ترجمات

الحرب تُعيد هندسة معادلات السلام عبر منصة أمنية رباعية تُفاقم عزلة إسرائيل

يبدو أنه لا خطر يهدد اتفاقيات السلام والتطبيع التي صمدت في وجه الحرب في غزة، غير أن التدهور في علاقات إسرائيل مع دول المنطقة – ولا سيما مع مصر والأردن – سينعكس كذلك على مدى إمكانية الدفع قدمًا باتفاقيات تطبيع مع دول أخرى في الإقليم، وعلى وجه الخصوص مع السعودية، وذلك في مرحلة ما بعد انتهاء الحرب.

 

أشار التقرير المنسوب لصحيفة Ynet العبرية، أن قرارُ الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بتعليق خطته لاستهداف محطات الطاقة في إيران وفتح باب التفاوض معها، جاء – بحسب ما أفادت به التقارير – نتيجة وساطة مشتركة من تركيا ومصر وباكستان.

 

وقد يبدو هذا التقاطع بين الدول الثلاث، للوهلة الأولى، غريبًا ومفاجئًا، غير أن قراءة متأنية لتطورات المنطقة منذ السابع من أكتوبر تكشف أن الأمر لا يمثل ظاهرة طارئة، بل يستند إلى مصالح مشتركة، ويعكس ملامح اصطفاف إقليمي جديد يُفترض أن يثير قلق إسرائيل.

 

تعود جذور هذا التوجه إلى انعقاد قمة ضمت 22 دولة عربية و57 دولة إسلامية في الرياض في نوفمبر/تشرين الثاني 2023، عقب أحداث السابع من أكتوبر، بهدف بلورة موقف عربي-إسلامي جماعي من الحرب في غزة.

 

ومن أبرز مخرجات تلك القمة تشكيل ما عُرف بـ”مجموعة الثمانية” – إطار تمثيلي مُشترك ضم السعودية وإندونيسيا وتركيا وقطر والأردن ومصر ونيجيريا وفلسطين، وكُلّفت هذه المجموعة بالتواصل مع القوى الكبرى للدفع نحو وقف إطلاق النار وتقديم مساعدات إنسانية لغزة. وسرعان ما انسحبت نيجيريا وفلسطين، ليحل محلهما كل من باكستان والإمارات العربية المتحدة.

 

تجلّت مشاركة هذه الدول خلال الحرب في غزة من خلال عقد اجتماعات مشتركة لوزراء الخارجية وإصدار بيانات موحّدة.

 

وذكرت الصحيفة أنه في سبتمبر/أيلول 2025، أصدرت بيانًا داعمًا لخطة ترامب لحل الأزمة في غزة، وفي نوفمبر/تشرين الثاني من العام نفسه جدّدت دعمها لتنفيذ المرحلة الأولى من تلك الخطة. ورغم أن الانسجام لم يكن دائمًا سمة العلاقات بين أعضاء “مجموعة الثمانية”، فإن ما جمعهم، بوصفهم ممثلين للعالمين العربي والإسلامي، كان السعي إلى إيجاد مخرج للأزمة في غزة عبر تفعيل خطة ترامب، بهدف تعزيز الاستقرار الإقليمي.

 

وأوضح التقرير المنسوب لصحيفة Ynet، أن جولتا الحرب ضد إيران رفعتا منسوب القلق لدى هذه الدول من احتمال انزلاق الاستقرار الإقليمي إلى حالة من الفوضى، لا سيما في ظل التداعيات الأمنية والاقتصادية المحتملة لإغلاق مضيق هرمز.

 

وفي 18 مارس/آذار، استضافت الرياض اجتماعًا ضم 12 وزير خارجية من دول عربية وإسلامية، هي: مصر، الأردن، الكويت، قطر، باكستان، لبنان، الإمارات العربية المتحدة، سوريا، تركيا، أذربيجان والبحرين، ومعظمها دول قريبة جغرافيًا من مسرح العمليات وكانت عُرضة لتهديدات إيرانية.

 

وقد أدان البيان الصادر عن الاجتماع الهجمات الإيرانية على دول الخليج وتركيا وأذربيجان، وأعرب عن دعمه لقرار الحكومة اللبنانية فرض سيادة الدولة على السلاح، كما ندّد بالهجمات الإسرائيلية على لبنان وبما اعتبره طموحات توسعية لها في المنطقة.

 

تشكّل تحالفات جديدة لصياغة الهندسة الأمنية الإقليمية

 

خلال الاجتماع، بحث وزراء خارجية تركيا والسعودية ومصر وباكستان التوصل إلى اتفاق لإنشاء منصة أمنية جديدة تُعنى بمواجهة التحديات الإقليمية وتعزيز التعاون في الصناعات الدفاعية. وفي هذا السياق، لا يبدو مستغربًا أن تتحرك تركيا ومصر وباكستان للوساطة بين إيران والولايات المتحدة، في مسعى لاحتواء التصعيد ووضع حد للحرب.

 

وتساءلت الصحيفة، فما الذي يجمع هذه الدول؟ تبدأ الإجابة على المستوى الثنائي؛ إذ وقّعت السعودية وباكستان، في سبتمبر/أيلول 2025، اتفاقية دفاع مشترك شملت تعاونًا عسكريًا وتعهدًا باعتبار أي اعتداء على إحداهما هجومًا على كلتيهما.

 

غير أن هذا الالتزام لم يُختبر فعليًا، إذ لم تبادر باكستان إلى مساندة السعودية حين تعرضت لهجوم إيراني. وفي موازاة ذلك، شهدت العلاقات بين مصر وتركيا، وكذلك بين تركيا والسعودية، تقاربًا ملحوظًا.

 

فضلا على ذلك، في الرابع من فبراير/شباط 2026، زار الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الرياض، قبل أن يتوجه في اليوم التالي إلى القاهرة. ولم تقتصر هذه الزيارات على بيانات سياسية تعكس تقاربًا في الرؤى، بل أسفرت أيضًا عن إبرام حزمة من الاتفاقيات في مجالي التجارة والأمن.

 

ويستند هذا التقارب إلى شبكة معقدة من المصالح، بعضها مشترك وبعضها ثنائي. فجميع هذه الدول تتقاطع في مصلحة استراتيجية تتمثل في الحفاظ على علاقاتها مع الولايات المتحدة وتعزيزها، وهو ما يفسر انخراطها في “مجلس السلام” الذي أسسه الرئيس دونالد ترامب. كما تسعى إلى تقليص أدوار كل من إيران وإسرائيل، وربما الهند، ضمن معادلات التوازن الإقليمي.

 

وقد عززت الحرب تيارًا متناميًا في الشرق الأوسط ينظر إلى كلٍّ من إيران وإسرائيل بوصفهما عاملين لزعزعة الاستقرار. وبينما تعرضت إيران لإضعاف ملحوظ، حتى مع بقاء نظامها، أثبتت إسرائيل في المقابل تفوقًا عسكريًا واستخباراتيًا لافتًا. غير أن صورتها كقوة إقليمية متشددة—كما عكستها ضرباتها في قطر وإيران، إلى جانب سياسات الحكومة اليمينية في الضفة الغربية وقطاع غزة، وكذلك في سوريا ولبنان—تعزز الانطباع بأنها تمضي نحو ترسيخ هيمنة إقليمية واسعة النطاق.

 

 

محور صاعد يعيد تشكيل موازين القوة في الشرق الأوسط

 

وذكر التقرير المنسوب لصحيفة Ynet، إلى أن تقارب هذه الدول – حتى وإن ظل في إطاره السياسي – ينطوي على تداعيات إقليمية عميقة، وربما يتجاوز حدود المنطقة. فإجمالي عدد سكان مصر وباكستان وتركيا والسعودية يقترب من نصف مليار نسمة، فيما تتجاوز باكستان وحدها 250 مليون نسمة.

 

وإلى جانب هذا الثقل الديموغرافي، تمتلك باكستان سلاحًا نوويًا، بينما تُعد السعودية ثالث أكبر مورّد للنفط عالميًا وصاحبة ثاني أكبر احتياطي، فضلًا عن مكانتها المحورية في العالمين العربي والإسلامي لاحتضانها المقدسات الإسلامية. أما تركيا، فهي عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وتتمتع باقتصاد متقدم وصناعة دفاعية متطورة.

 

في هذا السياق يشد التقرير على أن إسرائيل معنية بإبداء قدر من القلق إزاء هذا التقارب. ويتمثل التحدي الأبرز في احتمال تعمّق عزلتها الإقليمية. فبينما لا تلوح في الأفق مخاطر مباشرة تهدد اتفاقيات السلام والتطبيع التي صمدت خلال حرب غزة، فإن التدهور في علاقاتها مع دول المنطقة – ولا سيما مصر والأردن – قد ينعكس سلبًا على فرص توسيع مسار التطبيع مع دول أخرى، وعلى رأسها السعودية، في مرحلة ما بعد الحرب.

 

كما يبرز هاجس آخر يتمثل في تنامي الدور الإقليمي لتركيا على حساب إيران التي تعرضت لإضعاف ملحوظ. ومع ما اعتُبر ردًا سعوديًا محدودًا على الهجمات الإيرانية، إلى جانب التراجع النسبي في مكانة مصر الإقليمية، تبدو تركيا في موقع متقدم للمضي قدمًا نحو ترسيخ زعامة إسلامية إقليمية، وهو مسار يشكّل عامل إزعاج واضح لإسرائيل.

 

واختتم التقرير المنسوب إلى صحيفة Ynet بأنه من المتوقع أن تتصاعد، في أعقاب الحرب، الدعوات داخل العالمين العربي والإسلامي – وربما على الصعيد العالمي – للدفع نحو تسوية شاملة للقضية الفلسطينية، تبدأ من غزة وتمتد لاحقًا إلى الضفة الغربية. ولا شك أن هذا التكتل العربي-الإسلامي الناشئ سيجد في هذا الملف ساحة مشتركة واسعة لتعزيز تنسيقه وتحركاته.

رابط المصدر: 

 

https://www.ynet.co.il/news/article/bjhsm811ibe

 

Hosam Sabri
مترجم صحفي، خبير في ترجمة وتحليل التقارير الصحفية، والمواد الصحفية ذات الطابع الاستقصائي، ملتزمًا بالدقة والموضوعية.

مقالات ذات صلة