ترجمات

مصر تعزز أمنها في سيناء وسط مخاوف إسرائيلية متزايدة

أوضحت صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية في مقال كتبه رجل الأعمال والناشط الإسرائيلي، ميخاه أفني، أن الأوهام في هذه المنطقة تودي بحياة الأبرياء، فالتهاون في انتهاكات مصر المتكررة بسيناء لا يقل خطورةً عن تجاهل صواريخ حزب الله أو أنفاق حماس.

 

لفترة طويلة، تمسكت إسرائيل بوهم أن اتفاقية كامب ديفيد لعام 1979 ضمنت بشكل دائم أمن جبهتها الجنوبية، وأقنعت نفسها بأن وجود معاهدة سلام يعني أن الانتشار العسكري المصري في سيناء إما غير مؤذٍ أو غير ذي صلة بالأمن الإسرائيلي.

 

لكن الحقائق على الأرض لا يمكن إنكارها، فقد حولت القاهرة سيناء إلى منطقة عمليات متقدمة، حيث نشرت دبابات وطائرات وبنية تحتية عسكرية جديدة، تتجاوز بكثير أي احتياجات منطقية لمكافحة التمرد.

 

تجاهل التهديدات يؤدي إلى عواقب كارثية

 

هذا المشهد ليس جديدًا، بعد انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان عام 2000، تمكن حزب الله من بناء ترسانة صاروخية دون عوائق، مما أدى إلى حرب مدمرة في 2006، ثم جاء السماح لحماس بتعزيز قدراتها العسكرية في غزة، وهو ما انتهى بالمجازر المروعة في 7 أكتوبر 2023.

 

وأشارت صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية، وبالطريقة ذاتها، غضت إسرائيل الطرف بينما قامت مصر تدريجيًا بتفكيك القيود المفروضة بموجب معاهدة السلام في سيناء، في كل مرة، اعتمدت إسرائيل على نصف الحلول واستراتيجية الاحتواء، لكنها دفعت الثمن لاحقًا بسبب الاعتماد على التمنيات بدلاً من الإجراءات الحاسمة.

 

انتشار عسكري يتجاوز حدود المعاهدة

 

وذكرت صحيفة “جيروزاليم بوست” العبرية، أن صور الأقمار الصناعية والمعلومات الاستخباراتية الميدانية تُظهر أن القواعد العسكرية المصرية، المطارات، والآليات الثقيلة قد انتشرت بما يتجاوز بكثير الحدود المسموح بها وفق معاهدة السلام.

 

أما الخطاب الرسمي للقاهرة، الذي يؤكد أن “العمليات العسكرية تستهدف الإرهاب”، فلم يعد كافيًا لتبرير نشر فرق عسكرية متعددة، إنشاء طرق استراتيجية، معدات عبور، وبناء تحصينات عسكرية متقدمة، مما يثير تساؤلات جدية حول التحولات الأمنية في سيناء وتأثيرها على المنطقة.

 

بعد مزاعم إسرائيلية.. ما حقيقة تهريب أسلحة من مصر لغزة؟

 

تهديد استراتيجي متنامٍ

 

تحولت سيناء من منطقة عازلة منزوعة السلاح إلى منصة انطلاق عسكرية متقدمة، مما يثير مخاوف أمنية خطيرة، إذا استمرت إسرائيل في موقفها السلبي، فإن المدرعات المصرية قد تعبر النقب خلال ساعات، مهددة بئر السبع وربما تل أبيب.

 

يعتقد البعض أن مصر تتخذ هذه الخطوات كإجراء احترازي، لكن هذا التفسير يغفل الحقائق، فالتعزيزات العسكرية لم تكن مفاجئة ولا مؤقتة، بل بدأت منذ ما يقرب من عقد، وتم تنفيذها بشكل تدريجي تحت غطاء “انتشارات مؤقتة”.

 

بدلاً من خفض الوجود العسكري بعد تراجع التهديدات الأمنية في سيناء، واصلت مصر تعزيز قواتها، مما يعكس توجهاً استراتيجياً واضحاً، واليوم، تسعى القاهرة إلى تنويع تحالفاتها العسكرية من خلال الاقتراب من الصين وروسيا، متجاوزة قيود المساعدات الأمريكية في سعيها للحصول على معدات متطورة، وهو تطور قد يعيد تشكيل التوازنات الأمنية في المنطقة.

 

المعاهدات قائمة على ميزان الخوف وليس الثقة

 

وأوضحت صحيفة جيروزاليم بوست العبرية أن المعاهدات في الشرق الأوسط تدوم فقط بقدر ما يخشى أطرافها البديل، وأشارت الصحيفة إلى أن القيادة المصرية لا تزال تعتبر حرب 1973 انتصارًا، لأنها أجبرت العالم على تمويل القاهرة لعقود.

 

واليوم، ومع تزايد الشكوك حول استمرارية الدعم الأمريكي لمصر، ترى الصحيفة أن القاهرة تختبر مرة أخرى مدى صلابة إسرائيل، وأضافت أن كل مرة تتجنب فيها إسرائيل المواجهة، تزداد جرأة القيادة المصرية للمضي قدمًا بخطوات أكثر تهديدًا.

 

 

الأمن لا يتحقق بالوعود

 

بحسب جيروزاليم بوست، فإن التاريخ يثبت أن الاعتماد على التصريحات الدبلوماسية أو التفاهمات القائمة على حسن النوايا ليس استراتيجية فعالة، واستشهدت الصحيفة بالهجمات الإسرائيلية التي دمرت المفاعل النووي العراقي عام 1981 والمفاعل السوري عام 2007، معتبرة أن التحرك الحاسم هو الذي ضمن أمن إسرائيل وليس الاتفاقيات أو التفاهمات المؤقتة.

 

حذّرت صحيفة جيروزاليم بوست العبرية من أن تجاهل إسرائيل لبرنامج الصواريخ التابع لحماس أدى إلى كارثة، مشيرة إلى أن تكرار الخطأ نفسه في سيناء سيكون أكثر خطورة بمراحل إذا استمرت إسرائيل في غض الطرف عن التوسع العسكري المصري هناك.

 

التعاون الأمني لا يعني التنازل عن سيادة الاتفاقيات

 

أكدت الصحيفة أن هذه القضية لا تتعلق بالسعي إلى الحرب، بل إن إسرائيل يجب أن تبقى منفتحة على التعاون مع مصر في العمليات الحقيقية لمكافحة الإرهاب، لكنها شددت على أن التعاون لا يعني الاستسلام لانتهاك صارخ لمعاهدة السلام.

 

ووفقًا للصحيفة، إذا رفضت القاهرة تقليص وجودها العسكري أو تفكيك البنية التحتية الهجومية التي أنشأتها حديثًا في سيناء، فإن على إسرائيل التحرك لضمان الامتثال للمعاهدة – دبلوماسيًا إن أمكن، وعسكريًا إن لزم الأمر.

 

وأضافت الصحيفة أن اتفاقية كامب ديفيد لم تكن أبدًا مجرد غطاء يسمح لقوة معادية بتعزيز وجودها العسكري دون أي رد فعل.

 

الأوهام في هذه المنطقة تؤدي إلى الموت

 

وأكدت جيروزاليم بوست، أن التغاضي عن الانتهاكات المصرية في سيناء خطير تمامًا مثل تجاهل صواريخ حزب الله أو أنفاق حماس، معتبرة أن الرهان على الوهم في الشرق الأوسط قد يكون مكلفًا للغاية، ويدفع ثمنه الأرواح.

 

وأشارت جيروزاليم بوست، أن الردع هو خط الدفاع الأول لإسرائيل والضمانة الحقيقية لتحقيق سلام مستدام، وأضافت أنه إذا كانت مصر تسعى بالفعل إلى الاستقرار، فيجب أن ترحب بالشفافية، والضوابط الواضحة، والالتزام بمعاهدة السلام، ولكن إذا استمرت في تقويض بنود الاتفاق، فإن على إسرائيل أن تتحرك بسرعة وبحزم.

 

وأشارت الصحيفة إلى أن السلطات المصرية قد تبرر انتشارها العسكري بالحديث عن “السيادة” و”الدفاع عن النفس”، لكن حشد فرق عسكرية ضخمة على الحدود مع إسرائيل لا يحمل سوى رسالة واحدة واضحة.

 

وحذرت الصحيفة من أن الاستمرار في التغاضي عن هذا التهديد لن يؤدي إلا إلى تفاقم الوضع، وسيجعل المواجهة القادمة أكثر خطورة وتعقيدًا. وأضافت: “الوقت قد حان لإنهاء الوهم بأن التوقيع على اتفاقية سلام يكفي وحده لضمان أمن إسرائيل.”

 

 

فرض المعاهدة أم مواجهة أزمة لا يمكن احتواؤها

 

وشددت جيروزاليم بوست على أن أمن إسرائيل يعتمد على استعدادها لفرض الخطوط الحمراء بوضوح وحزم، محذرة من أن الخيار المطروح اليوم صار أكثر وضوحًا من أي وقت مضى: إما إعادة فرض قيود المعاهدة وردع أي تجاوز مصري، أو انتظار أزمة مفاجئة لا يمكن لأي وثيقة دبلوماسية أن تمنعها.

 

واختتمت الصحيفة تحليلها بعبارة لافتة: “إسرائيل تملك الوسائل والإرادة لحماية أمنها ومستقبلها.. لكن السؤال الحقيقي هو: هل لا تزال لدينا الشجاعة للتحرك قبل فوات الأوان؟”

 

المصدر: 

https://www.jpost.com/opinion/article-843353

 

 

اقرأ أيضًا:

 

الدول العربية تدرك جديّة ترامب بشأن غزة

 

تحدي التهجير.. إلغاء زيارة السيسي للبيت الأبيض

 

مصر: تراجع التمويل يُهدِّد مستقبل التعليم

 

 

Hosam Sabri
مترجم صحفي، خبير في ترجمة وتحليل التقارير الصحفية، والمواد الصحفية ذات الطابع الاستقصائي، ملتزمًا بالدقة والموضوعية.

مقالات ذات صلة

اشترك في نشرتنا الاخبارية