ترجمات

القرصنة الصومالية تعود بقوة للمشهد، تغذيها الاضطرابات، وانحسار المساعدات، والحرب الإيرانية

في مساء السادس والعشرين من أبريل/نيسان2026، استولى مسلحون على سفينة الشحن التجارية المصرية سوارد على بُعد أميال قليلة من السواحل الصومالية، ثم جرى اقتيادها إلى مرسى قريب من ميناء غارعد في إقليم بونتلاند، وهو كيان يتمتع بحكم شبه ذاتي في شمال شرقي الصومال.

 

وخلال الأيام التالية، انضم مزيد من المسلحين إلى متن السفينة، إلى جانب مترجم أُوكلت إليه مهمة التفاوض مع مالكها بشأن دفع فدية. وحتى لحظة كتابة هذه السطور، لا تزال السفينة خاضعة لسيطرة القراصنة.

 

وللأسف، لا يُعد هذا الحادث حالةً معزولة؛ إذ جرى في الفترة نفسها الاستيلاء على ناقلتي النفط «هونور 25» المسجلّة في بالاو و«يوريكا» المسجلّة في توغو، قبل أن تُحوَّل وجهتهما قسراً نحو سواحل بونتلاند.

أوضح تقرير منسوب لموقع DefenceWeb، أنه في الأسابيع الأخيرة، استولت جماعات القرصنة الصومالية كذلك على عدد من المراكب الشراعية البحرية التقليدية (الداو) واستخدمتها بوصفها سفن أم تنطلق منها عملياتها. وقد أتاح لها ذلك البقاء في عرض البحر لأسابيع متواصلة وتنفيذ هجمات على مسافات بعيدة من الساحل.

 

وأثارت هذه الحوادث مجتمعةً مخاوف متزايدة من احتمال عودة القرصنة الصومالية إلى الواجهة من جديد.

 

وخلال الفترة الممتدة بين عامي 2005 و2012، نفذ القراصنة الصوماليون أكثر من ألف هجوم على سفن أجنبية، وتمكنوا من اختطاف 218 سفينة واحتجاز ما يزيد على 3700 بحّار رهائن. وخلال تلك السنوات، دفع مالكو السفن نحو 50 مليون دولار أمريكي (37 مليون جنيه إسترليني) سنوياً كفدى للإفراج عن السفن وأطقمها، فيما بلغت الخسائر الناجمة عن تعطل حركة التجارة وتشديد التدابير الأمنية ما يصل إلى 18 مليار دولار، مُكبِّدةً الاقتصاد العالمي أثماناً باهظة.

 

وقالت كاتبة التقرير أنيا شورتلاند، ومنذ ذلك الحين، جرى احتواء ظاهرة القرصنة الصومالية عبر مزيج من الإجراءات شمل الاستعانة بحراس أمن خاص على متن السفن، وتسيير دوريات بحرية دولية، وتنفيذ برامج تنموية على اليابسة.

 

غير أن عدداً قليلاً جداً من كبار زعماء شبكات القرصنة خضع للمحاكمة، كما لم تُفكَّك قط شبكات الإمداد والدعم التي كانت تسند نشاطهم. وتشير الحوادث الأخيرة إلى أن هذه الشبكات لم تختفِ، بل ظلت كامنة في انتظار فرصة للعودة.

 

فهل يشهد نموذج الخطف مقابل الفدية انتعاشاً جديداً؟

 

ثمة ثلاثة أسباب تدعو إلى القلق. أولها أن القرصنة في الصومال ارتبطت دائماً ببعد سياسي واضح. فقد أظهرت أبحاث أجريناها عام 2014 حول الديناميكيات المحلية للقرصنة الصومالية أن موجات التصاعد في نشاط القراصنة كانت تتزامن عادةً مع فترات الاضطراب السياسي والتنافس العسكري.

 

وللأسف، يمر الصومال اليوم بأزمة دستورية حادة. ففي مارس/آذار الماضي، أرجأت الحكومة الفيدرالية الانتخابات العامة المقررة لعام 2026 من دون استكمال الإجراءات القانونية الواجبة، كما أصدرت أخيراً قراراً بحل البرلمان المنتخب حديثاً في ولاية جنوب غرب الصومال، وأقدمت على استبدال قيادته بالقوة، في خطوة زادت من حدة التوترات السياسية في البلاد.

وفي موازاة ذلك، أسهم اعتراف إسرائيل، في ديسمبر/كانون الأول 2025، بجمهورية أرض الصومال المعلنة من جانب واحد، في إعادة رسم ملامح الاصطفافات الإقليمية، ودفع عدداً من الدول العربية إلى تعزيز تقاربها مع الحكومة الصومالية في مقديشو. وتُولي المملكة العربية السعودية أهمية خاصة لوحدة الأراضي الصومالية، إذ تنظر إليها بوصفها ركناً أساسياً في منظومة أمن البحر الأحمر وخليج عدن.

 

وخلال ذروة القرصنة الصومالية بين عامي 2005 و2012، أدى تصاعد التوترات وانعدام الثقة بين الحكومة الفيدرالية والأقاليم المختلفة، إلى جانب المواجهات المسلحة المتكررة، إلى دفع نخب محلية في بونتلاند وأقاليم وسط وجنوب الصومال إلى توظيف عائدات القرصنة في تمويل مشاريعها العسكرية والسياسية.

 

واليوم، ومع عودة أجواء الاستقطاب والاضطراب، يبرز احتمال أن تُغري الظروف الراهنة بعض الأطراف باللجوء مجدداً إلى هذا المسار.

 

أما المحرك الثاني لعودة القرصنة، فهو التدهور الاقتصادي المتفاقم. فقد أدت الزيادات الحادة في أسعار الغذاء والوقود والأسمدة، بالتزامن مع التقليص المفاجئ لبرامج التنمية الممولة أمريكياً في ظل إدارة الرئيس دونالد ترامب، إلى تعميق الأزمة المعيشية في البلاد. وتراجعت المساعدات الإنسانية الأمريكية المخصصة للصومال من 467 مليون دولار في عام 2024 إلى 70 مليون دولار فقط بعد عام واحد، بينما لم تتجاوز مساهمة الحكومة الأمريكية ثلاثة ملايين دولار خلال الربع الأول من عام 2026.

 

وفي ظل هذا الواقع القاسي، بات كثير من الصوماليين يبحثون عن أي مصدر دخل يقيهم شظف العيش. وفي المناطق الساحلية لبونتلاند ووسط وجنوب الصومال، لا تزال جماعات القرصنة تُستذكر باعتبارها قوة اقتصادية وفرت فرص عمل واسعة وضخت الأموال في المجتمعات المحلية، إذ كانت توزع جانباً من عائداتها على السكان، بما يضمن لها شبكة دعم لوجستية واجتماعية على اليابسة.

 

أما العامل الثالث، فيتمثل في أن البيئة التشغيلية للقرصنة أصبحت أكثر ملاءمة مما كانت عليه منذ سنوات. فمع إغلاق مضيق هرمز بفعل الحرب مع إيران، وتحول البحر الأحمر إلى ممر شديد الخطورة نتيجة هجمات الحوثيين، اضطرت أعداد متزايدة من سفن الشحن المتجهة إلى أوروبا إلى سلوك طريق بديل يلتف حول جنوب القارة الأفريقية، وهو مسار يمر بمحاذاة السواحل الصومالية ويضع مزيداً من الأهداف المحتملة في مرمى القراصنة.

 

واستكمل التقرير المنسوب لموقع DefenceWeb، وفي الوقت ذاته، تراجعت مستويات الردع البحري بصورة ملحوظة. فقد أُعيد توجيه العديد من القطع البحرية التي كانت تتولى مراقبة المياه قبالة الصومال إلى البحر الأحمر ومضيق هرمز، ما أفسح المجال أمام القراصنة للبقاء فترات أطول في عرض البحر على متن المراكب المختطفة التي يستخدمونها كقواعد عمليات عائمة، من دون رصد أو ملاحقة تُذكر، انتظاراً لفرصة الانقضاض على أهداف جديدة.

 

كما أن الضغوط الاقتصادية المتزايدة التي تواجه قطاع النقل البحري دفعت عدداً من مالكي السفن إلى خفض الإنفاق على إجراءات الحماية المكلفة، أو إلى التخلي عن الإبحار بسرعات كافية لتفادي محاولات الاختطاف. وبينما أثبتت فرق الأمن الخاصة المسلحة فعاليتها الكبيرة في ردع المهاجمين بالنسبة للسفن القادرة على تحمل تكاليفها، تظل السفن غير المحمية أكثر عرضة للخطر، إذ تجد نفسها عاجزة عن التصدي للمهاجمين عند اقترابهم، ما يجعل وقوعها في قبضة القراصنة احتمالاً قائماً بقوة.

 

ماذا ينتظر المنطقة بعد ذلك؟

 

في الأمد المنظور، ستتحدد ملامح المرحلة المقبلة وفقاً لمآلات عمليات الاختطاف الجارية حالياً. فالقرصنة ليست مجرد نشاط إجرامي عابر، بل مشروع اقتصادي قائم على تدفق الفِدى. وتعتمد شبكات القراصنة على هذه الأموال لإعادة تمويل عملياتها وتوسيع نفوذها واستقطاب المزيد من الشبان عبر عقود تقوم على قاعدة بسيطة: لا مكسب من دون نجاح.

 

وقد طالب خاطفو ناقلة النفط يوريكا بالفعل بفدية بلغت 10 ملايين دولار. وبينما قد تؤدي المدفوعات السريعة والسخية إلى إطلاق سراح السفن المحتجزة، فإنها تمنح القراصنة في المقابل رأس المال والثقة اللازمين لتوسيع نشاطهم، بما يفاقم الأخطار المحدقة بحركة الملاحة الدولية.

 

وتملك شركات التأمين البحري بدورها ورقة ضغط مؤثرة، إذ يمكنها إعادة تصنيف حوض الصومال باعتباره منطقة عالية المخاطر، كما حدث خلال ذروة أزمة القرصنة عام 2008. ومن شأن هذه الخطوة أن تدفع مزيداً من السفن إلى تجنب السواحل الصومالية، لكنها ستأتي بثمن اقتصادي باهظ، يتمثل في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وهي أعباء لن تلبث أن تنتقل إلى المستهلكين حول العالم في صورة أسعار أعلى للسلع والخدمات.

 

وفي المقابل، لا تبدو الساحة الدولية مهيأة لتكرار التعبئة البحرية الضخمة التي شهدتها المنطقة قبل أكثر من عقد. فحتى الآن، لا تملك أي دولة أو تحالف دولي الإرادة السياسية أو القدرات العملياتية اللازمة لإطلاق مهمة بحرية بحجم تلك التي نُفذت في عامي 2011 و2012، عندما تجاوز الإنفاق العالمي على عمليات مكافحة القرصنة قبالة السواحل الصومالية مليار دولار سنوياً.

 

وأوضح التقرير المنسوب لموقع DefenceWeb، غير أن التجربة أثبتت أن القرصنة، رغم تجلياتها البحرية، ليست مشكلة تُحل في البحر. فالسفن الحربية قد تحدّ من الهجمات، لكنها لا تعالج الأسباب التي تدفع إليها. والحل الحقيقي يكمن على اليابسة، حيث تتشكل بيئة القرصنة وتتغذى من الفقر والهشاشة السياسية وغياب الفرص الاقتصادية.

 

ومن هذا المنطلق، فإن الاستثمار في البنية التحتية، وتنشيط التجارة الإقليمية، وخلق فرص العمل، وتعزيز التنمية المحلية، يظل أكثر فاعلية واستدامة من الاعتماد الحصري على الدوريات العسكرية والملاحقات البحرية. فالكلفة الاقتصادية التي يتحملها العالم نتيجة ارتفاع نفقات التجارة والتأمين والعمليات العسكرية تفوق بأضعاف مضاعفة المنافع المحدودة التي توفرها شبكات القرصنة للمجتمعات المحلية التي تستند إليها.

 

وفي المحصلة، فإن عودة القراصنة إلى مياه القرن الأفريقي ليست مجرد قضية أمن بحري، بل مؤشر على أزمات أعمق تضرب الداخل الصومالي. وما لم تُعالج جذور هذه الأزمات السياسية والاقتصادية، فقد يجد العالم نفسه أمام فصل جديد من ظاهرة اعتقد كثيرون أنها أصبحت جزءاً من الماضي.

 

رابط المصدر: 

 

https://defenceweb.co.za/sea/sea-sea/somali-piracy-is-back-fuelled-by-political-turmoil-aid-cuts-and-the-iran-war/

 

Hosam Sabri
مترجم صحفي، خبير في ترجمة وتحليل التقارير الصحفية، والمواد الصحفية ذات الطابع الاستقصائي، ملتزمًا بالدقة والموضوعية.

مقالات ذات صلة