ترجمات

هل تخلت الإمارات عن دعم حميدتي؟

شهدت المناطق الخاضعة لسيطرة القوات المسلحة السودانية أجواء احتفالية واسعة، حيث خرج المواطنون إلى الشوارع يعبرون عن فرحتهم بما وصفوه انتصارًا كبيرًا للجيش، هذا المشهد عزز الآمال بين السودانيين بإمكانية أن يمثل هذا الانتصار العسكري نقطة تحول حاسمة في مسار الحرب الأهلية، التي خلفت دمارًا واسعًا ومعاناة لا توصف على مدى عامين.

 

تحرير ود مدني انتصار عسكري

 

ذكرت صحيفة نيويورك تايمز أن القوات المسلحة السودانية استعادت يوم السبت مدينة ود مدني، الواقعة في منطقة تُعرف بسلة غذاء السودان، وطردت منها قوات الدعم السريع، التي اتهمتها الولايات المتحدة الأسبوع الماضي بارتكاب إبادة جماعية.

 

وأعلن وزير الإعلام السوداني أن الجيش “حرر” المدينة، في حين أكد الجيش أن قواته تعمل على “تطهير بقايا المتمردين” من المنطقة.

 

 

تحول كبير في مسار الحرب

 

إذا تمكن الجيش من الحفاظ على سيطرته على ود مدني، فسيُعد هذا الانتصار الأهم منذ اندلاع الحرب قبل نحو عامين. ويرى الخبراء أن هذا التطور قد ينقل التركيز العسكري شمالًا نحو العاصمة الخرطوم.

 

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة عبر الإنترنت دخول القوات المسلحة إلى المدينة التي تبعد حوالي 100 ميل جنوب العاصمة، فيما أفادت وسائل إعلام محلية بأن مقاتلي الدعم السريع فروا من المدينة.

 

 

إقرار بالهزيمة وتعهد بالعودة

 

وأشارت نيويورك تايمز، بعد خسارة قوات الدعم السريع مدينة ود مدني، أقر قائد القوات، الجنرال محمد حمدان دقلو، المعروف بـ”حميدتي”، بالهزيمة في هذه الجولة، لكنه أبدى إصراره على مواصلة القتال واستعادة السيطرة على المدينة في المستقبل القريب.

 

وفي خطاب صوتي موجه إلى مقاتليه والشعب السوداني، قال حميدتي: “اليوم خسرنا جولة، لكننا لم نخسر المعركة”.

 

جاءت هذه التصريحات كجزء من محاولته رفع معنويات قواته، التي تكبدت خسائر فادحة خلال معارك استعادة ود مدني، في الوقت الذي تواصل فيه القوات المسلحة عملياتها لتأمين المناطق المحيطة بالمدينة.

 

تعكس هذه التصريحات موقف الدعم السريع الرافض للاستسلام، في ظل معركة متواصلة تُلقي بظلالها الثقيلة على المشهد السوداني.

 

 

احتفالات في السودان وخارجه

 

شهدت المناطق التي يسيطر عليها الجيش مشاهد فرح بين السودانيين، حيث يأمل كثيرون أن يكون هذا الانتصار نقطة تحول في الحرب الأهلية المدمرة.

 

في الخرطوم، احتشد الناس في الشوارع المدمرة، بينما دقت أجراس الكنائس في بورتسودان، العاصمة المؤقتة خلال الحرب، كما عمّت الاحتفالات بين السودانيين في مصر والسعودية وقطر.

 

الدعم السريع، خسائر الماضي وتحديات المستقبل

 

وصفت صحيفة “نيويورك تايمز” هزيمة قوات الدعم السريع في مدينة ود مدني بأنها ضربة قاسية للقوة شبه العسكرية، التي كانت قد بسطت سيطرتها على المدينة قبل أكثر من عام، خلال تلك الفترة، أجبر الهجوم على ود مدني عشرات الآلاف من السكان على النزوح من منازلهم، مما ترك أثرًا عميقًا على الوضع الإنساني في البلاد وأثار صدمة وطنية واسعة لدى السودانيين.

 

لم تقتصر سيطرة الدعم السريع على ود مدني؛ بل توسعت لتشمل مناطق شاسعة من السودان، بعيدًا عن معقلها التقليدي في دارفور، حيث تدور أعنف المعارك، وفقًا لتقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوق الإنسان، ارتكبت قوات الدعم السريع في دارفور جرائم وحشية، شملت مذابح وتطهيرًا عرقيًا ضد مجموعات عرقية منافسة، مما ساهم في تصعيد الأزمة الإنسانية.

 

تُظهر هذه التطورات كيف استطاعت قوات الدعم السريع تحقيق تقدم كبير في السابق، لكنها الآن تواجه انتكاسات قد تعيد تشكيل مسار الحرب في السودان، وسط ضغوط محلية ودولية لمحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات.

 

اتهامات بالإبادة الجماعية وعقوبات دولية

 

الأسبوع الماضي، وصفت الولايات المتحدة تلك الفظائع بأنها إبادة جماعية، وفرضت عقوبات على قائد الدعم السريع حميدتي، بالإضافة إلى سبع شركات إماراتية متهمة بالتجارة بالذهب وشراء أسلحة لصالح الدعم السريع.

 

تغيرات في ميزان القوى

 

في الأشهر الأخيرة، بدأت قوات الدعم السريع تفقد أراضيها في الخرطوم وأجزاء من شرق السودان، ما دفع الجيش إلى شن هجوم مضاد في منطقة ود مدني، انتهى باستعادة المدينة.

ومع ذلك، لا يزال من المبكر الحكم على ما إذا كان هذا الانتصار سيغير مسار الصراع بشكل جذري. فمنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، شهدت المواجهات تقلبات حادة.

 

صراع النفوذ الخارجي في حرب السودان

 

وكما ذكرت نيويورك تايمز، كانت قوات الدعم السريع والجيش السوداني يومًا ما حليفين، حيث اشتركا معًا في تنفيذ انقلاب عسكري عام 2021 أسقط الحكومة المدنية، لكن هذا التحالف لم يدم طويلاً، مع اندلاع الحرب بين الطرفين، تحول كل منهما إلى الاعتماد على حلفاء دوليين لتأمين السلاح والدعم اللوجستي، مما جعل الصراع الداخلي في السودان ساحة للتدخلات الخارجية.

 

تحظى قوات الدعم السريع بدعم كبير من الإمارات العربية المتحدة، التي وفرت لها أسلحة متطورة وطائرات مسيرة قوية، يتم تهريبها غالبًا عبر دول مجاورة، وعلى الجانب الآخر، تلقى الجيش السوداني دعمًا عسكريًا من دول مثل إيران وروسيا وتركيا، التي زودته بأسلحة وعتاد متنوع لتعزيز قدراته في الميدان.

 

وفي ظل هذه التحالفات المتناقضة، يلجأ الطرفان إلى استغلال الموارد الطبيعية الهائلة في السودان، وعلى رأسها الذهب، لتمويل الصراع.

تُعد ثروة الذهب السودانية مصدرًا رئيسيًا لتغطية النفقات العسكرية، مما يعمق الأزمة ويجعل الصراع أكثر تعقيدًا، حيث تتشابك المصالح المحلية مع الأجندات الإقليمية والدولية.

 

هذا الانقسام في التحالفات يكشف عن تعقيد الحرب السودانية، التي لم تعد مجرد نزاع داخلي، بل أصبحت معركة مصالح بين قوى إقليمية ودولية، تتسابق على النفوذ في واحدة من أكثر الدول الأفريقية ثراءً بالموارد الطبيعية.

 

 

معاناة المدنيين في ظل الحرب

 

أسفرت الحرب عن معاناة شديدة للسودانيين، حيث قُتل عشرات الآلاف، وتشرد أكثر من 11 مليون شخص. وأدى الصراع إلى واحدة من أسوأ أزمات المجاعة في العقود الأخيرة.

 

وفقًا لتقرير “اللجنة الدولية لتصنيف الأزمات الغذائية”، انتشرت المجاعة في خمس مناطق بالسودان، ومن المتوقع أن تصل إلى خمس مناطق أخرى قريبًا، مع معاناة 25 مليون شخص من الجوع المزمن أو الحاد.

 

المدنيون يدفعون الثمن الأكبر

 

وسط دوامة الصراع الدموي في السودان، تتزايد التقارير المروعة عن جرائم الحرب والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها طرفا النزاع.

 

أكدت الأمم المتحدة ومسؤولون أمريكيون أن كلا من الجيش السوداني وقوات الدعم السريع متورطان في ارتكاب جرائم حرب ضد المدنيين، مما يعكس حجم الكارثة الإنسانية التي يعيشها هذا البلد.

 

ومع ذلك، تركزت أصابع الاتهام بشكل خاص على قوات الدعم السريع، التي تُتهم بارتكاب تطهير عرقي في مناطق عدة، لا سيما في دارفور، حيث تم استهداف مجموعات عرقية بعينها في حملات قتل وتهجير واسعة النطاق. تصف المنظمات الحقوقية هذه الجرائم بأنها تترك وصمة عار على ضمير الإنسانية، حيث تعرض السكان لمذابح وحشية ونزوح قسري.

 

في خضم هذا الصراع، يبقى المدنيون هم الضحية الأولى، إذ يدفعون ثمنًا باهظًا من حياتهم وسبل معيشتهم، تتحدث التقارير عن آلاف القتلى وملايين النازحين، في وقت تتفاقم فيه الأزمات الإنسانية، من المجاعة إلى انهيار الخدمات الأساسية، وبينما تتواصل الحرب بلا هوادة، يظل الأمل في محاسبة المسؤولين عن هذه الجرائم رهين الإرادة الدولية التي تواجه تحديات معقدة في هذا السياق.

 

المصدر: 

https://www.nytimes.com/2025/01/11/world/africa/sudan-military-recaptures-city.html

Hosam Sabri
مترجم صحفي، خبير في ترجمة وتحليل التقارير الصحفية، والمواد الصحفية ذات الطابع الاستقصائي، ملتزمًا بالدقة والموضوعية.

مقالات ذات صلة

اشترك في نشرتنا الاخبارية