في لحظة فارقة يمر بها الاقتصاد المصري، وبينما تتراكم الديون الخارجية وتضيق هوامش الخيارات، خرج رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور ليُذكّر بنصيحة قدّمها مباشرة للرئيس عبدالفتاح السيسي منذ سنوات، فحواها: “لا تتوسعوا أكثر في الاقتراض من الخارج”.
كلمات قد تبدو عابرة في زحام التصريحات، لكنها جاءت من شخصية اقتصادية ليست بعيدة عن المشهد المصري، بل كانت جزءًا منه في وقتٍ سابق، عندما أبدى الحبتور رغبة واضحة في الاستثمار داخل مصر، وافتتح مكتبًا لمجموعته بالقاهرة، وطرح مشاريع كبرى كان من شأنها أن تضيف الكثير للسوق المحلي.
لكن ما بدا حلمًا استثماريًا واعدًا، لم يتحقق على أرض الواقع؛ توقفت المشاريع، وتعطلت الخطط، لأسباب تتعلق ببيئة الاستثمار، وإجراءات الدولة، وسقوف التقييم غير الواقعية في بعض الحالات. ومن هنا، ربما، جاءت نصيحته الأخيرة؛ ليست انتقادًا مباشرًا، وإنما انعكاسًا لتجربة لم تكتمل، وتحذيرًا من الاعتماد المتزايد على حلول تمويلية قصيرة الأجل قد تحمل في طياتها آثارًا اقتصادية أعمق على المدى الطويل.
تصريح الحبتور لا يمكن قراءته بمعزل عن السياق، فهو يحمل بين سطوره أسئلة مهمة عن مستقبل جذب الاستثمارات الأجنبية لمصر، وعن جدوى الاعتماد على القروض دون تحسين فعلي لمناخ الأعمال، وتذليل العقبات التي ما زالت تُربك كبار المستثمرين قبل صغارهم.
كما ذكر واقعة أخرى دلل بها على مستوى الاستثمار في القاهرة، بينما كان ضيفًا في برنامج “كلام بيزنس” عبر CNN الاقتصادية، مؤكدًا أنه كان قد عُرض عليه الاستثمار في منطقة الساحل الشمالي بقطعة أرض بمبلغ 10 ملايين دولار، لكنه، وفقًا لحديثه، رفع رئيس الحكومة سعر الأرض إلى ثلاثة أضعاف لتصل إلى 30 مليون دولار، مما أثناه عن الصفقة والاستثمار في الساحل الشمالي بشكل عام.
في أول رد رسمي على التصريحات التي أدلى بها الحبتور بشأن تدخُّل رئيس مجلس الوزراء المصري لرفع سعر قطعة أرض كان ينوي شراءها في الساحل الشمالي، نفى المستشار محمد الحمصاني، المتحدث الرسمي باسم رئاسة مجلس الوزراء، صحة هذه الرواية جملةً وتفصيلًا.
وأكد الحمصاني في بيان صحفي، أن الجهات الحكومية صاحبة الولاية على أراضي الساحل الشمالي لم تتلقَّ أي طلب رسمي من المستثمر خلف الحبتور للحصول على أي قطعة أرض، مضيفًا أن ما ورد على لسانه “لا أساس له من الصحة ومُختلق تمامًا”.
وتساءل المتحدث الرسمي: “حتى لو كان رجل الأعمال ينوي شراء أرض من مواطنين عاديين، فبأي منطق يتدخل رئيس الوزراء لتحديد السعر؟”، مشددًا على أن قواعد تخصيص الأراضي لأغراض الاستثمار واضحة ومعلنة، ولا تخضع لأي تدخلات من المسؤولين التنفيذيين.
وفي ختام البيان، أكد الحمصاني أن مصر ترحب دومًا بالأشقاء الإماراتيين، مستثمرين وغير مستثمرين، لافتًا إلى أن هناك مستثمرين من دولة الإمارات ضخوا مليارات الدولارات في مشروعات ناجحة بالسوق المصري، وحققوا أرباحًا غير مسبوقة، وهم أنفسهم يشهدون بذلك في تصريحات إعلامية متكررة.
وفي تطوّر جديد على خلفية الجدل الذي أثارته تصريحات الحبتور بشأن قطعة أرض بالساحل الشمالي، عاد الحبتور ليُعلّق عبر تدوينة نشرها على منصة “إكس”، مؤكدًا احترامه لما صدر عن الحكومة المصرية من توضيح رسمي، ومعبرًا عن تقديره لمصر ومؤسساتها.
وقال الحبتور في تدوينته: “تابعت باهتمام البيان الصادر عن رئاسة مجلس الوزراء في جمهورية مصر العربية الحبيبة، بشأن ما نُشر حول قطعة أرض في الساحل الشمالي عُرضت عليّ لشرائها. وللأسف، ما نُقل إليّ هو تمامًا كما ورد في مقابلتي”.
وأضاف: “نشكر رئاسة الوزراء على هذا التوضيح الصريح والواضح. يسعدني أن أرى هذا الحرص من الدولة المصرية الشقيقة على توضيح الحقائق بكل شفافية، وهو ما يعكس قوة المؤسسات، ووضوح آليات العمل والقانون في مصر”.
كما جدّد الحبتور تأكيده على متانة العلاقة بينه وبين مصر، قائلاً: “أنا دائمًا من المحبّين والمقدّرين لمصر وشعبها، وأؤمن بفرص التعاون والاستثمار الإيجابي بيننا، على أساس من الاحترام المتبادل، والوضوح، والثقة”.
وفي ختام تعليقه، وصف البيان الرسمي بأنه “رسالة إيجابية تعزز الثقة في أن مصر دولة مؤسسات، تحرص على توفير بيئة استثمارية عادلة، شفافة، ومنفتحة. أكرر شكري، وأتمنى لجمهورية مصر العربية دوام النجاح والتقدم في ظل قيادتها الحكيمة”.
وفي محاولة لفهم أبعاد هذا الجدل من منظور اقتصادي ومؤسسي، تواصلنا في منصة MENA مع عدد من خبراء الاقتصاد والاستثمار لتحليل تصريحات رجل الأعمال خلف الحبتور، والرد الرسمي الصادر عن الحكومة المصرية.
وطرح الخبراء قراءات متعددة للمشهد، تُفكك خلفيات ما جرى، وتُفسر دوافع التصريح وتوقيت الرد، وتضع التساؤلات الأكبر حول مناخ الاستثمار في مصر، ومدى اتساقه مع تطلعات المستثمرين الخليجيين الذين يملكون شغفًا حقيقيًا بالاستثمار في السوق المصري، ولكن يصطدم بعضهم بإشكاليات لا تُحسم دائمًا بالوضوح والسرعة المطلوبة.

يرى الخبير الاقتصادي الدكتور خالد الشافعي أن تصريحات الحبتور، التي وجه فيها نصيحة لمصر بضرورة التوقف عن الاستدانة، “لا ترتقي لمستوى يمكن اعتباره توجيهًا لدولة بحجم وقيمة مصر”.
وأوضح الشافعي في تصريحات لمنصة MENA أن “الحبتور، رغم كونه مستثمرًا يمتلك سيولة مالية، إلا أنه في نهاية المطاف يبحث عن تحقيق عوائد مجزية لاستثماراته، وبالتالي فإن تصريحاته تأتي في سياق الضغط على الدولة المصرية للحصول على تسهيلات أو تنازلات تصب في مصلحته الخاصة، لا في مصلحة الاقتصاد المصري”.
وأضاف: “ما قاله الحبتور لا يُعد رأيًا اقتصاديًا موضوعيًا، بل يُظهر قدرًا من التهوّر والاستعلاء، وينطوي على تقليل واضح من مكانة مصر وقدرتها على إدارة ملف الدين. فالدولة المصرية، رغم التحديات، أثبتت قدرتها على الوفاء بالتزاماتها، وهناك تقارير دولية – ومنها تقارير صادرة عن صندوق النقد الدولي – تشير إلى أن مصر بحلول عام 2047 لن تكون مثقلة بأي ديون خارجية، ما يعكس وجود خطة واضحة واستراتيجية تنموية قابلة للتنفيذ”.
وتابع الشافعي: “هذا التصريح يعكس جهلًا واضحًا بطبيعة الاقتصاد المصري، ويفتقر لأي دراسة حقيقية لقدرات الدولة وإمكانياتها التنموية. هو تصريح متعجرف صادر عن شخصية متعجرفة، لا تُدرك تعقيدات الواقع المصري، ولا تسعى – في تقديري – إلا لتحقيق مصالحها الشخصية على حساب الصورة العامة للدولة”.
وشدد الخبير الاقتصادي على أن “مصر تظل واحدة من الوجهات الاستثمارية الواعدة، بشهادة المؤسسات المالية العالمية، وهي لا تحتاج لنصائح سطحية من مستثمرين لا يملكون فهمًا دقيقًا لطبيعة المرحلة. فالدولة المصرية، سواء كانت تعتمد على الاقتراض الخارجي أو لا، تدير اقتصادها وفق أسس مدروسة، ومسارها التنموي يحظى باعتراف دولي لا يمكن تجاهله”.
وختم الشافعي تصريحه بالقول: “لا يجوز أن نأخذ تصريحات فردية على محمل الجد، خصوصًا عندما تصدر عن شخص لم يُثبت فهمًا حقيقيًا للاقتصاد أو أولويات الدولة، ولا يُعقل أن نسمح لمستثمر – مهما كانت مكانته – بأن يُملي على دولة بحجم مصر ما يجب أو لا يجب أن تفعله. هذه دولة مؤسسات، وتُدير شؤونها بما يتناسب مع مصالح شعبها وقدراتها الاقتصادية”.
من جانبه، قال الخبير الاقتصادي الدكتور بلال شعيب، إن تصريحات رجل الأعمال الإماراتي خلف الحبتور بشأن دعوته الدولة المصرية لعدم التوسع في الاقتراض الخارجي “غير مقبولة، وتنطوي على تجاوز غير مبرر في حق دولة ذات سيادة واستقلال سياسي تام”.
وأكد شعيب في تصريحات لمنصة MENA، أن “الحبتور أو غيره من المستثمرين، سواء كانوا عربًا أو أجانب، لا يملكون الحق في توجيه النصح أو الإدلاء بآراء تخص الشأن الداخلي للدولة المصرية، خصوصًا ما يتعلق بسياساتها الاقتصادية أو قراراتها السيادية مثل الاقتراض الخارجي”، مضيفًا: “مصر لديها مؤسسات دستورية وسياسية، على رأسها السلطة التنفيذية ممثلة في الحكومة، ومجلس النواب المنتخب، ورئاسة الجمهورية، وهي الجهات المعنية الوحيدة باتخاذ القرارات الاقتصادية وفقًا لرؤية وطنية مستقلة تخدم مصالح الدولة”.
وأوضح أن مصر لا تُدار بالنوايا أو الآراء الفردية، بل بسياسات عامة واضحة، مشيرًا إلى أن الدولة اليوم تنتهج سياسة تشجيع الاستثمار، وهو ما يتجسد في إصدار “وثيقة سياسة ملكية الدولة”، وسنّ قوانين داعمة للاستثمار، وتقديم حوافز متنوعة لجذب رؤوس الأموال.
وتابع شعيب: “الاستثمار في مصر يخضع لمعايير موضوعية، وأي مستثمر – بما في ذلك خلف الحبتور – يقيّم الفرص الاستثمارية وفق معايير تخصه، مثل طبيعة السوق، العائد المتوقع، المخاطر، والإجراءات الحكومية. إن وجد أن المناخ مناسب، فله أن يستثمر، وإن لم يناسبه، فله حرية القرار، لكن ليس من حقه أن يتدخل في الخيارات الاقتصادية والسيادية للدولة المصرية”.
وفي ما يخص تقييم تعامل الحكومة المصرية مع المشاريع الاستثمارية التي طرحها الحبتور، مثل “حبتور سيتي” أو فندق بمدينة العلمين، شدد شعيب على أنه “لا توجد أي عوائق أمام الاستثمار في مصر”، موضحًا أن “ما يحدث هو تفاوض طبيعي بين طرفين: الحكومة تعرض، والمستثمر يقرر القبول أو الرفض”.
وأشار إلى أن “الأمر في النهاية يخضع لاعتبارات استثمارية بحتة، قائمة على مبدأ العرض والطلب، وتحقيق الربحية للطرفين؛ فالمستثمر يبحث عن عائد استثماري مناسب، والدولة تبحث عن عائد اقتصادي وتنموي يحقق مصالحها”، مؤكدًا أن “مصر تحترم كل المستثمرين، لكن دون أن يُسمح لأي طرف بالتدخل في شؤونها أو فرض رؤى اقتصادية تتعارض مع إرادتها الوطنية”.
وتابع شعيب أن الدولة المصرية أرسلت خلال السنوات الماضية إشارات واضحة وجادة للمستثمرين، تؤكد أن القطاع الخاص شريك استراتيجي في عملية التنمية، مشيرًا إلى أن “وثيقة سياسة ملكية الدولة” تمثل أبرز هذه الرسائل، كونها تعكس نية الحكومة في إفساح المجال أمام القطاع الخاص، المحلي والأجنبي، للمساهمة بفاعلية في الاقتصاد.
وأكد أن مصر تستقبل بالفعل عددًا كبيرًا من الاستثمارات الأجنبية، بينها شركات كبرى من دول عربية شقيقة مثل “إعمار” الإماراتية، وهو ما يفند أي ادعاءات حول غياب الثقة أو وجود عراقيل تمنع جذب الاستثمارات.
وأشار شعيب إلى أن مناخ الاستثمار في مصر شهد تحسنًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة، لا سيما على مستوى استقرار سعر الصرف، وتوافر العملة الأجنبية، وتحويل الأرباح للخارج، قائلًا: “البنك المركزي بدأ يدبر احتياجات المصنعين والمستثمرين، وهناك استقرار كبير في سوق النقد، وشركات البترول تستلم مستحقاتها بانتظام، والكهرباء مستقرة، وهذه كلها عوامل تطمئن المستثمر الأجنبي بشكل مباشر”.
وبشأن موقف المستثمرين من الاقتراض الحكومي، أوضح شعيب أن هذا الملف لا يُمثّل مصدر قلق مباشر لهم، وقال: “الدين العام تتحمله الحكومة وليس القطاع الخاص، والمستثمر لا يسدد الديون نيابة عنها. على العكس، هو يركز على العائد، وضمانات الاستثمار، واستقرار السياسات، وحماية الدولة لرأس المال، وكل هذه العناصر متوافرة في مصر”.
ولفت إلى أن دولًا كبرى مثل الولايات المتحدة تعاني من ديون ضخمة تجاوزت 38 تريليون دولار، وتواجه عجزًا ماليًا سنويًا يتخطى 1.3 تريليون دولار، وهو ما يؤكد أن الدين ليس معيارًا وحيدًا لتقييم الاقتصاد.
وتابع شعيب: إن ما صدر عن الحبتور لا يعبر عن موقف عام لمجتمع المستثمرين العرب أو الأجانب تجاه مصر، مؤكدًا: “لدينا استثمارات ضخمة من صناديق سيادية كبرى مثل الصندوق الإماراتي والسعودي، وقطر أيضًا أصبحت من كبار المستثمرين. ما قاله الحبتور هو رأي فردي لا يمثل توجها مؤسسيًا أو حكوميًا”.
وأضاف أن تقييم الاقتصاد المصري يجب أن يكون بيد المؤسسات المتخصصة مثل صندوق النقد الدولي أو البنك الدولي، وليس عبر آراء شخصية تنزع مؤشرات معينة من سياقها وتغفل الصورة الأشمل.
وفي ما يخص الجدل حول عبء الدين العام، أوضح شعيب أن القلق في هذا الإطار غير مبرر حاليًا، قائلًا: “الديون تمثل أداة تمويلية طبيعية لموازنات الدول، والديون العالمية تخطت 316 تريليون دولار، مدفوعة بارتفاع الإنفاق العسكري، وتكاليف التكيف مع التغيرات المناخية، وارتفاع أسعار الفائدة. في مصر، الدين ما زال تحت السيطرة، وهناك خطة واضحة لخفضه إلى نحو 85% من الناتج المحلي خلال عامين”.
وأكد أن مصر تبذل جهودًا واضحة لترشيد النفقات، وتحقيق التحول الرقمي، وحوكمة الإنفاق العام، مما يعزز من قدرة الدولة على التعامل مع ملف الدين بشكل رشيد.
ورفض شعيب التعامل مع مؤشر الدين العام باعتباره معيارًا وحيدًا لتقييم الاقتصاد، موضحًا: “مصر أنفقت أكثر من 10 تريليونات جنيه على تطوير البنية التحتية، وهي الدولة الوحيدة في المنطقة التي دخلت بقوة في مجال الطاقة المتجددة والهيدروجين الأخضر. تستهدف صادرات بـ100 مليار دولار، وقطاعًا سياحيًا يصل إلى 50 مليار دولار سنويًا، ولدينا ثلثا آثار العالم، إلى جانب قناة السويس، والقطاع الزراعي، والصناعي، والتكنولوجي”.
وأشار إلى أن “تنوع الاقتصاد المصري” يمنحه قدرة أكبر على امتصاص الصدمات مقارنة بدول أخرى تعتمد على موارد محدودة، كالبترول أو السياحة الدينية فقط.
وحول دوافع الحبتور لاختيار هذا التوقيت لتوجيه رسالته، قال شعيب: “لا يمكنني الجزم بنيته، لكن ما نعلمه أنه ليس من كبار المستثمرين داخل مصر، كما أن استثماراته الأكبر تتركز في دول أخرى، بعضها يواجه مخاطر أكبر من السوق المصرية”.
أخيرًا، أكد شعيب أن أي معوقات تواجه الاستثمار لا ترتبط بملف الدين العام، بل قد تكون مرتبطة بعوامل أخرى مثل الإجراءات البيروقراطية أو تخصيص الأراضي أو ارتفاع أسعار الفائدة.
وقال: “الحكومة المصرية اتخذت خطوات جادة لمواجهة هذه التحديات من خلال الرخصة الذهبية، واستقرار السياسات الضريبية، وسياسة الحياد التنافسي، وجذب القطاع الخاص، وكلها عناصر تعزز من جاذبية السوق المصرية”.
اقرأ أيضًا:
دول الخليج تمدّ نفوذها الاقتصادي في مصر والأردن
الخبير الاقتصادي إلهامي الميرغني يتحدث عن الأزمة الاقتصادية
امتصاص السيولة.. العقارات في المقدمة والذهب يتراجع لصالح الشهادات البنكية


