سياسة

مصر بين فخ الفقر المائي وتعنت إثيوبيا.. ما خيارات الدولة لمواجهة الأزمة؟

تصريحات كثيرة يُطلقها المسؤولون عن أمن مصر المائي وحصتها المائية من مياه النيل بين الحين والآخر؛ بعضها يثير جدلًا وقلقًا، والآخر يطرح تساؤلات مهمة عن آلية الدولة في التعامل مع الفقر المائي التي تمر به البلاد بالتزامن مع بناء إثيوبيا سدودًا كثيرة بعد سد النهضة، وهو ما يؤثر على كمية المياه التي تصل إلى دولتي المصب “مصر والسودان”.

 

رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، قال خلال افتتاحه عدة مشروعات خدمية وتنموية بمحافظة الجيزة إن الدولة تواجه تحديًا كبيرًا يتمثل في الزيادة السكانية المستمرة مقابل ثبات حصة مصر من مياه النيل، ما يفرض ضرورة التوسع في استصلاح الأراضي وتعظيم الاستفادة من الموارد المائية المتاحة، مضيفًا أن الدولة أنفقت مئات المليارات من الجنيهات على إنشاء وتطوير محطات معالجة الصرف الزراعي والصحي بتقنيات المعالجة الثلاثية المتقدمة، بهدف إعادة استخدام المياه والاستفادة من كل قطرة مياه لدعم خطط التوسع الزراعي وتحقيق الأمن الغذائي.

 

زيادة سكانية ونقص مياه

 

وحول هذه التصريحات، قال الدكتور عباس شراقي أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بكلية الدراسات الإفريقية العليا، إن تصريحات دكتور مصطفى مدبولي رئيس مجلس الوزراء الخاصة بحصة مصر المائية لم تكن مغلوطة؛ وإنما هي صحيحة بنسبة مائة بالمائة، مؤكدًا أنه منذ بناء السد العالي، بل وقبل ذلك، تحديدًا منذ عام ١٩٥٩، تحصل مصر والسودان على ٨٥ مليار متر مكعب مياه سنويًا من نهر النيل، وجرى الاتفاق بين الدولتين على أن تكون حصة مصر ٥٥ ونصف مليار متر مكعب مائي، بينما تحصل السودان على ١٨ مليار متر مكعب، و١٠ مليارات متر مكعب يتم تبخرها في بحيرة ناصر.

 

وأكد أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية أن النسبة وإن زادت أكثر قليلًا أو قلت حسب موسم الفيضان، فإن المتوسط لا يزيد عما ذكره دكتور مدبولي، كما أن كمية المياه ثابتة بالنظر إلى الزيادة السكانية الهائلة التي تعيشها مصر حاليًا.

 

وقارن شراقي بين تعداد السكان في مصر وقت بناء السد العالي، والذي كان يمثل ٣٠ مليون نسمة، مقارنة بالوقت الحالي، والذي يصل إلى ١١٠ ملايين نسمة، مع ثبات كمية المياه، وهو ما يمثل أزمة كبيرة وفجوة بين الاستهلاك المائي وتوفير الماء للزراعة من أجل تأمين الأمن الغذائي، مشددًا على أن أزمة مصر في توفير مياه للزراعة وليس في مياه الشرب.

 

وأوضح أستاذ الموارد المائية أن مصر تسعى للاستغلال الأمثل لتلك المياه عبر أكثر من طريقة، وليس زيادة حصة مصر من المياه، حيث كان من المفترض إنشاء قناة جونقلي في السودان، وذلك لزيادة التوفير في المياه المهدرة من التبخر والفيضان، كما أنه في السنوات الماضية كان يتم تحديد المحاصيل الأقل استخدامًا للمياه، بجانب أن طريقة الري وقتها كانت بالغمر فقط، أما الآن فهناك اختلاف جذري، حيث إن ما تسعى له الحكومة المصرية هو استغلال الحصة المائية، ومع تطور طرق الري أيضًا، لإعطاء كفاءة أعلى كما وصفها، ومثال على ذلك إذا كان يتم زراعة ٤٠ فدانًا بـ٤٠ مترًا مكعبًا من الماء، فإنه يجب أن يتم زراعة ٨٠ فدانًا بهذه الكمية، بجانب اختيار البذور الإنتاجية المناسبة لزيادة الإنتاجية، كما تحاول الحكومة المصرية العمل بآلية عبر إعادة استخدام مياه الري مرة أخرى وتطوير طرق الري.

 

تضارب التصريحات

 

وحول تضارب التصريحات حول حصة مصر، أكد أستاذ الموارد المائية أن بيانيًا وعمليًا حصة مصر المائية لم تتغير، خاصة مع عدم إنشاء مشروعات تهدف لزيادة الحصة بالتعاون مع دول منبع النيل، وأنه يجب زيادتها من المنبع، حتى يتم زيادة الرقعة الزراعية.

 

وحول أزمة سد النهضة، أكد دكتور عباس شراقي أنه منذ افتتاح السد في سبتمبر الماضي لا توجد أي خطوات أو تنسيق بين إثيوبيا ودول المصب مصر والسودان، كما أن الوضع متجمد عند تلك النقطة، وتوربينات السد لا تعمل بكفاءة عالية، وخاصة أن المياه خلف السد لم تقل بالتزامن مع بداية موسم الأمطار الشهر القادم.

 

وحول إنشاء سدود جديدة في إثيوبيا، كشف أن الحكومة الإثيوبية تمتلك مخططات لبناء أكثر من سد، ولكن ليس هناك خطوات فعلية على أرض الواقع، إنما إعلان فقط عن النية، مؤكدًا أن الخطة لديهم بناء ٣ سدود، وهي ضمن خطة فعلية، ولكن خطوات التنفيذ تختلف، حيث لا يوجد حتى الآن أي مناقصات أو إعلان عن شراكات لبناء سدود أخرى خاصة.

 

من جانبه، قال الدكتور رمضان قرني، خبير الشؤون الأفريقية، إن بناء سد النهضة له توابع كثيرة في تحديد نسبة مصر من المياه وتحجيمها أكثر من المعتاد أو زيادتها، والأرقام الفعلية تحتاج إلى دراسة، رغم التصريحات الحكومية المطمئنة، ولكن التصريحات هنا ليست للرأي العام المصري فقط، فهي قضية شائكة نظرًا لأن تصريحات رئيس الوزراء غالبًا ما تُوجَّه للرأي العام الأفريقي والعالمي، بالأخص فيما يتعلق بأزمة المياه وسد النهضة.

 

وأضاف خبير الشؤون الأفريقية أنه طبقًا لتحليلات البيانات، فإن خسارة مصر لمليار متر مكعب من المياه تعني خسارة ٢٩٠ ألف مواطن لمصدر رزقهم في الزراعة، بجانب خسارة ١٣٠ ألف هكتار من الأراضي الزراعية، والخسارة الأكبر زيادة واردات مصر من المنتجات الزراعية بقيمة ١٥٠ مليون دولار، وعمليًا خسارة ٤٣٠ مليون دولار من الإنتاج الزراعي على المستوى الكلي.

 

 

قرارات إثيوبيا الأحادية

 

وتابع الدكتور رمضان قرني أن الأزمة الحقيقية تتمثل في أن مستوى نصيب الفرد من المياه يقترب من الندرة الفعلية مقارنة بين الحصة المائية وعدد السكان، في ظل الأزمات العالمية من جائحة كورونا والحروب بين روسيا وأوكرانيا، والتي ستؤثر بالطبع على حصة مصر من الغذاء والماء.

 

وحول أزمة سد النهضة، قال قرني إن القيادة السياسية في مصر أخذت ردود أفعال كبيرة، خاصة بعد رفضها سياسات الجانب الإثيوبي وانسحابها من المفاوضات، كما أن مصر نجحت في كسب الدعم السياسي على أكثر من سياق عربي وأفريقي، بجانب الدعم الأوروبي سياسيًا واقتصاديًا، وهو ما يمثل قوة، ومع تصريحات الجانب الأمريكي متمثلة في الرئيس دونالد ترامب، والتي انتقدت بشكل واضح السياسة الأمريكية الداعمة لبناء سد النهضة، وهناك تنسيق ودعم كبير وخاص بين مصر والسودان حول أزمة سد النهضة، والذي يمثل الاصطفاف في مواجهة تلك الأزمة.

 

وواصل خبير الشؤون الأفريقية أن مصر نجحت على كل الأصعدة في تلقي دعم من جانب دول كبرى مثل روسيا والصين، أحد ممولي بناء السد، بجانب دول أوروبية وأجنبية كبرى، وهو ما يمثل قوة ضغط تحتاجها مصر من أجل مواجهة التحديات الإثيوبية، مشددًا على أنه هناك احتمالية للبحث عن آلية توافقية لحل أزمة سد النهضة، وذلك بعد استقرار الوضع عقب الانتخابات التي تعقد خلال الفترة الحالية، والتي قد تكون طوق النجاة في ظل الأزمات المتلاحقة بين إثيوبيا ودول الجوار والمتمثلة في إريتريا والسودان والصومال، وأن الطرق الدبلوماسية هي الحل لتلك الأزمة، وذلك لحاجتها إلى تحسين صورتها السياسية كدولة صانعة للسلام، خاصة بعد مخالفتها مواثيق الاتحاد الأفريقي واعترافها بإقليم صوماليا الانفصالي، وهو ما يمثل حجر الزاوية في زيادة الضغط على إثيوبيا ومطالبة مصر بسحب مقر الاتحاد الأفريقي من هناك.

 

واختتم رمضان قرني تصريحاته بأن مصر تحتاج إلى طرح القضية في كافة المحافل الدولية، وذلك لزيادة الضغط، وبخاصة الرأي العام الأفريقي، كما لا بد من استحداث طرق جديدة وحث الرأي العالمي والأفريقي على أن قرارات الجانب الإثيوبي الأحادية ستتسبب في أزمة كبيرة، وهي قضية وجود حول حصة مصر من مياه النيل.

 

تعنت إثيوبي

 

من جانبه، قال إسلام فكري، الباحث في الشؤون الأفريقية، إن حصة مصر من المياه منذ عقود كانت تكفي سكانها، أما الآن فمع تضخم عدد السكان ووصول عدد المواطنين إلى أكثر من مائة وعشرين مليون نسمة، باتت المياه لا تكفي هذا العدد الهائل من المصريين واحتياجاتهم من الطعام والاستخدامات التي تكون المياه عنصرًا رئيسًا بها، لذا ربما تتجه مصر خلال الفترة المقبلة إلى المجتمع الدولي للمطالبة بحصة أكبر من حصتها المائية الحالية، في ظل تعنت إثيوبي واضح ونية في إنشاء عدد آخر من السدود.

 

وأكد الباحث في الشؤون الأفريقية أن هناك أساليب يجب أن تلجأ إليها مصر الفترة المقبلة لتوفير المياه، منها الري بالغمر، وترشيد الاستهلاك مثل تحلية مياه البحر ومعالجة المياه، مقترحًا لجنة أزمة لإدارة ملف المياه في مصر سواء على المستوى الدولي والإقليمي أو المستوى المحلي من ترشيد مياه وأساليب جديدة للتوعية بتوفير المياه.

 

اقرأ أيضًا:

 

السفير جمال بيومي: مصر قدمت عرضاً لبناء سد النهضة

 

إثيوبيا ومسلسل سد النهضة.. هل لمصر خيارات قانونية تنقذ حصتها من المياه؟

 

بعد تصريحات مدبولي عن خسائر قناة السويس.. هل هناك نية لتأجيرها أو بيعها؟

 

 

مقالات ذات صلة