ترجمات

مصر والأردن: تجاهل لمصالحهما في مرحلة ما بعد حرب غزة

لقد دأبنا على سماع الخبراء يتحدثون عن تولي تركيا وقطر وإيران والإمارات العربية المتحدة والسلطة الفلسطينية، وحتى قوة دولية لإعادة إعمار قطاع غزة وحكمه. وهناك الكثير من التحليلات حول فوائد، ولكن في الغالب مخاطر، تولي أي من هذه الأطراف دورًا قياديًا في غزة ما بعد الحرب.

 

ورغم ما يواجهه البلدان من ضغوط اقتصادية وسياسية متصاعدة، يظلّ كلٌّ من مصر والأردن شريكين طبيعيين في التصدي لحركة حماس وجماعة الإخوان المسلمين، ويتعيّن إدراجهما في صميم أي رؤية واقعية لإدارة مرحلة ما بعد الحرب.

 

ورد في تقرير منسوب لصحيفة The Jerusalem Post، على لسان الكاتب للكاتب مارك لافي، أنه لطالما استمعنا إلى الخبراء وهم يتحدثون عن تركيا وقطر وإيران والإمارات العربية المتحدة والسلطة الفلسطينية، بل وحتى عن قوة دولية تتولى إعادة إعمار غزة وإدارتها.

 

وتزدحم التحليلات بتفاصيل المزايا المحتملة، ولكن – في الغالب – بالمخاطر الهائلة التي قد تترتب على منح أي من تلك الأطراف دورًا قياديًا في مرحلة ما بعد الحرب في غزة.

 

وقال الكاتب: أما أنا، فأكتب بصفتي صحفيًا غطّى المنطقة ميدانيًا طوال خمسة عقود، ولدي خبرة واسعة ومباشرة في كلٍّ من مصر والأردن. بل إنني عشت وعملت في مصر لمدة عامين إبان فترة الربيع العربي.

 

ولذا يبرز السؤال الجوهري: أين تقف مصر والأردن في جميع هذه السيناريوهات المتعلقة بغزة؟

 

فهما الحليفان الطبيعيان لإسرائيل في مواجهة حركة حماس في غزة وجماعة الإخوان المسلمين في الإقليم بأسره. ومع ذلك، كثيرًا ما يتجاهل المحللون دورهما، أو – وهذا أسوأ – ينخدعون باستنتاجات مضلّلة من قبيل:

 

يجب على مصر فتح حدودها واستيعاب مئات الآلاف من اللاجئين الفلسطينيين من غزة.

 

أمّا الأردن فعليه… املأ الفراغ بما شئت من مطالب غير قابلة للتحقق، حيث تتراوح بين استقبال سكان غزة ودعم إسرائيل علنًا في كل تحركاتها.

وقال: لنبدأ بالأردن، لأن الأمر الأسهل، فأي صيغة تَستهلّ بعبارة:

 

“يجب على العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني أن…” هي صيغة مضلّلة أو مبنية على فهم خاطئ. فالمسألة هنا تتعلق بالمفهوم. فمن يقفون على الجانب الأقوى من السور يتصورون أن بإمكان الملك عبدالله أن يفعل ما يشاء، فهو في نهاية المطاف ملك، وبالتالي لا سبب يمنعه من أن يكون في طليعة الداعمين لإسرائيل على مستوى العالم العربي. ولماذا إذن أبرمت إسرائيل اتفاق سلام مع الأردن؟

 

واستكمل الكاتب قائلا: في الواقع، الأردن دولة صغيرة وفقيرة يغلب عليها الطابع الصحراوي، وتحكمها شريحة من مجتمعها هي الهاشميون.

وفي الوقت نفسه يواجه الملك عبدالله تحديات اقتصادية وسياسية شبه عصية على الإدراك، ويُعدّ مجرد تمكنه من الحفاظ على الاستقرار إنجازًا بحد ذاته.

 

 

فعلى سبيل المثال، في ذروة الحرب الأهلية الأخيرة في سوريا المجاورة، استضاف الأردن نحو مليون لاجئ بقدرات دعم محدودة للغاية. وقد أعيد عدد كبير منهم لاحقًا إلى بلادهم، لكن العبء الاقتصادي ما زال قائمًا.

 

والأهم من ذلك هو التحدي المتعلق بالفلسطينيين وتصاعد راديكاليتهم. فغالبية سكان الأردن من أصول فلسطينية، ولا يمكن الحصول على أرقام دقيقة لأن حكّام الأردن، ولأسباب مفهومة، لا يرغبون في الاعتراف بخطورة واقعهم الديموغرافي. أما أفضل التقديرات – وربما تكون أقل من الواقع – فتشير إلى نحو 60%.

 

وأشار الكاتب قائلا:

 

يُعدّ البرلمان الأردني اليوم ذا غالبية إسلامية التأثير، مع حضور واضح لجماعة الإخوان المسلمين. وهنا، تحديدًا، يكمن الرد على مقولة: “الأردن هو فلسطين”؛ أي الدعوة إلى إسقاط النظام الهاشمي وتمكين الفلسطينيين من السيطرة على الدولة، لتُصبح الأردن “الدولة الفلسطينية”، وتُترك الضفة الغربية لإسرائيل.

 

فقيام دولة على هذا النحو سيعني دولة كاملة النفوذ لجماعة الإخوان المسلمين، ذات سيادة وحدود مشتركة وحلفاء متطرفين، على مرمى حجر من إسرائيل. وهذا تمامًا هو الخطر الذي يقف الملك عبدالله سداً منيعاً في وجهه.

 

ولا يملك الملك عبدالله الجاذبية الشخصية التي تمتع بها والده الحسين. ومن غير الواقعي مطالبته بما يفوق ما يفعله حاليًا، وهو الحفاظ على تنسيق أمني هادئ مع إسرائيل الذي قد يأتي وقت يصبح فيه للأردن دور فاعل في إعادة إنعاش غزة، لكن لن يكون قائدًا لذلك الدور  ولا يمكنه أن يكون كذلك.

 

أما في مصر، فقد قام الرئيس عبدالفتاح السيسي بسجن عشرات الآلاف من ناشطي الإخوان المسلمين، ما أثار بطبيعة الحال انتقادات من منظمات حقوقية غربية، غير أن الإفراج عنهم سيعرض استقرار نظامه لاهتزاز خطير.

 

وإذا أُضيف إلى هذه المعادلة احتمال فتح الحدود أمام مئات الآلاف من سكان غزة — الذين نشأوا جيلاً كاملاً تحت تأثير فرعهم من جماعة الإخوان المسلمين، أي حركة حماس — فإن ذلك سيهدد بلا شك ركائز النظام العلماني الذي يقوده السيسي.

 

الدكتورة آيات حداد: الدور المصري في غزة محوري.. ونرفض أي وجود عسكري أجنبي داخل القطاع

 

بين الدعم والشعور الشعبي

 

وأوضح الكاتب: هنا تجدر الإشارة إلى حقيقة غالبًا ما يغفل عنها وهي على الرغم من عقود من الخطابات والشعارات المتكررة حول “القضية الفلسطينية”، فإن الفلسطينيين ليسوا محلّ ترحيب واسع في العالم العربي – على حد تعبير الكاتب –  وليس ذلك مستغربًا إذا ما تذكّرنا أنهم اصطفّوا مرارًا إلى جانب الجانب الخاطئ من التاريخ: دعموا ألمانيا النازية، والطاغية العراقي صدام حسين، وتنظيم القاعدة، وتنظيم “داعش”، وحاليا إيران.

 

ويرى لافي: وتجربتي الشخصية تؤكد هذا قائلا، فحين كنت أعمل مع إحدى وكالات الأنباء البارزة في القاهرة، التقيت بأطياف متعددة من الناس.

 

وكان في الفريق مصوّران فلسطينيان عرفتهما سابقًا من مكتب الوكالة في القدس؛ شابّان لطيفان ومهنيّان. ومع ذلك، كنت الصحفي الوحيد في المكتب الذي يتحدّث إليهما، بينما كان المصريون يتجاهلونهما بالكامل.

 

وأضاف: إن النتيجة الفعلية للدعوات الموجّهة إلى مصر والأردن للمساهمة في حل أزمة غزة عبر فتح حدودهما قد تكون إقامة دولتين سياديتين تهيمن عليهما أغلبية فلسطينية ذات انتماء إخواني، بمحاذاة إسرائيل مباشرة. ومثل هذا الواقع كفيل بأن يجعل الإسرائيليين يحنّون إلى “الأيام الماضية” حين كان عليهم التعامل فقط مع غزة وحماس.

 

دور مصر والأردن في إدارة أزمة غزة

 

وقال الكاتب لافي: أن مصر والأردن كانتا أول دولتين عربيتين توقّعتا اتفاقيتي سلام مع إسرائيل قبل عقود، وكلتاهما تمتلكان مساحات واسعة من التعاون مع إسرائيل لا يرى أي طرف ضرورة إعلانها للملأ. وكلاهما يتعرضان لتهديد مزدوج: الإخوان المسلمون من جهة، والتشدّد الإيراني من جهة أخرى — وكذلك الحال بالنسبة لإسرائيل. ومن ثمّ فالشراكة بين هذه الأطراف تبدو خيارًا طبيعيًا.

 

ويمكن أن تتخذ مشاركتهما أشكالًا متعددة؛ فمصر والأردن يمتلكان جيشين مُدرّبين تدريبًا جيدًا ومزوّدين بأسلحة أميركية، ويمكن لأدوارهما أن تتعاظم تدريجيًا بمرور الوقت.

 

وفي الوقت نفسه، سيكون من الحكمة أن تُولي إسرائيل اعتبارًا لمصالح مصر والأردن في أي ترتيبات تخصّ غزة، حتى ولو تطلب الأمر بعض التصريحات البروتوكولية حول حل الدولتين — وهو حل رفضه الفلسطينيون مرارًا، ولا يرغب فيه فعليًا لا الأردن ولا مصر.

 

واختتم الكاتب مقالته قائلا: كما سيكون على جميع الخبراء التخفيف من لهجة مطالبهم ونصائحهم وانتقاداتهم الموجّهة إلى أقرب شركاء إسرائيل في السلام.

 

رابط المصدر: 

 

https://www.jpost.com/opinion/article-873123

Hosam Sabri
مترجم صحفي، خبير في ترجمة وتحليل التقارير الصحفية، والمواد الصحفية ذات الطابع الاستقصائي، ملتزمًا بالدقة والموضوعية.

مقالات ذات صلة