تحرص مصر على ترسيخ صورتها في العالم العربي باعتبارها الشقيق الأكبر صاحب الثقل السياسي والعسكري، وفي الوقت نفسه قوة إقليمية تمتلك مهارة التواصل مع جميع الأطراف المتصارعة.
ويرى محللون ومصادر مصرية أن هذه المكانة هي ما أتاح للقاهرة أن تتبنى موقفاً بالغ التعقيد؛ فهي تدعم حلفاءها الإقليميين في مواجهة الهجمات الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بينما تواصل في الوقت ذاته جهودها لإقناع طهران بالعودة إلى طاولة التفاوض.
وفي هذا السياق، قام رئيس دولة الإمارات الشيخ محمد بن زايد آل نهيان والرئيس المصري السيسي، الأسبوع الماضي، بزيارة وحدة المقاتلات المصرية في الإمارات، في رسالة تعكس عمق التحالف بين القاهرة وأبوظبي، التي تُعد من أبرز الداعمين الاقتصاديين لمصر.
ومنذ اندلاع الحرب مع إيران أواخر فبراير الماضي، كثّف السيسي جولاته الخليجية، في مؤشر واضح على أولوية الشراكات الخليجية في السياسة المصرية.
اللواء المصري المتقاعد والمحلل الاستراتيجي سمير راغب لخّص الموقف بقوله:
“سياسة مصر تقوم على التوازن، لكنها ليست حياداً”.
وأوضح أن القاهرة “تقف إلى جانب أشقائها في الخليج، وهذا ليس موقفاً تكتيكياً مؤقتاً”، مضيفاً أن مصر تسعى في الوقت نفسه إلى منع انزلاق المنطقة إلى مواجهة عسكرية واسعة ذات أبعاد طائفية، لما قد تحمله من كلفة باهظة على حلفائها العرب وعلى الاقتصاد المصري نفسه.
ورغم أن العلاقات بين مصر ذات الأغلبية السنية وإيران ذات الغالبية الشيعية شهدت انفراجة نسبية خلال السنوات الأخيرة بعد عقود من التوتر، فإن البلدين لم يعلنا حتى الآن استعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة. ويرى مراقبون أن هذا التريث يعكس مراعاة مصر لحساسيات حلفائها الخليجيين الذين تجمعهم بطهران خلافات عميقة وممتدة.
وتكشف مصادر في القاهرة أن مصر سعت خلال الفترة الماضية إلى التأثير على سياسات إيران الإقليمية، والتي تُتهم على نطاق واسع بإثارة الاضطرابات عبر دعم جماعات مسلحة مثل “حزب الله” في لبنان والحوثيين في اليمن.
لكن الرؤية المصرية، بحسب المصادر، لا تقوم على نزع سلاح هذه الجماعات بالقوة، بل على دمجها تدريجياً داخل مؤسسات الدولة في بلدانها.
وفي المقابل، تنظر القاهرة إلى إيران باعتبارها ورقة مهمة في مواجهة التمدد الإسرائيلي المتسارع في المنطقة، خاصة بعد أن استخدمت إسرائيل، منذ عام 2023، قوتها العسكرية لإعادة رسم موازين القوى الإقليمية عبر عمليات عسكرية استهدفت إيران وسوريا ولبنان واليمن وغزة.
وقال أحد المصادر إن “العدو الأول في العقيدة العسكرية المصرية هو إسرائيل، وهذا يشكل نقطة تقاطع مهمة بين القاهرة وطهران”.
ورغم معاهدة السلام الموقعة بين مصر وإسرائيل برعاية أميركية عام 1979، والتي أنهت عقوداً من الحروب بين البلدين، ظلت العلاقات توصف دوماً بأنها “سلام بارد”.
لكن حرب غزة دفعت هذه العلاقات إلى أسوأ مراحلها، بعدما اتهمت القاهرة إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية وتجويع الفلسطينيين في القطاع، وهي اتهامات تنفيها تل أبيب.
وفي أوقات متفرقة، يوجّه سياسيون إسرائيليون من اليمين ووسائل إعلام مقربة منهم اتهامات لمصر بانتهاك بنود معاهدة السلام أو الاستعداد لخوض حرب ضد إسرائيل، وهي مزاعم رد عليها الرئيس السيسي بشكل غير مباشر عبر تأكيده المتكرر أن السلام يمثل الخيار الاستراتيجي لمصر.

وتمنح العلاقة المعقدة التي تجمع مصر بكل من الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران وحركة حماس القاهرة مساحة واسعة للمناورة السياسية، وهو ما عزز دورها الدولي كوسيط رئيسي في اتفاق وقف إطلاق النار بغزة خلال أكتوبر 2025، والذي أوقف حرباً استمرت عامين.
كما لعبت مصر، بعيداً عن الأضواء، دوراً في جهود وساطة قادتها باكستان لاحتواء الحرب مع إيران.
ويعتقد مراقبون أن قنوات التواصل المصرية مع طهران ربما ساهمت أيضاً في إقناع الحوثيين بعدم تنفيذ تهديداتهم بإغلاق مضيق باب المندب خلال الحرب الإيرانية، وهو ما كان سيؤدي إلى شلل واسع في حركة الملاحة بالبحر الأحمر، ويكبّد مصر خسائر بمليارات الدولارات نتيجة تراجع إيرادات قناة السويس.
ورغم الحديث المتكرر عن سياسة التوازن المصرية، فإن بعض الخبراء يرون أن الأولوية الحقيقية للقاهرة تبقى لعلاقاتها الخليجية.
ويقول المحلل المصري مجاهد الزيات، المستشار الأكاديمي للمركز المصري للفكر والدراسات الاستراتيجية:
“لا يمكن الحديث عن توازن في مقاربة مصر تجاه الخليج. الأولوية تبقى لأشقائنا في الخليج، لأن أمن هذه المنطقة جزء أساسي من الأمن القومي المصري والعربي”.
وأضاف أن أي حديث عن “مصالحة عربية ـ إيرانية شاملة” لا يزال سابقاً لأوانه، موضحاً أن ذلك لن يصبح مطروحاً إلا بعد التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، وهو الاتفاق الذي سيحدد شكل التوازنات الجديدة في المنطقة بأسرها.
رابط المصدر:
https://www.thenationalnews.com/news/mena/2026/05/12/how-egypts-balancing-act-aims-to-preserve-relations-and-prevent-war/




