الشارع المصري

الكفاءة أولًا.. إنقاذ القطاع العام يبدأ من القيادات

يثير ملف اختيار رؤساء الشركات المملوكة للدولة جدلًا واسعًا في الأوساط الاقتصادية، مع تزايد المطالب بضرورة الاعتماد على الكفاءة والخبرة والرؤية الاقتصادية بدلًا من آليات الاختيار التقليدية.

 

قال الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، إن اختيار رؤساء مجالس إدارات الشركات التابعة للدولة يجب أن يعتمد على القدرة الحقيقية على تطوير هذه الشركات وتحقيق أهدافها الاقتصادية، وليس فقط على المؤهلات النظرية أو المناصب الأكاديمية.

 

وأوضح أن الجهة المسؤولة عن الاختيار يجب أن تضع رؤية متكاملة تتعلق بطبيعة نشاط كل شركة، وأهدافها، ووضعها المالي، وما يمكن أن تحققه خلال السنوات المقبلة، مؤكدًا أن أي مرشح للمنصب يجب أن يقدم برنامجًا واضحًا يتضمن خطة عمل محددة بمراحل زمنية وأهداف قابلة للقياس.

 

وأضاف أن عملية الاختيار يجب أن تقوم على المنافسة بين أفضل البرامج والرؤى، لأن هذه الشركات تمثل جزءًا من الثروة القومية للدولة، وبالتالي فإن نجاحها أو تطويرها ينعكس بشكل مباشر على الاقتصاد والمواطن.

 

وأشار إلى ضرورة وجود معايير تقييم واضحة لرؤساء الشركات، تتضمن نتائج متوقعة خلال أول 3 أشهر و6 أشهر وسنة، مع متابعة مستمرة للأداء، مؤكدًا أن استمرار أي مسؤول دون تحقيق نتائج حقيقية يمثل أزمة في الإدارة.

 

وتابع: «كل وظيفة لها أهداف ومحددات واضحة، ولا يجب ترك الأمور دون معايير دقيقة، لأن الهدف النهائي هو تحقيق التطوير وتحويل الشركات الخاسرة إلى كيانات رابحة وقادرة على المنافسة».

 

وأكد الشافعي أن مصر تمتلك كوادر قادرة على إدارة هذه الشركات بكفاءة، إذا تم منح الفرصة على أساس القدرة والخبرة والرؤية الاقتصادية، موضحًا أن بعض الشركات تملك أصولًا وإمكانات ضخمة يمكن استغلالها بصورة أفضل لدعم الاقتصاد الوطني.

 

وفيما يتعلق بجذب الاستثمارات، أوضح أن اختيار قيادات تمتلك المرونة والخبرة والقدرة على التواصل مع المستثمرين يمكن أن يفتح الباب أمام استثمارات جديدة وتوسعات حقيقية داخل الشركات التابعة للدولة، بما يساهم في زيادة الإنتاج وتحسين الأداء المالي وتحقيق عوائد أكبر للاقتصاد المصري.

 

وأضاف أن نجاح أي رئيس شركة يجب أن يُقاس بقدرته على تنفيذ خطط التطوير، وجذب الاستثمارات، وتحقيق أرباح أو تقليل الخسائر، وليس فقط بشغله المنصب أو امتلاكه خلفية أكاديمية.

 

وقال خالد الشافعي إن هناك تجارب دولية عديدة يمكن الاستفادة منها في ملف اختيار قيادات الشركات المملوكة للدولة، خاصة في الدول التي انتقلت من النظام الاشتراكي إلى الاقتصاد الرأسمالي، مثل دول أوروبا الشرقية وروسيا ودول الاتحاد السوفيتي السابق.

 

وأوضح أن دولًا مثل تشيكوسلوفاكيا السابقة وبلغاريا وألمانيا الشرقية استطاعت إحداث طفرة كبيرة في تطوير شركاتها العامة بعد إعادة هيكلة الإدارة واختيار قيادات تمتلك الكفاءة والقدرة على تحقيق نتائج فعلية داخل السوق.

 

وأضاف أن نجاح هذه التجارب اعتمد على منح الفرصة لقيادات لديها رؤية اقتصادية واضحة، وقادرة على تنفيذ خطط التطوير وتحويل الشركات من كيانات خاسرة إلى مؤسسات رابحة وقادرة على المنافسة.

 

وأشار إلى أن المطلوب ليس فقط تعيين مسؤولين في المناصب القيادية، وإنما اختيار شخصيات تمتلك القدرة الحقيقية على إحداث نقلة نوعية داخل الشركات، سواء عبر تطوير الإنتاج أو تحسين الإدارة أو جذب استثمارات جديدة.

 

وأكد أن نجاح الشركات التابعة للدولة يرتبط أيضًا بوجود قوانين مرنة تسمح للإدارة بالتحرك واتخاذ قرارات اقتصادية فعالة، موضحًا أن بعض التشريعات قد تحتاج إلى تعديل حتى تتمكن هذه الشركات من العمل بصورة أكثر كفاءة وتنافسية.

 

وتابع أن الهدف النهائي يجب أن يكون تحويل الشركات المتعثرة إلى شركات رابحة، وتحويل الشركات ذات الربحية المحدودة إلى كيانات أكثر قدرة على التوسع والتفاعل داخل السوق المصري، بما ينعكس على دعم الاقتصاد الوطني وزيادة معدلات النمو والإنتاج.

 

وأضاف أن تحقيق ذلك يتطلب وجود تكامل وتنسيق بين الإدارات المختلفة، مع منح القيادات التنفيذية مساحة كافية للعمل واتخاذ القرار، بشرط وجود رقابة وتقييم مستمرين للأداء والنتائج.

 

من جانبه، قال الدكتور إلهامي الميرغني، الخبير الاقتصادي، إن واقع اختيار رؤساء الشركات المملوكة للدولة خلال السنوات الأخيرة لا يزال يعتمد على «الأسلوب التقليدي في اختيار أهل الثقة»، موضحًا أن عملية الاختيار تستند بدرجة كبيرة إلى تقارير الجهات الأمنية أكثر من اعتمادها على معايير الخبرة والكفاءة المهنية.

 

وأضاف الميرغني أن شركات القطاع العام في مصر تعاني بالأساس من غياب رؤية واضحة لدى الدولة بشأن أسباب امتلاكها لهذه الشركات، وعلاقة ذلك بتحقيق الأمن القومي والسيادة الغذائية وتوفير مستلزمات الإنتاج.

 

وأوضح أن الحكومة، بحسب وصفه، تتعامل مع العديد من شركات القطاع العام باعتبارها عبئًا يجب التخلص منه عبر التخارج والبيع، رغم ما يترتب على ذلك من آثار سلبية على الاقتصاد الوطني، مشيرًا إلى أن بيع بعض شركات الأسمدة انعكس بصورة مباشرة على ارتفاع تكلفة الزراعة المصرية.

 

وتابع أن الحكومة تتخلص أحيانًا من شركات تحقق أرباحًا كبيرة، معتبرًا أن ذلك يؤدي إلى خروج الفوائض والأرباح إلى الخارج بالعملة الأجنبية.

 

وفيما يتعلق بأثر التعيينات غير القائمة على الكفاءة، أكد أن الأزمة هيكلية وترتبط بطبيعة نشأة القطاع العام في ظل غياب الديمقراطية ومشاركة العمال والمجتمع في اختيار القيادات أو الرقابة الشعبية على أدائها.

 

وأشار إلى غياب الشفافية في إعلان شروط ومعايير اختيار القيادات التنفيذية، قائلًا إن المجتمع يفاجأ أحيانًا بتعيين شخصيات لا تتوافر معلومات واضحة حول خبراتها أو أسباب اختيارها.

 

وأضاف أن الشللية والمحسوبية أصبحتا من أبرز مشكلات بعض القيادات الحالية، موضحًا أن دوائر بعينها تسيطر على بعض المناصب رغم ضعف الكفاءة في بعض الحالات.

 

وحول دور العاملين والأجهزة الفنية في تقييم القيادات، قال الميرغني إن من الصعب معرفة ذلك بسبب سرية إجراءات التحريات والاختيار، التي تتم بعيدًا عن أي حوار مجتمعي معلن أو شفاف.

 

وأكد أن أبرز المعايير التي يجب أن تتوافر في رئيس أي شركة مملوكة للدولة تتمثل في الكفاءة الإدارية والمالية، والخبرة، والقدرة على الإدارة والابتكار وقيادة التغيير ودعم المبادرات التطويرية.

 

وعن الرقابة على أداء رؤساء الشركات، أوضح أن هناك جهات رقابية عديدة، مثل هيئة الرقابة الإدارية والجهاز المركزي للمحاسبات، إلا أن تقارير هذه الجهات تظل غير معلنة للرأي العام، ما يجعل تقييم أداء القيادات غير واضح للمجتمع.

 

وشدد الميرغني على أن حماية شركات القطاع العام من الإدارة غير المتخصصة أو القرارات القائمة على الولاء تتطلب وضع معايير واضحة للتعيين، وتوصيفًا دقيقًا للوظائف، وآليات معلنة لقياس الأداء ومحاسبة القيادات، بما يسمح للعمال والرأي العام بمتابعة الأداء بصورة مستمرة.

 

واختتم تصريحاته بالتأكيد على ضرورة اختيار قيادات تمتلك القدرة على التعامل مع أزمات الاقتصاد المصري، داعيًا إلى استبدال الاعتماد الحصري على التقارير الأمنية بآليات تقييم تقوم على الخطط والرؤى وبرامج الإصلاح والتطوير، مع وجود معايير واضحة لاختيار الأكفأ ومتابعة تنفيذ ما تم التعهد به قبل تولي المنصب.

 

اقرأ أيضًا:

 

الحكومة المصرية بين أزمات عالمية وإخفاقات داخلية

 

“داون تاون جديدة”.. خطة حكومية واستثمارات إماراتية لـ “تطوير” وسط البلد

 

رجل الأعمال الإماراتي العبار.. أمواله في مصر للاستثمار أم للاستعمار؟

 

مقالات ذات صلة