طرق كثيرة تستحدثها الدولة في مجال التعليم لإصلاحه وجعله أكثر فعالية في سوق العمل، ليأتي إعلان القوات المسلحة بإطلاق جامعة كيان بالقوات المسلحة، كأول جامعة تعمل بالصفة المدنية تحت مظلة القوات المسلحة، ويثير تساؤلات كثيرة عن جدواها ومدى أهميتها في التوقيت الراهن، خاصة وأن الدراسة بها ستبدأ اعتبارًا من دفعة أكتوبر 2026، برؤية تستهدف الجمع بين الانضباط المؤسسي والمعايير الأكاديمية الحديثة، مع التركيز على العلوم التطبيقية والتكنولوجيا والابتكار، وإعداد خريجين يمتلكون المهارات التي تتطلبها سوق العمل وخطط التنمية.
أهمية كبرى يكتسبها قرار القوات المسلحة بإطلاق أول جامعة لها، لذا أجاب الخبراء عن كل شيئ يخص هذه الجامعة، ونتائج هذا التعليم على المجتمع.
حول هذه الجامعة، قال اللواء دكتور أيمن سليمة، الخبير الاستراتيجي، إن إنشاء جامعة كيان بالقوات المسلحة يمثل خطوة مهمة نحو تقديم نموذج تعليمي متطور يجمع بين الانضباط المؤسسي وأحدث المعايير الأكاديمية العالمية، موضحًا أن الهدف الأساسي هو إعداد كوادر مؤهلة تمتلك المهارات العلمية والعملية التي تتوافق مع احتياجات سوق العمل، وتدعم توجهات الجمهورية الجديدة وخطط التنمية الشاملة للدولة.
وأضاف سليمة أن دخول القوات المسلحة مجال التعليم الجامعي المدني يحقق عائدًا استراتيجيًا واقتصاديًا ومؤسسيًا، إلى جانب أبعاد تتعلق بالأمن القومي، خاصة من خلال إعداد كوادر متخصصة في المجالات الحيوية والتكنولوجية والهندسية، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي وهندسة الطيران وغيرها من التخصصات التي أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بمتطلبات التنمية والأمن القومي.
وأشار الخبير الاستراتيجي إلى أن الجامعة يمكن أن تسهم كذلك في تعظيم الاستفادة من الإمكانات التعليمية والتدريبية المتطورة، وتحويلها إلى منظومة أكاديمية متكاملة تجمع بين الدراسة النظرية والتطبيق العملي، بما يعزز جودة مخرجات العملية التعليمية، موضحًا أن جامعة كيان جامعة مدنية وليست مؤسسة للتعليم العسكري، مؤكدًا أن الدراسة بها تستند إلى مناهج تعليمية حديثة ومتوافقة مع المعايير الدولية، فيما يتم اختيار أعضاء هيئة التدريس والهيكل الإداري والقيادات الجامعية من نخبة الكوادر الأكاديمية والخبرات من الجامعات المدنية والعسكرية، بما يضمن الاستفادة من الخبرات المتنوعة.
وأكد “سليمة” أن التعليم الجامعي في مصر بحاجة إلى التوسع في هذا النوع من المؤسسات التي تركز على التخصصات الحديثة، مشيرًا إلى أن الجامعة تستهدف المساهمة في سد الفجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات سوق العمل، من خلال تقديم برامج متخصصة وتدريب عملي يربط الدراسة بالمشروعات القومية والتطبيقات الفعلية.
ولفت “سليمة” إلى أن المرحلة الأولى من الجامعة تضم ست كليات موزعة على ثلاثة قطاعات رئيسية، هي القطاع الطبي، ويشمل كليات الطب البشري وطب الفم والأسنان والصيدلة والعلاج الطبيعي، والقطاع الهندسي الذي يضم كلية الهندسة وبرامج الإلكترونيات والقوى الكهربائية والهندسة الطبية والميكاترونيكس، إلى جانب قطاع التكنولوجيا ممثلًا في كلية الحاسبات والذكاء الاصطناعي، التي تقدم برامج علوم الحاسب وهندسة البرمجيات والأمن السيبراني وعلوم البيانات والنظم الذكية.

وشدد “سليمة” على أن تنوع هذه التخصصات يعكس توجهًا واضحًا نحو العلوم المستقبلية، خاصة أن التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني أصبحت عناصر أساسية في منظومات التنمية والأمن والاقتصاد الحديثة.
وحول شروط الالتحاق، أوضح اللواء دكتور أيمن سليمة أن الجامعة تتيح الفرصة للطلاب المصريين من الذكور والإناث للتقدم، سواء من الحاصلين على الثانوية العامة أو الثانوية الأزهرية أو الشهادات المعادلة، على أن يتم التسجيل من خلال موقع تنسيق القبول بالأكاديمية العسكرية، مع ضرورة اجتياز الاختبارات الطبية والرياضية والنفسية والمقابلة الشخصية، إلى جانب استيفاء شروط القبول والحد الأدنى المطلوب لكل كلية.
واختتم سليمة بالتأكيد على أن أهمية التجربة لا تكمن فقط في إنشاء جامعة جديدة، وإنما في بناء نموذج تعليمي يربط بين جودة التعليم والتدريب العملي والبحث العلمي واحتياجات الدولة، بما يسهم في تخريج أجيال أكثر قدرة على المنافسة ومواكبة التحولات المتسارعة في سوق العمل.
ومن الناحية التعليمية، قال الدكتور محمد خليل موسى، الخبير التعليمي، إن إنشاء جامعة كيان يمثل تجربة جديدة في منظومة التعليم العالي المصرية، موضحًا أن الأسباب المعلنة لإنشائها ترتبط بعدة أهداف، من بينها المساهمة في زيادة الطاقة الاستيعابية للتعليم الجامعي، والاستفادة من الإمكانات والبنية التحتية التعليمية والطبية المتوافرة، إلى جانب إعداد خريجين يمتلكون مهارات تطبيقية تتوافق مع احتياجات سوق العمل.
وأضاف موسى أن التركيز على تخصصات حديثة مثل الذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني والهندسة الطبية يعكس اتجاهًا نحو التوسع في المجالات التي يتوقع أن تشهد طلبًا متزايدًا خلال السنوات المقبلة، مؤكدًا أن نجاح أي تجربة تعليمية جديدة يقاس في النهاية بقدرتها على تقديم خريج يمتلك المعرفة والمهارات المطلوبة وليس بمجرد إنشاء مؤسسة تعليمية جديدة.
وحول العائد من دخول القوات المسلحة إلى مجال التعليم الجامعي، أوضح الخبير التعليمي أن الأمر يمكن النظر إليه من أكثر من زاوية، منها الجانب الاقتصادي، من خلال الرسوم الدراسية التي يمكن أن تسهم في تغطية تكاليف التشغيل والاستثمار في المنشآت التعليمية، فضلًا عن الجانب التنموي المتمثل في إعداد كوادر مؤهلة في تخصصات يحتاجها الاقتصاد المصري، والجانب المؤسسي عبر الاستفادة من الإمكانات والخبرات التعليمية والطبية المتوافرة.
وأشار موسى إلى ضرورة التمييز بين التوقعات والبيانات الرسمية، موضحًا أنه لا توجد، وفق المعلومات المتاحة، بيانات رسمية منشورة توضح بصورة تفصيلية نموذج تمويل الجامعة أو الأرباح المتوقعة منها، وبالتالي لا يمكن الجزم بحجم العائد الاقتصادي قبل ظهور نتائج فعلية وبيانات مالية واضحة.
وأكد الخبير التعليمي أن جامعة كيان، وفقًا لما أعلنته الجهات الرسمية، جامعة مدنية وليست مؤسسة للتعليم العسكري، إذ تمنح درجات جامعية مدنية، وتتيح الالتحاق للطلاب المدنيين من الجنسين، ولا تستهدف إعداد ضباط أو أفراد للعمل بالقوات المسلحة.
وفيما يتعلق بمدى احتياج منظومة التعليم المصرية إلى هذا النوع من الجامعات، قال موسى إن المسألة تحتمل أكثر من رؤية، فهناك من يرى أن الجامعة يمكن أن تضيف طاقة استيعابية جديدة، وتوفر بنية تحتية حديثة، وتركز على تخصصات مستقبلية، وتربط التعليم بالتدريب العملي، وفي المقابل، يرى آخرون أن الأولوية يجب أن تشمل أيضًا تطوير الجامعات الحكومية القائمة، وزيادة الإنفاق على البحث العلمي، وتحسين أوضاع أعضاء هيئة التدريس، وضمان المنافسة العادلة بين مختلف مؤسسات التعليم العالي.
وشدد “موسى” على أن الحكم على التجربة لا ينبغي أن يكون مسبقًا، وإنما يجب أن يستند إلى النتائج التي ستحققها الجامعة خلال السنوات المقبلة، خاصة فيما يتعلق بجودة التعليم، وكفاءة الخريجين، ومستوى البحث العلمي، وقدرتهم على الاندماج في سوق العمل، موضحا أن المرحلة الأولى من جامعة كيان تضم تخصصات في قطاعات الطب والهندسة والتكنولوجيا، وتشمل الطب البشري، وطب الفم والأسنان، والصيدلة، والعلاج الطبيعي، والهندسة، والحاسبات والذكاء الاصطناعي، إلى جانب برامج متخصصة مثل الأمن السيبراني، وعلوم البيانات والذكاء الاصطناعي، وهندسة البرمجيات، وعلوم الحاسب، والميكاترونيكس، والهندسة الطبية، والإلكترونيات والاتصالات، وهندسة الطاقة.
وحول فرص الالتحاق، أكد موسى أن الإعلانات الحالية تشير إلى إتاحة التقديم للطلاب والطالبات المدنيين، من الحاصلين على الثانوية العامة أو ما يعادلها، وفق متطلبات كل كلية، مع ضرورة اجتياز اختبارات القبول والكشف الطبي واللياقة والمقابلة الشخصية، والالتزام بالحد الأدنى للمجموع الذي يتم تحديده لكل كلية.
واختتم الخبير التعليمي بالتأكيد على أن جامعة كيان ينبغي النظر إليها باعتبارها جامعة مدنية تعمل تحت مظلة القوات المسلحة، وأن القيمة الحقيقية للتجربة ستتحدد من خلال جودة مخرجاتها وقدرتها على الجمع بين التعليم الأكاديمي والتدريب العملي، ومدى نجاح خريجيها في تلبية احتياجات سوق العمل والتخصصات المستقبلية.
من جانبه، أكد الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي وعضو مجلس النواب، أن إنشاء أكاديمية كيان العسكرية يمثل تمددًا جديدًا في سوق التعليم، في ظل دخول مؤسسة جديدة إلى سوق تنافسي، دون أن يصاحب ذلك، من وجهة نظره، تطبيق المعايير التعليمية ذاتها التي يخضع لها المنافسون داخل هذا السوق.
وأضاف “فؤاد” أنه يؤكد احترامه الكامل للدور الذي تقوم به القوات المسلحة المصرية على الصعيدين الداخلي والخارجي، وكذلك دورها التنموي وإسهاماتها في مساندة الدولة ومواكبة متطلبات المرحلة، إلا أن دخولها إلى سوق التعليم، بحسب رأيه، يستلزم وضع معايير وضوابط خاصة، مع ترك تقييم هذا المجال للجهات والمؤسسات المعنية بالتعليم.
وتابع الخبير الاقتصادي أن فلسفة الجامعات المصرية كانت لعقود تمثل إحدى الأدوات الرئيسية للدولة في تحقيق تكافؤ الفرص، إلا أنها أصبحت، تحت وطأة الضغوط الاقتصادية، تسير في مسار مختلف يتمثل في التوسع في استقبال الطلاب الوافدين من الخارج بهدف توفير العملة الصعبة، موضحا أن هذا التوجه أدى، من وجهة نظره، إلى تقليص المساحة المتاحة أمام الطلاب المصريين، وهو ما انعكس على جودة العملية التعليمية، مؤكدًا أن التوسع في هذا المسار يفرض أعباء إضافية على منظومة التعليم الجامعي الحكومي.
وأشار الخبير الاقتصادي وعضو مجلس النواب إلى أن أي توسع جديد في منظومة التعليم، إذا لم يكن منظمًا ضمن رؤية موحدة وقواعد واضحة، قد يؤدي إلى زيادة الأعباء الواقعة على وزارة التعليم العالي، محذرًا من تراكم مؤسسات ومسارات تعليمية متوازية تخضع لقواعد واختيارات مختلفة، بما قد يجعل المنظومة التعليمية في النهاية عبئًا على نفسها.
وشدد عضو مجلس النواب على أن المؤسسة العسكرية تحظى بكل الاحترام والتقدير، مؤكدًا أن حديثه لا ينتقص من دورها أو مكانتها، لكنه يرى أن دخولها مجال التعليم الجامعي في الوقت الحالي لا يمثل، من وجهة نظره، إضافة حقيقية إلى هذا القطاع، وإنما قد يمثل عبئًا جديدًا يضاف إلى الأعباء القائمة على منظومة التعليم الجامعي في مصر.
واختتم الدكتور محمد فؤاد تصريحاته بالتأكيد على أن احترام الدور الوطني والتنموي للقوات المسلحة لا يتعارض مع طرح رؤية نقدية بشأن دخولها إلى مجالات جديدة، مشيرًا إلى أن لكل قطاع تخصصه، وأن تطوير التعليم الجامعي يحتاج إلى معالجة التحديات القائمة داخل المنظومة قبل التوسع في إضافة مسارات ومؤسسات جديدة إليها.
اقرأ أيضًا:
اتحاد التزكية.. هيمنة “طلاب من أجل مصر” على الانتخابات الجامعية
بيزنس الجامعات الخاصة.. ما الهدف من السياسة التعليمية الحالية؟
الرئيس المصري يجتمع بوزير التعليم الجديد ورئيس الاكاديمية العسكرية.. لماذا؟



