المشتركة مرتزقة كولومبيين جاءوا للقتال إلى جانب قوات الدعم السريع بدعم من الإمارات في دارفور.

 

 

إلى أين يتجه المشهد؟

 

ويشير تقرير موقع Middle East Eye، إلى أنه يتفق مراقبون من طرفي الحرب السودانية على أن البلاد تقف عند مفترق طرق خطير، مع احتدام القتال في إقليم كردفان الحيوي، وتخطيط الجيش لعملية عسكرية واسعة نحو دارفور، التي باتت معظم أراضيها في قبضة قوات الدعم السريع.

 

وأكد مصدر ليبي أن معركة المثلث مرشحة للتصعيد، في ظل اندفاع قوى خارجية – وعلى رأسها الإمارات – لترجيح كفة حلفائها والسيطرة على هذه الرقعة الاستراتيجية.

 

وقال المصدر، الذي آثر عدم كشف اسمه لأسباب أمنية:

“الصراع على الصحراء سيشتد في الفترة المقبلة، إذ يعمل الطرفان على حشد قواتهما تمهيداً لجولة قتال هي الأعنف”.

 

أما كاميرون هادسون، الدبلوماسي الأمريكي السابق والخبير في شؤون المنطقة، فرأى أن:

“هذه حدود رخوة، ومنذ عقود تعيش على وقع الفوضى بفعل تحركات القوى غير النظامية، ولا أرى أن المشهد سيتغير ما دامت السودان وليبيا غارقتين في الانقسام والصراع”.

 

وأضاف:

“لا يمكن فصل الدوافع الاقتصادية عن السياسية في هذا النزاع، فكل منهما يغذي الآخر ويؤجج الصراع”.

 

وفي السياق ذاته، حذّر المحلل السياسي الليبي، إسلام الحاج، من التداعيات الإقليمية للمثلث قائلاً:

“منطقة المثلث قادرة على زعزعة الأمن في ليبيا والسودان، بل وفي كامل إقليم الساحل الإفريقي”.

 

رابط المصدر: 

 

https://www.middleeasteye.net/news/how-sudan-and-libyas-triangle-border-region-became-hotbed-crime-and-war

 

 

Hosam Sabri
مترجم صحفي، خبير في ترجمة وتحليل التقارير الصحفية، والمواد الصحفية ذات الطابع الاستقصائي، ملتزمًا بالدقة والموضوعية.

مقالات ذات صلة