مناورات عسكرية موسعة نفذها الجيش المصري مؤخرًا قرب الحدود المصرية مع قطاع غزة، أثارت قلق إسرائيل وأقلقت مضاجع القيادة الإسرائيلية، بمشاركة عدد من تشكيلات القوات المسلحة، وهدفت إلى اختبار سرعة الانتشار والتحرك للقوات في المناطق الحيوية، ورفع مستوى التنسيق بين الأفرع الرئيسية (البرية، الجوية، البحرية، والدفاع الجوي).
وأكدت مصر أن هذه المناورات تأتي في إطار استراتيجية تعزيز الجاهزية القتالية ورفع كفاءة القوات المسلحة، ونفذها الجيش المصري بالقرب من المناطق الحدودية، وحملت في طياتها رسائل واضحة تتعلق بالردع، وحماية الأمن القومي، والاستعداد لمختلف السيناريوهات المحتملة في ظل بيئة إقليمية معقدة ومتغيرة.
وحول طبيعة المناورات وأهدافها، أكد مصدر عسكري مسؤول بشمال سيناء، أن المناورات العسكرية التي أجراها الجيش المصري في المنطقة الحدودية برفح المصرية، وعلى مقربة من خط الحدود مع قطاع غزة لنحو 100 متر، جاءت ضمن خطة التدريب القتالي السنوية للقوات المسلحة.
وأوضح المصدر العسكري أن المناورات هدفت إلى: اختبار سرعة الانتشار والتحرك للقوات في المناطق الحيوية، ورفع مستوى التنسيق بين الأفرع الرئيسية (البرية، الجوية، البحرية، والدفاع الجوي).
وحسب المصدر، فإن المناورات العسكرية للجيش المصري في رفح مثلت محاكاة لسيناريوهات واقعية لتهديدات تقليدية وغير تقليدية، بما في ذلك العمليات الحدودية ومكافحة التسلل، وهدفت أيضًا إلى التأكد من جاهزية منظومات القيادة والسيطرة في إدارة العمليات المشتركة. كما ركزت التدريبات على التعامل مع التهديدات متعددة الأبعاد، بما يشمل الحرب غير النظامية، والهجمات المفاجئة، وتأمين خطوط الإمداد.
وشهدت المناورات العسكرية التي نفذها الجيش المصري بالمنطقة الحدودية مع غزة مشاركة واسعة من تشكيلات القوات المسلحة، أبرزها: قوات المنطقة المركزية والشمالية بوحدات مدرعة ومشاة ميكانيكي، القوات الجوية التي نفذت طلعات استطلاع وهجوم جوي ودعم قريب، وقوات الدفاع الجوي التي قامت بتأمين المجال الجوي عبر منظومات صاروخية متطورة.
كما شارك بالمناورات عناصر من القوات الخاصة (الصاعقة والمظلات) لتنفيذ عمليات نوعية خلف الخطوط، والقوات البحرية في بعض مراحل التدريب، خاصة المتعلقة بتأمين السواحل وخطوط الإمداد.
وفيما يتعلق بالأسلحة والمعدات المستخدمة، اعتمدت المناورات على مزيج من الأسلحة التقليدية والحديثة، بما يعكس التطور في تسليح الجيش المصري، ومن أبرزها:
دبابات القتال الرئيسية مثل M1A1 أبرامز المطورة محليًا، مركبات مدرعة حديثة وناقلات جنود متعددة المهام، وطائرات مقاتلة متعددة المهام نفذت ضربات دقيقة على أهداف افتراضية.
كما شاركت بالمناورات العسكرية طائرات بدون طيار لأغراض الاستطلاع وتحديد الأهداف، ومنظومات دفاع جوي بعيدة وقصيرة المدى للتصدي لأي تهديدات جوية، ووحدات حرب إلكترونية للتشويش والسيطرة على الاتصالات المعادية.
وتضمنت المناورات العسكرية للجيش المصري تنفيذ عدة مراحل، بدأت بالاستطلاع وجمع المعلومات، مرورًا بالتمهيد النيراني، وانتهاءً بالهجوم والسيطرة على الأهداف. كما تم تدريب القوات على: صد هجوم مفاجئ عبر الحدود، تنفيذ عمليات إبرار جوي وبحري، التعامل مع أهداف متحركة وثابتة في بيئات مختلفة، وتأمين المناطق الحيوية ومنع التسلل أو التهريب.
وأكد المصدر العسكري أن هذه المناورات حملت عدة رسائل استراتيجية، أهمها: تعزيز الردع، من خلال التأكيد على قدرة القوات المسلحة على حماية الحدود والتعامل مع أي تهديد؛ وجاهزية عالية، بإظهار مستوى متقدم من التنسيق والتكامل بين الأفرع المختلفة؛ وطمأنة داخلية، بتأكيد استقرار الوضع الأمني وقدرة الدولة على حمايته.
بالإضافة إلى إرسال رسائل خارجية، من بينها توجيه إشارات واضحة للأطراف الإقليمية بأن مصر تراقب التطورات وتملك القدرة على التحرك السريع والحاسم.
وحسب المصدر، فإنه يأتي تنفيذ هذه التدريبات في توقيت يشهد توترات إقليمية متصاعدة، خاصة في مناطق الجوار، ما يعزز أهمية الاستعداد العسكري ورفع درجة التأهب تحسبًا لأي تداعيات قد تؤثر على الأمن القومي المصري.
وأوضح الخبير العسكري الاستراتيجي، عماد الدين عبد الرحمن، أن المناورات الأخيرة للجيش المصري تعكس نهجًا احترافيًا قائمًا على الاستعداد المستمر، وتطوير القدرات القتالية، ومواكبة التحديات الحديثة. كما تؤكد أن المؤسسة العسكرية تمضي بخطى ثابتة نحو تعزيز قوتها الشاملة، بما يضمن الحفاظ على استقرار الدولة وحماية حدودها في مختلف الاتجاهات الاستراتيجية.
وقال الباحث في العلوم السياسية والعسكرية يوسف أبو جرير إن تخوّف إسرائيل من المناورات العسكرية المصرية قرب الحدود لا يرتبط بسبب واحد فقط، بل بمجموعة من العوامل العسكرية والسياسية المتشابكة، خاصة في ظل حساسية منطقة شبه جزيرة سيناء وقربها من قطاع غزة.
ولفت أبو جرير إلى أن المناورات أثارت قلق إسرائيل نظرًا لحجم ونوعية القوات المشاركة، حيث كانت المناورات واسعة النطاق وتضم قوات برية ومدرعات ومدفعية، وربما عناصر جوية، فإن ذلك يُفسَّر في الجيش الإسرائيلي كإظهار لقدرات قتالية متقدمة، وليس مجرد تدريب روتيني.
وأكد الباحث أن القرب الجغرافي من الحدود كان أحد أهم عوامل قلق إسرائيل، لأن أي نشاط عسكري مصري بالقرب من الحدود المشتركة أو معبر معبر رفح يُنظر إليه بحذر شديد، لأن هذه المنطقة تُعد نقطة تماس مباشرة مع الأمن الإسرائيلي، خصوصًا في ظل الحرب أو التوتر في غزة.
وأشار أبو جرير إلى أن التوقيت يلعب دورًا مهمًا؛ فمع استمرار التوتر في غزة، تخشى إسرائيل من أي تحركات قد تُفهم كإعادة تموضع استراتيجي أو استعداد لسيناريوهات طارئة (مثل تدفق لاجئين أو تصعيد عسكري).
وقال الباحث في الشؤون الإسرائيلية سليم حسان إن الرسائل السياسية غير المباشرة لتنفيذ مثل هذه المناورات أحيانًا تُستخدم كـ”رسالة ردع” أو تأكيد سيادة، خصوصًا إذا تزامنت مع تصريحات سياسية أو تحركات دبلوماسية.
فيما أفادت وسائل إعلام إسرائيلية أن الأجهزة الأمنية، خاصة داخل وزارة الدفاع الإسرائيلية، تابعت المناورات لحظة بلحظة عبر الأقمار الصناعية ووسائل الاستطلاع، مؤكدة أن إسرائيل حرصت على تجنب التصعيد الإعلامي خلال التصريحات الرسمية التي في الغالب كانت مطمئنة أو تؤكد “متابعة الوضع” دون اتهامات مباشرة لمصر.
يأتي هذا بالرغم من وجود تسريبات إعلامية بديلة للبيانات الرسمية، حملت كثيرًا من القلق الذي ظهر عبر تقارير صحفية في وسائل إعلام إسرائيلية، تشير إلى “قلق أمني” أو “مراجعة الترتيبات العسكرية في سيناء”، دون إعلان موقف سياسي حاد.
فيما أكد الباحث سليم حسان أن: “القلق الإسرائيلي ليس بالضرورة دليلاً على توقع صدام، بل هو انعكاس لحساسية المنطقة وأهمية أي تحرك عسكري فيها، وفي الوقت نفسه، تحافظ العلاقات بين مصر وإسرائيل على مستوى من التنسيق يمنع تحول هذا القلق إلى أزمة حقيقية”.
اقرأ أيضًا:
مصر تدفع بـ40 ألف جندي إلى سيناء تحسبًا لموجات نزوح من غزة
“عشائر سيناء” تنتفض لإنقاذ غزة.. ما القصة؟
تفاصيل خطة سرية بين ترامب ونتنياهو بشأن سيناء.. هل تُنفّذ خطة التهجير؟



