ترجمات

هل تمضي مصر في طريقها بعيدًا عن ظلّ إسرائيل؟ الأمر رهن الظروف

وصف الرئيس عبد الفتاح السيسي إسرائيل بأنها “العدو”، بينما يعمل على إعادة إحياء علاقات القاهرة مع جيرانها الآخرين، غير أنّ بعض الروابط العسكرية والاقتصادية مع تل أبيب ما زالت متجذّرة ويصعب فكّ ارتباطها.

 

في تقرير تم نشره على موقع Responsible Statecraft، أوضح أن هناك قوى متشابكة تمتد من الحروب والرسوم الجمركية إلى ملامح النظام العالمي المتعدد الأقطاب الناشئ إلى إعادة رسم خريطة الشرق الأوسط وتحالفاته، فيما تتصدر مصر هذا الحراك الإقليمي بدورٍ فاعل ومحوري.

 

غير أنّ طموح القاهرة في صياغة واقع جديد يصطدم بحقيقة أساسية، تتمثل في اعتمادها العميق على واشنطن، وهو ما يقيّد قدرتها على إعادة ترتيب التحالفات أو قيادة دفة التغيير داخلها. ويبقى الزمن وحده كفيلاً بالإجابة عن مدى ما يمكن لمصر أن تبلغه في هذا المسار الطموح.

 

ويبدو أن مصر تحاول اليوم تأكيد حضورها أو استعادته في ما يتصل بعلاقتها بإسرائيل وبحربها الدائرة في غزة، حيث شهدت الأسابيع الأخيرة إشارات واضحة على تحوّل في الموقف المصري.

 

ففي الخامس عشر من سبتمبر، ألقى الرئيس السيسي خطابًا وُصف بالمفصلي خلال القمة العربية الإسلامية الطارئة التي استضافتها قطر، وتضمّن ثلاث لحظات شكلت صدمة في المشهد السياسي العربي.

 

الأولى كانت عندما وصف السيسي إسرائيل بأنها “العدو”  في سابقةٍ هي الأولى منذ توليه السلطة عام 2014، بل هي المرة الأولى التي يصف فيها مسؤول مصري إسرائيل بهذا التوصيف منذ الزيارة التاريخية التي قام بها الرئيس أنور السادات إلى القدس عام 1977.

 

أما اللحظة الثانية، فجاءت عندما وجّه السيسي تحذيرًا مباشرًا إلى “الشعب الإسرائيلي” بشأن اتفاقات أبراهام، قائلاً إنّ ما يجري حاليًا “يُقوّض فرص أي اتفاقات سلام جديدة”. لكن الأهم كان التحذير الذي أعقب ذلك، إذ أشار إلى أنّ ما يحدث الآن “قد يؤدي إلى تقويض أو حتى إلغاء اتفاقات السلام القائمة مع دول المنطقة” في إشارة واضحة، وإن غير مباشرة، إلى معاهدة السلام المصرية – الإسرائيلية الموقّعة عام 1979.

 

نحو تحالف أمني عربي–إسلامي

 

أما اللحظة الثالثة في خطاب الرئيس عبد الفتاح السيسي، فتمثّلت في دعوته إلى إنشاء تحالف أمني عربي–إسلامي، فقد قال السيسي إنّه “أصبح لزامًا علينا أن نؤسس آلية عربية–إسلامية للتنسيق والتعاون، تمكّننا جميعًا من مواجهة التحديات الأمنية والسياسية والاقتصادية الكبرى التي تحيط بنا”.

 

وفي عبارة لافتة، أضاف الرئيس المصري أنّه ينبغي أن يكون واضحًا للجميع أن “جغرافيا أي دولة عربية تمتد من المحيط إلى الخليج، وأن مظلتها تتسع لجميع الدول الإسلامية المحبة للسلام”.

 

وبحسب ما أوردته صحيفة جيروزليم بوست الإسرائيلية، فإنّ هذا الترتيب المقترح، الشبيه بحلف الناتو، من شأنه أن يشكّل مظلة دفاعية قادرة على التحرك السريع لحماية أي دولة عربية تتعرض لهجوم. وتشير التقارير إلى أنّ مصر أبدت استعدادها للمساهمة بقوة قوامها 20 ألف جندي، على أن يتولى ضابط مصري قيادة التحالف المقترح.

 

وفي موازاة ذلك، رُصدت تحركات عسكرية مصرية متزايدة في شبه جزيرة سيناء، يُعتقد أنها تتعارض مع معاهدة السلام الموقعة عام 1979 بين مصر وإسرائيل. وقد قدّم رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قائمةً بتلك “الانتهاكات”، مطالبًا الولايات المتحدة — بصفتها الضامن للمعاهدة — بممارسة ضغوط على القاهرة لتقليص وجودها العسكري في المنطقة.

 

 

بين هاجس النزوح وهاجس الأمن

 

وأشار تقرير موقع Responsible Statecraft، أن مصر دفعت بتعزيزات عسكرية إضافية إلى المنطقة، خشيةً من تدفّق جماعي للفلسطينيين عبر حدودها مع قطاع غزة، ليرتفع عدد قواتها هناك إلى نحو 40 ألف جندي أي ما يقارب ضعف العدد المسموح به وفق معاهدة السلام الموقعة مع إسرائيل.

 

وترافق هذه القوات مركبات مدرعة ومنظومات دفاع جوي متقدمة صينية الصنع إضافةً إلى دبابات القتال الرئيسية من طراز M60. ووفقًا لتقارير متطابقة، حذّرت القاهرة من أنه في حال حدوث موجة نزوح جماعية من غزة نحو الأراضي المصرية، فإنها ستعمل خلال 72 ساعة فقط على مضاعفة حجم قواتها ونشر أسلحة ثقيلة ومروحيات قتالية.

 

وتقول إسرائيل إنّ مصر أنشأت بنية تحتية عسكرية جديدة في سيناء، وبنت منشآت تحت الأرض لتخزين الصواريخ، كما مددت مدارج الطائرات الحربية لاستيعاب المقاتلات. وتشير تقارير أخرى إلى أن القاهرة قررت خفض مستوى التنسيق الأمني مع تل أبيب إلى إشعارٍ آخر، وأنها تعتزم إعادة هيكلة منظومة الاتصالات الأمنية المشتركة.

 

ويُعد هذا الحشد العسكري تجسيدًا ماديًا لمخاوف مصر من نزوحٍ واسعٍ للفلسطينيين من غزة إلى أراضيها. فالقاهرة ترفض أن تكون طرفًا في أي مخطط يهدف إلى تهجير الفلسطينيين عن أرضهم، وتخشى في ضوء تحذير رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من أن إسرائيل “ستلاحق قادة حماس أينما كانوا”، وأن تتحول هي نفسها إلى هدفٍ محتمل، خصوصًا أنّ بعض قادة حركة حماس يقيمون في مصر في إطار جهود الوساطة.

 

وتخشى القاهرة أيضًا من تسلّل مقاتلين من حماس إلى داخل أراضيها واستخدامها منطلقًا لهجمات ضد إسرائيل، الأمر الذي قد يستجلب ردًا إسرائيليًا مباشرًا على الأراضي المصرية.

 

وفوق ذلك، تواجه مصر تحديات أمنية داخلية مع جماعات إسلامية مسلّحة، ولا ترغب في إضافة عنصر جديد من عدم الاستقرار عبر استقبال مقاتلين فلسطينيين.

 

ولعل هذا ما يفسّر إصرار القاهرة على دفع حركة حماس إلى إبداء موقف إيجابي تجاه مقترح الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب بشأن السلام في غزة، في محاولة لتفادي انفجار أمني جديد على حدودها الشرقية.

 

 

مصر تمدّ يدها إلى جيرانها في العالم الإسلامي

 

وذكر التقرير المنسوب لموقع Responsible Statecraft، ومن ناحية أخرى تشهد الدبلوماسية المصرية تحولًا لافتًا نحو الانفتاح على دول العالم الإسلامي بعد سنوات من الفتور والتباعد، وعلى رأسها إيران وتركيا، في خطوة تُعيد رسم ملامح الدور الإقليمي للقاهرة وسط نظام عالمي جديد آخذ في التشكل.

 

فالعلاقات بين مصر وإيران، التي قُطعت منذ عام 1979، كانت لعقود طويلة عنوانًا للتنافر، فقد رأت طهران في القاهرة دولة “خانَت” القضية الإسلامية بعد معاهدة السلام مع إسرائيل، بينما نظرت القاهرة إلى إيران باعتبارها تهديدًا طائفيًا وسياسيًا لاستقرار المنطقة.

 

غير أنّ انضمام البلدين إلى منظمة البريكس الموسّعة عام 2024 والتي تهدف إلى موازنة النفوذ الأميركي في النظام العالمي المتعدد الأقطاب، مهّد الطريق لتقارب دبلوماسي غير مسبوق.

 

وفي يونيو 2025، استقبلت القاهرة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الذي التقى نظيره المصري بدر عبد العاطي والرئيس عبد الفتاح السيسي. وكتب عراقجي بعد اللقاء:

 

“بعد سنوات طويلة، دخلت الدبلوماسية بين إيران ومصر مرحلة جديدة. لقد بلغ مستوى التفاعل السياسي والتعاون — والأهم الثقة المتبادلة — بين البلدين حدًّا غير مسبوق.”

 

وردّ عبد العاطي قائلاً إنّ هناك “رغبة مشتركة في تطوير العلاقات الثنائية، مع مراعاة مصالح وهواجس كل طرف.”
وانتهت المحادثات إلى اتفاق على عقد مشاورات دورية على مستوى دون الوزراء لمناقشة أوجه التعاون الثنائي وسبل تعزيزه.

 

لكن إيران ليست وحدها في هذا المسار الجديد. فالعلاقات المصرية – التركية، التي تدهورت قبل أكثر من عقد إثر الإطاحة بالرئيس الراحل محمد مرسي، عادت بدورها إلى مسار التحسن، ففي يوليو 2023، اتخذ الجانبان خطوات نحو تطبيع العلاقات وأعادا تبادل السفراء، ثم تبادل الرئيسان عبد الفتاح السيسي ورجب طيب أردوغان الزيارات الرسمية للمرة الأولى منذ 12 عامًا.

 

وفي خطوة رمزية مهمة، أجرت القوات البحرية المصرية والتركية مناورات مشتركة الأسبوع الماضي وهي الأولى منذ 13 عامًا.

 

وصرّح وزير الخارجية التركي هاكان فيدان بأنّ العلاقات بين القاهرة وأنقرة أصبحت “في أفضل حالاتها منذ تأسيس الجمهورية التركية.”

 

لكن السؤال المطروح: إلى أي مدى يمكن لهذا التقارب أن يتعمق؟

 

يرى المراقبون أن ابتعاد مصر النسبي عن إسرائيل لا يعني بالضرورة تحوّلًا استراتيجيًا حقيقيًا، بل تحركًا محسوبًا ضمن هوامش السياسة الإقليمية.

 

 

وتقول الباحثة أنيل شيلين من معهد كوينسي للدراسات:

“إن الحكومة المصرية، التي تفتقر إلى الشعبية، تعتمد اعتمادًا كبيرًا على المساعدات الأميركية، ومن المستبعد أن تُقدم على أي خطوة قد تهدد المليار وثلاثمئة مليون دولار التي تحصل عليها سنويًا من واشنطن.”

 

ويؤكد هذا الطرح البروفيسور ستيفن زونِس، مدير برنامج دراسات الشرق الأوسط في جامعة سان فرانسيسكو، الذي قال إن الرأي العام قد يمنح السيسي هامشًا أكبر للتحرك المستقل خارجيًا، لكن الواقع الاقتصادي والسياسي يفرض قيودًا صارمة:

 

“السيسي لا يحظى بشعبية كبيرة، ومصر تواجه أزمة اقتصادية عميقة، كما تفتقر إلى النفوذ المالي الذي تتمتع به الملكيات النفطية الصغيرة والغنية، فضلًا عن أنّ المشهد الإقليمي بات أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.”

 

ويزداد الموقف المصري تعقيدًا بسبب اعتمادها المتزايد على إسرائيل في مجال الطاقة، ففي أغسطس الماضي، وُقّعت صفقة بقيمة 35 مليار دولار جعلت القاهرة أكثر ارتباطًا بالغاز الإسرائيلي، بعدما كانت في الماضي مصدّرًا للغاز الطبيعي المسال. واليوم تكافح مصر لتلبية احتياجاتها المحلية من الطاقة، في حين هددت إسرائيل بتعليق الاتفاق ردًا على التحركات العسكرية المصرية التي تعتبرها خرقًا لمعاهدة السلام، حسبما ذكر موقع Responsible Statecraft.

 

وكتب الصحفي الفاضل إبراهيم في تقريره:

“تحركات القاهرة تُحركها ضرورة داخلية لا تقبل المساومة، وهذا ضمان ألا تنطفئ الأنوار.”

 

لكن المفارقة تكمن في أنّ الشعب المصري لا يملك الهامش ذاته للتعبير عن مواقفه. فبينما وصف السيسي إسرائيل بأنها “العدو”، تُقابَل أي تظاهرات مؤيدة لغزة منذ 7 أكتوبر 2023 بـتضييق أمني مشدد، كما منعت السلطات نشطاء من المشاركة في أسطول الحرية، وتحدثت تقارير حديثة عن اختفاء ثلاثة ناشطين خلال الأسبوع الماضي.

 

هذه المؤشرات، بحسب الخبراء، تعكس حدود الاستقلالية الحقيقية في السياسة المصرية، وتشكّل تحذيرًا من المبالغة في تفسير التحركات الأخيرة.

 

فمهما بدت خطوات القاهرة جريئة، يبقى الحكم النهائي رهن الزمن وهل ستكون هذه التحولات بداية لإعادة تموضع استراتيجي أم مجرد انعطافة تكتيكية في لحظة اضطراب إقليمي؟

 

رابط المصدر:

 

https://responsiblestatecraft.org/egypt-israel-arabs/

 

Hosam Sabri
مترجم صحفي، خبير في ترجمة وتحليل التقارير الصحفية، والمواد الصحفية ذات الطابع الاستقصائي، ملتزمًا بالدقة والموضوعية.

مقالات ذات صلة