كيف تهدد حملة الإخوان المسلمين الدعائية استقرار النظام المصري والمنطقة بأسرها؟
تتناول هذه المقالة التي تم نشرها على موقع معهد دراسات الأمن القومي الحملة الدعائية التي تقودها جماعة الإخوان المسلمين ضد النظام المصري منذ الإطاحة بالرئيس محمد مرسي عام 2013. وتشغّل الحركة قنوات فضائية ومواقع إلكترونية وشبكات للتواصل الاجتماعي، كما تعتمد على حركات تابعة لها وحملات عابرة للحدود، بهدف زعزعة استقرار النظام وتشجيع الاضطرابات الداخلية وأعمال المقاومة.
تركّز هذه الحملة على إبراز إخفاقات النظام في مجالات الاقتصاد والبنية التحتية وحقوق الإنسان، وتُحمِّل الرئيس عبد الفتاح السيسي مسؤولية الأوضاع القائمة، وإلى جانب ذلك، تستغل الجماعة الحرب في قطاع غزة وعلاقات مصر مع إسرائيل لتعميق الهوة بين الشارع والنظام.
كما تضم الحملة أطرافاً إضافية، بعضهم لا يرتبط علناً بجماعة الإخوان المسلمين لكنه يتحرك في الإطار الأيديولوجي ذاته، مع تزايد التداخل بين الاحتجاجات الميدانية والتأثير الرقمي عبر شبكات التواصل الاجتماعي. ومن المهم أن تدرك إسرائيل هذه المسارات وتدرسها من أجل صياغة سياسة مناسبة تجاه مصر وتهديد الإخوان المسلمين لاستقرار المنطقة.
ومنذ تأسيس جماعة الإخوان المسلمين في القاهرة عام 1928 على يد حسن البنا، اتسمت علاقة الجماعة بالأنظمة المصرية المتعاقبة بدرجات متفاوتة من التوتر والصراع.
أما النظام الحالي، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي منذ يونيو 2014، فهو في جوهره نتاج المواجهة بين الإخوان والجيش المصري الذي كان السيسي يتولى قيادته آنذاك بصفته وزيراً للدفاع. وقد بلغت هذه المواجهة ذروتها في هزيمة الإخوان وإقصاء الرئيس محمد مرسي عن قصر الرئاسة في الثالث من يوليو 2013.
وأوضح التقرير المنسوب لمعهد دراسات الأمن القومي، شكّل ذلك الحدث بداية حملة لا هوادة فيها شنّها النظام المصري ضد الجماعة وأعضائها؛ حيث جرى حظر الإخوان، ومصادرة ممتلكاتهم، واعتقال الآلاف من ناشطيهم الذين حوكم بعضهم ونُفِّذ حكم الإعدام بحق عدد منهم. ومنذ ذلك الحين، واصل النظام استهداف الجماعة بمختلف الأساليب وعلى جبهات متعددة، شملت الدراسات الأكاديمية والكتب والأفلام والمسلسلات التلفزيونية، في إطار مسعى لتكريس سردية وطنية تصوّر جماعة الإخوان وأفرادها كأعداء للدولة.

نشاط جماعة الإخوان المسلمين ضد النظام المصري
نتيجة الضغوط والإجراءات المشددة التي فُرضت عليها، لم تعد جماعة الإخوان المسلمين قادرة على العمل داخل مصر بصورة منظّمة أو علنية، إذ يلجأ أتباعها ومؤيدوها إلى إخفاء انتمائهم الفكري. وإدراكاً لهذا الواقع، يواصل النظام المصري جهوده الحثيثة لمنع الجماعة من إعادة ترتيب صفوفها.
غير أنّ المشهد يختلف خارج حدود مصر، حيث تستثمر الجماعة مختلف وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي لإضعاف النظام، وبث رسائل مقاومة بين أنصارها في الداخل والخارج على حد سواء. فهي تدير مواقع إلكترونية تُنتج أخباراً وتقارير وفيديوهات وتعليقات تتناول كل ما يتصل بالشأن المصري داخلياً وخارجياً، كما تمتلك قنوات تلفزيونية تبث من إسطنبول وغيرها.
توجَّه هذه الحملة الإعلامية بالأساس ضد النظام المصري الراهن، في مسعى لتمهيد الطريق أمام عودة الإخوان إلى الحكم عبر إنهاك الدولة وتشويه صورتها وإبراز إخفاقاتها والأضرار التي يُحمَّل النظام مسؤوليتها، وذلك عبر تقارير مضلِّلة ومشوهة. ومن بين أبرز المزاعم التي تروّج لها الجماعة أن الدولة المصرية اليوم “مسلمة وليست إسلامية”، وأن نظامها “كافر” ويتعاون مع إسرائيل في حربها ضد حركة حماس.
أما الخطاب الموجَّه للجمهور الغربي، فيرتكز على التنديد بانتهاكات الحقوق المدنية وحقوق الإنسان في مصر. وتذهب بعض رسائله إلى الادعاء بأنه في حال عودة الإخوان إلى الساحة السياسية، فلن يسعوا إلى إحداث ثورة بل إلى الاندماج وتقديم بديل سياسي. ويعكس ذلك ما دأبت عليه الجماعة من تبنّي “خطاب مزدوج”: داخلياً—ترسيخ الرواية الإسلامية واتهام النظام بالكفر؛ وخارجياً—ارتداء عباءة الديمقراطية وحقوق الإنسان بغية كسب الشرعية الدولية وحشد الدعم لها.
تنقسم أنشطة الجماعة إلى ثلاثة محاور رئيسية:
جبهة لندن بقيادة صلاح عبد الحق، وجبهة إسطنبول برئاسة محمود حسين، و”تيار التغيير” بقيادة محمد منتصر.
وتعتمد الجماعة في نشاطها الإعلامي على شبكة واسعة من القنوات والمنصات، أبرزها:

القضايا الرئيسية التي تثيرها جماعة الإخوان ضد النظام
بالنسبة للقضايا الداخلية، تتهم جماعة الإخوان المسلمين النظام المصري أولاً وقبل كل شيء بسوء إدارة الأزمة الاقتصادية، وترتبط بهذه المسألة مشكلة انهيار البنية التحتية في البلاد، حيث يواجه المواطنون بشكل مباشر عجز النظام عن توفير الخدمات الأساسية، ويجري الاستشهاد مراراً بالحوادث المتكررة والمميتة على الطرق والسكك الحديدية، فضلاً عن حرائق المباني، كما تبقى الانقطاعات المتكررة للكهرباء في فصل الصيف بسبب قصور الإمدادات الكهربائية مسألة بالغة الحساسية بالنسبة إلى المواطنين والنظام على حد سواء.
وبحسب الجماعة، تكشف هذه القضايا عن فشل النظام في إدارة شؤون الحكم بكفاءة.
وتطال الانتقادات كذلك سياسة النظام في جذب الاستثمارات، وخاصة من دول الخليج، عبر بيع الأراضي لمشاريع البناء والتطوير. ويُتهم النظام بالتفريط في أجزاء من الوطن لتغطية ديونه الثقيلة. ففي 11 يناير 2025 نشر موقع رصد تعليقاً على إعلان استثمار سعودي في مشروع سياحي على البحر الأحمر، تحت عنوان: “خريطة بيع مصر في عهد السيسي”، مرفقاً بصورة للرئيس السيسي يحمل لافتة كتب عليها “للبيع” وخلفه خريطة مصر.
وأوضح معهد دراسات الأمن القومي أن الجماعة تحاول أيضاً تقويض الثقة العامة بالقيادة والحكومة والجيش من خلال نشر أخبار كاذبة وأنصاف حقائق وتشويهات. فعلى سبيل المثال، يتم تصوير صفقات التسلح العسكري في مصر على أنها غير ضرورية، وأن غايتها الوحيدة إرضاء الرئيس بصفته القائد الأعلى وكبار الضباط، وذلك على حساب احتياجات الشعب. ويُنظر إلى الطعن في الجيش باعتباره طعناً في الدولة نفسها، إذ يُعد الجيش المؤسسة الأهم وعمودها الفقري. كما تركز الحملة على التوسع العسكري المصري في علاقته بإسرائيل، وهو ما ستتم معالجته لاحقاً.
وتولي حملة الإخوان اهتماماً خاصاً بقضايا حقوق الإنسان في مصر، وخصوصاً ما يتصل بمعاملة المعتقلين والسجناء. وفي محاولة للحفاظ على ولاء أتباعها، الذين يقبع كثير من أقاربهم في السجون بسبب انتمائهم أو دعمهم للجماعة، تصوّر الحركة هؤلاء أمام الرأي العام الغربي بوصفهم “سجناء رأي”، ففي 6 يونيو 2025، وجّه صلاح عبد الحق، قائد جبهة لندن، رسالة تهنئة بمناسبة عيد الأضحى إلى ما وصفهم بـ”سجناء الرأي في مصر”.
وتصاعدت حدة الانتقادات في يونيو الماضي مع استعداد الجماعة لإحياء ذكرى إقصائها عن السلطة. فقد أصدرت حركة حسم، التابعة للإخوان والتي تتظاهر بالعمل داخل مصر بينما تُدار ذراعها الإعلامية من تركيا، بياناً أعلنت فيه العودة إلى النشاط العنيف. كما نُشرت فيديوهات زُعم أنها تُظهر أفراداً من الحركة يتدربون لتنفيذ عمليات، ويبدو أن هذا التهديد مرتبط بأوضاع أعضاء الجماعة في السجون وظروف احتجازهم القاسية.

واستكمل التقرير المنسوب لمعهد دراسات الأمن القومي، أنه من أجل توسيع نطاق الانتقادات للنظام، ومع إدراكها تردد المصريين في التعبير علناً على الإنترنت، أطلقت حركة إسناد، التي تعمل من تركيا بقيادة المخرج المصري المنفي عز الدين دويدار، مبادرة دعت فيها المصريين إلى إرسال مقاطع فيديو يعبّرون فيها عن رفضهم للنظام، متعهدة بإيصالها إلى جهات خارجية لنشرها على نطاق واسع: “من كان لديه ما يقوله ولم يستطع أن يُسمع صوته، فليسجّل مقطعاً ويرسله إلينا، ونحن سنتكفّل بإسماع صوته”.
ومن أبرز تجليات حملة إسناد داخل مصر حادثة مصوّرة جرى تداولها على نطاق واسع على مواقع التواصل الاجتماعي، أظهرت مجموعة من الشباب يقتحمون مركزاً للشرطة – مقر للأمن الوطني قرب القاهرة – ويغلقون الضباط في زنزانة احتجاجاً على ما قيل إنه إغلاق معبر رفح.
وقد مثّل هذا الاحتجاج العلني أمام الكاميرات واقعة غير مألوفة، عكست استعداداً لتحمّل عواقب انتقامية قاسية من النظام. ورغم إعلان وزارة الداخلية أن الحادثة مفبركة، فإنها بدت واقعية.
نشاط إقليمي يدار من عدة دول
وفي هذا السياق، أشارت دراسة أُجريت في السودان إلى أن هذا النشاط جزء من نمط إقليمي عابر للحدود:
إذ تدير الجماعة حسابات وهمية ومجموعات عبر تليغرام ومواقع إخبارية في السودان وإثيوبيا والأردن. ففي السودان، تستهدف الحملات الرقمية للجماعة شرعية النظام؛ وفي إثيوبيا، تتمحور حول سد النهضة وتُظهر مصر كدولة فاشلة عاجزة عن حماية مواردها المائية؛ أما في الأردن، فكما في مصر، يُصوَّر التقارب مع إسرائيل كخيانة للقضية الفلسطينية. وبذلك تسعى الجماعة إلى زعزعة استقرار مصر وإحداث ضغط إقليمي منسّق في آن واحد.
أما القضايا الخارجية، تتصدر القضية الفلسطينية حملة الإخوان، مع التركيز على الحرب في قطاع غزة. فالحرب التي تشنها إسرائيل ضد سكان القطاع، كما يتم تصويرها، بما تتضمنه من قتل جماعي (يشمل الأطفال) ودمار وتجويع، تُستغل بالكامل لتجريم النظام المصري وحشد الأنصار ضد إسرائيل وضد النظام معاً.
ويُصوَّر الرئيس السيسي وحكومته بوصفهما متواطئين مع إسرائيل، يمكّنان المجاعة والمجازر والدمار. وترى الجماعة أن مصر تقصّر في نصرة غزة عبر قنواتها الدبلوماسية، وتمارس ضغطاً غير كافٍ على إسرائيل في المستويين العسكري والاقتصادي. كما تزعم أن مصر تدعم إسرائيل عملياً من خلال إبقاء الفلسطينيين محاصرين داخل القطاع ورفضها فتح معبر رفح.
وأشار تقرير معهد دراسات الأمن القومي، أنه في يونيو الماضي، وظّفت الجماعة بشكل واسع قضية “أسطول الحرية إلى غزة” الذي انطلق ناشطوه من تونس نحو القطاع قبل أن تعترضه السلطات المصرية. وروّجت لذلك كدليل إضافي على “تواطؤ” مصر مع إسرائيل ضد الفلسطينيين، ومساهمتها في تجويعهم ووفاتهم.
غير أن المسؤولين والمحللين المصريين ردّوا على هذه الادعاءات مؤكدين أن مصر، منذ بداية الحرب، لم تتوقف عن إدخال المساعدات الإنسانية عبر معبر رفح.
ومن أبرز صور دعم الجماعة للفلسطينيين وحركة حماس تنظيم احتجاجات أمام السفارات المصرية في أنحاء مختلفة من العالم. ففي أول هذه الاحتجاجات يوم 30 يونيو 2025 أمام السفارة المصرية في لاهاي، ربط المتظاهرون بين قضيتين: انتهاكات حقوق الإنسان المستمرة في مصر، ودور القاهرة في استمرار حصار غزة.
وسرعان ما انتشرت هذه الظاهرة، إذ شهد شهر يوليو 2025 وحده 16 تظاهرة، تخلل بعضها أعمال تخريب كالرش على الجدران أو محاولات اقتحام. وقد صُوّرت هذه الاحتجاجات جميعها وانتشرت بكثافة عبر الإنترنت. وروّجت حملة إسناد لها تحت شعار: “حاصروا سفاراتهم حتى يرفعوا الحصار عن غزة”. كما جعلت حركة ميدان، الناشطة رقمياً والتي تعرّف نفسها بأنها حركة شبابية تسعى إلى إسقاط نظام السيسي، القضية الفلسطينية محوراً أساسياً في منشوراتها.
وتتطرق تقرير معهد دراسات الأمن القومي، إلى أن الجماعة دأبت على انتقاد علاقات مصر بإسرائيل، معتبرة إياها دليلاً إضافياً على عدم شرعية نظام السيسي الذي يحافظ على علاقات رسمية مع “كيان غير شرعي”.
وقد أفادتها موجة التقارير الإعلامية الإسرائيلية غير المسبوقة في عام 2025 (غير معلوم مصدرها) والتي أبرزت التعاظم العسكري المصري وزيادة وجوده على الحدود في سيناء باعتبارها تهديداً لإسرائيل. فقد ركّزت منشورات الجماعة على هذه التوترات والفجوات، وخصوصاً في القضايا العسكرية والأمنية الحساسة، بهدف تقويض أهمية معاهدة السلام والتزاماتها المتبادلة في نظر المصريين.
ومثال ذلك، ما نشره موقع رصد في 6 يناير 2025 حول “أسباب قلق إسرائيل من بناء مصر أسواراً أمنية في سيناء”، حيث زعم أن ذلك أغضب إسرائيل واعتُبر خرقاً لاتفاقية كامب ديفيد. ورغم عدم صحة هذه المزاعم، فإن الجماعة تستخدم عن عمد تعبير “خرق معاهدة السلام” كأداة خطابية للتشكيك في شرعية المعاهدة وتقويض مكانة السلام في الوعي العام المصري.

تداعيات حملة التأثير التي تقودها جماعة الإخوان المسلمين ضد مصر
2. التكامل بين الاحتجاجات والحملات الرقمية: لم تعد التظاهرات مجرد فعل ميداني، بل غدت حدثاً إعلامياً يُوثَّق وينتشر بسرعة عبر الشبكات، فيتحول إلى أداة لتقويض صورة النظام على الساحة الدولية, ففي احتجاجات السفارات، لا يكمن الهدف في السيطرة الميدانية، بل في بثّ الصور والمشاهد على نطاق واسع. وقد دفع هذا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى إصدار تعليمات للدبلوماسيين المصريين حول العالم بشأن كيفية مواجهة هذه الظاهرة.
3. مشاركة حركات أخرى: تستند حملة الإخوان إلى دعم مجموعات مرتبطة بها، أبرزها حركة إسناد. وتعكس الحملات غير الموقعة، التي تحرض على معارضة النظام، تقاطعاً بين قوى ومصالح مختلفة تصب في الاتجاه نفسه.
التداعيات على إسرائيل
وفي نهاية التقرير المنسوب لمعهد دراسات الأمن القومي، أوضح أن هذه الحملات تبدو زاوية إسرائيلية أمراً حيوياً، فهي تكشف عن الأزمات الداخلية التي تُرهق المواطن المصري وتضغط على النظام.
كما أن إدراك حجم الشرخ الذي تسعى الجماعة إلى تكريسه بين الدولة والمجتمع يساعد إسرائيل على تقييم حسابات القاهرة السياسية في ما يخصها بدقة أكبر. وبناءً عليه، يصبح بوسع إسرائيل أن تصوغ سياسة متوازنة ورصينة إزاء مصر، ولا سيما في ما يتعلق بضبط الخطاب العام والتصريحات الرسمية الصادرة عن قادتها بشأن القضايا المرتبطة بمصر، وعلى رأسها القضية الفلسطينية.
رابط المصدر:




