كشف تقرير منسوب لموقع Middle East Eye أن قائد الجيش السوداني والحاكم الفعلي للبلاد، الفريق أول عبد الفتاح البرهان، اتهم قائد القوات الشرقية الليبية، المشير خليفة حفتر، بعدم التحلي بالصدق، وذلك خلال محادثات تهدف إلى إعادة ترميم العلاقات بين الجانبين.
على إثره استضافت مصر محادثات مباشرة بين رئيس الجيش السوداني والقائد الفعلي عبد الفتاح البرهان والقائد الشرقي الليبي خليفة حفتر، في محاولة للتوسط بين حليفين يقفان على طرفي نقيض في حرب السودان، حسبما أفادت مصادر متعددة لموقع Middle East Eye.
وللتأكيد على الحساسية الكبيرة للمحادثات، أصدرت الحكومة المصرية صورًا منفصلة للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وهو يجتمع أولاً بالوفد الليبي ثم بالوفد السوداني في ما بدا أنه نفس الغرفة بمدينة العلمين المطلة على البحر الأبيض المتوسط.
ومع ذلك، وعلى انفراد، عقد البرهان وحفتر مع وفديهما محادثات وجهًا لوجه ضمن جهود السيسي لإدارة العلاقات المعقدة بين شريكين مهمين تدعم مصر كلا من البرهان، الذي يخوض حربًا عنيفة ضد قوات الدعم السريع شبه العسكرية، وحفتر، القائد المسيطر على شرق ليبيا، وبحسب مصدر استخباراتي سوداني، لم تسر الأمور على ما يرام خلال الاجتماع بين القائدين.

في ظل قلق بالغ من احتمال امتداد الحرب السودانية إلى داخل الأراضي المصرية، ومن تعطيل حركة التجارة في المثلث الحدودي المتقلب الذي يضم ليبيا والسودان ومصر، كان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يأمل في التوسط لإبرام اتفاق سلام بين الفريق أول عبد الفتاح البرهان، قائد الجيش السوداني، والمشير خليفة حفتر، قائد القوات الشرقية الليبية.
لكن المحاولة سرعان ما تعثرت، إذ اتهم البرهان حفتر بتهريب الأسلحة إلى قوات الدعم السريع، وبالتعاون مع دولة الإمارات لتقديم أشكال أخرى من الدعم للميليشيا التي يقودها الجنرال محمد حمدان دقلو، المعروف بـ”حميدتي”، بحسب ما أفادت به مصادر مطلعة.
حفتر، الذي كان برفقة أحد أبنائه خلال اللقاء، نفى تلك الاتهامات. إلا أن البرهان واجهه قائلاً إنه لا يقول الحقيقة، مؤكداً أن الجانب السوداني يمتلك أدلة على تورطه، وخلال اللقاء، أشار الوفد السوداني إلى أن صديق حفتر، وهو نجل خليفة حفتر، كان قد زار السودان قبل اندلاع الحرب في أبريل 2023، والتقى بحميدتي، قائد قوات الدعم السريع.
وأشار التقرير المنسوب لموقع Middle East Eye، أنه وبعد أيام من اندلاع القتال في 15 أبريل، أن صديق حفتر وصل إلى الخرطوم على متن طائرة خاصة، وتبرع بمبلغ مليوني دولار لأحد أندية كرة القدم المرتبطة بحميدتي، قبل أن يفطر معه في منزله بالعاصمة السودانية.
ووفقاً لمصدر استخباراتي سوداني، انتهى اللقاء بين البرهان وحفتر على نحو سيئ، كما لم يكن الرئيس السيسي راضياً عن مجريات المحادثة.

تلتقي حدود السودان وليبيا ومصر في مثلث صحراوي شاسع يعمه انعدام القانون، وعندما اندلعت المواجهات بين جيش البرهان وقوات الدعم السريع في عام 2023، قام خليفة حفتر بإرسال إمدادات عسكرية عبر الشاحنات والطائرات إلى قوات الدعم السريع، لكن هذه الإمدادات تراجعت لاحقًا مع تحول قوات الدعم السريع لاستخدام مسار أكثر سهولة عبر تشاد المجاورة.
وأوضح التقرير المنسوب لموقع Middle East Eye، في الآونة الأخيرة، انضمت قوات في جنوب ليبيا موالية لحفتر إلى قوات الدعم السريع في الهجوم على نقاط حدودية تسيطر عليها القوات السودانية، ما أثار قلق القاهرة بشدة بسبب استيلاء الدعم السريع على مثلث الحدود هذا.
وكشف مصدر أمني سوداني أن قوات الدعم السريع سيطرت مؤخرًا على قاعدة معتن السرح الجوية في منطقة الكفرة جنوب ليبيا، والتي تعد حيوية لإمداد الجماعات شبه العسكرية بالسلاح في السودان، إضافة إلى تصدير الذهب المستخرج من مناجم دارفور التي تمتلكها وتسيطر عليها عائلة دلو.
ومن ناحية أخرى، اتهمت السلطات المصرية نجل حفتر الأصغر، صدام، بالوقوف وراء الغارة في منطقة المثلث الحدودي.
ويعمل صدام كرئيس أركان في جيش والده ويسيطر على مليشيات، من بينها جماعات إسلامية في جنوب ليبيا، ويُنظر إليه باعتباره الوريث المحتمل لقائد الجيش الليبي البالغ من العمر 81 عامًا، مع مساعيه لكسب دعم كل من واشنطن وأنقرة.
صرّح محلل إقليمي لموقع Middle East Eye، مفضّلًا عدم الكشف عن هويته، بأن نفوذ خليفة حفتر يشهد تراجعًا مع تقدّمه في السن، في وقت بدأت فيه السلطة تنتقل تدريجيًا إلى ثلاثة من أبنائه، وأشار إلى أن العلاقة القائمة بين صدام حفتر وقوات الدعم السريع تُعد “إشكالية” وذات أبعاد مقلقة.
وأوضحت المصادر التي اطلعت على الاجتماع في مصر أن مصر تتعاون مع صديق حفتر، بينما يسيطر صدام وخالد حفتر على “الجماعات الإسلامية العاملة مع قوات الدعم السريع” في منطقة مثلث الحدود، وحضر كل من صدام وخالد حفتر الاجتماع مع الرئيس السيسي، كما شارك فيه كذلك رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية، اللواء حسن رشاد.

منذ الإطاحة بنظام العقيد معمر القذافي في عام 2011 إثر تدخل عسكري بقيادة حلف الناتو، برزت مصر كلاعب رئيسي في المشهد الليبي المتقلب، فقد انزلقت ليبيا إلى حرب أهلية تحولت سريعًا إلى صراع إقليمي بالوكالة، حيث دعمت كل من روسيا، والإمارات، ومصر، وفرنسا، القائد العسكري في الشرق الليبي، خليفة حفتر، في حين ساندت تركيا الحكومة المعترف بها دوليًا في طرابلس.
وعلى نحو مشابه، أطاح السودانيون بالرئيس عمر البشير في عام 2019، بعد أن حكم البلاد منذ عام 1989. وبعد أربع سنوات فقط، تفجّر النزاع المسلح بين الجيش السوداني بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات الدعم السريع، وهي ميليشيا شبه عسكرية كانت في السابق جزءًا من النظام البائد، ومرتبطة بالجيش.

ويوضح التقرير المنسوب لموقع Middle East Eye، أن مصر تدعم البرهان والجيش السوداني، غير أن هذا الدعم يظل في معظمه لوجستيًا. ففي المراحل الأولى من النزاع، شارك طيارون مصريون في تنفيذ طلعات جوية دعمت عمليات الجيش السوداني ضد قوات الدعم السريع.
لكن هذا الانحياز المصري للجيش خلق فجوة متزايدة مع الإمارات، الحليف الاقتصادي والسياسي الأقوى للقاهرة، والتي تُعد الداعم الرئيس لقوات الدعم السريع بقيادة محمد حمدان دقلو، المعروف بـ”حميدتي”. وقد وثّقت جهات دولية مستقلة شحنات سلاح مصدرها الإمارات إلى قوات الدعم السريع.
ووفقًا لتقرير صادر مؤخرًا عن “مختبر البحوث الإنسانية” التابع لجامعة ييل، تم نقل طائرات مسيّرة صينية الصنع من طراز FH-95، اشترتها الإمارات، إلى مناطق خاضعة لسيطرة قوات الدعم السريع في إقليم دارفور.
وفي مايو الماضي، كشفت منظمة العفو الدولية أن الإمارات – رغم إنكارها المتكرر لدعم قوات الدعم السريع – أرسلت أسلحة صينية تشمل قنابل موجهة من طراز GB50A ومدافع هاوتزر عيار 155 ملم من طراز AH-4 إلى دارفور، في انتهاك لحظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة على السودان.
في المقابل، يستمر تدفق الذهب من المناجم التي تسيطر عليها عائلة دقلو في دارفور، حيث يُكدّس حميدتي جانبًا كبيرًا من ثروته في دبي. كما تشير تقارير إلى أن جزءًا من هذا الذهب يُهرّب إلى روسيا، التي تلعب دورًا مزدوجًا في الأزمة السودانية، إذ تدعم الحكومة الروسية الجيش بقيادة البرهان، في حين تواصل “فيلق أفريقيا” – الكيان الذي خلف مجموعة فاغنر – تعاونه الميداني مع قوات الدعم السريع.
ويشير التقرير المنسوب لموقع Middle East Eye، أن الأزمتان الليبية والسودانية تجسدا شبكة معقدة من التحالفات المتضاربة، التي باتت تحكم التفاعلات السياسية والعسكرية في المنطقة منذ سقوط أنظمة ما قبل الربيع العربي. ففي عام 2019، دعمت كل من مصر والإمارات حملة حفتر العسكرية للسيطرة على العاصمة طرابلس، بينما شاركت قوات الدعم السريع آنذاك بإرسال مقاتلين للقتال إلى جانبه.
ولا يزال حفتر يحظى بدعم إماراتي حتى اليوم، إلا أن نجله، صدام حفتر، اتجه مؤخرًا إلى فتح قنوات تواصل مع قطر وتركيا، وهما خصمان تقليديان للإمارات.
أما مصر، ورغم استمرارها في دعم حفتر، فإنها تعارض قوات الدعم السريع بشدة، ما يضعها في موقف معقد، خاصة في ظل حاجتها الملحّة للاستثمارات الإماراتية التي بلغت مليارات الدولارات، في وقت تواجه فيه القاهرة أزمة اقتصادية حادة.
هكذا، تتقاطع المصالح، وتتناقض التحالفات، في مشهد إقليمي يتّسم بالغموض والتقلّب، حيث لم تعد الاصطفافات الأيديولوجية التي تشكلت بعد عام 2011 قادرة على تفسير ما يدور على الأرض.
رابط المصدر:
https://www.middleeasteye.net/news/egypt-host-talks-between-sudan-burhan-libya-haftar




