ذا سباين.. المشروع العقاري الأكبر في مصر، استطاع منذ اليوم الأول لطرحه أن يثير علامات استفهام كبرى، سواء من خلال الأسعار الباهظة، أو ترويج الدولة له في وقت تعاني فيه مصر من أزمة اقتصادية كبيرة، ما دفع خبراء الاقتصاد إلى طرح تساؤلات عديدة، لعل أبرزها: ما جدواه الاقتصادية؟ ولماذا الآن؟
وبين الآراء المؤيدة للمشروع وتلك المعارضة له، يبقى ذا سباين نموذجًا يعكس التحديات المصاحبة لمشروعات التنمية الكبرى، خاصة في ظل تداخل الأبعاد الاقتصادية والتخطيطية مع أولويات المواطن اليومية.
وحول هذا المشروع، قال الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي وعضو مجلس النواب ورئيس الكتلة البرلمانية لحزب العدل، إن مشروع ذا سباين لم يثر الجدل بسبب فكرته المعمارية، بل بسبب حجمه وتوقيته وسياق إطلاقه، مضيفًا أن المشروع الذي نحن بصدده تبلغ حجم استثماراته نحو 1.4 تريليون جنيه، وهو رقم يضعه تلقائيًا في فئة المشروعات التي لا تُقرأ كاستثمار عقاري فقط، بل كإشارة إلى اتجاه تخصيص الموارد داخل الاقتصاد.
وأوضح رئيس الكتلة البرلمانية لحزب العدل أن سبب إثارة هذا المشروع للجدل هو أن استثمارًا بهذا الحجم يأتي في توقيت يعاني فيه السوق من قيود السيولة الدولارية وضغوط على العملة، مشيرًا إلى أن ذلك يدفعنا لطرح سؤال مباشر:
هل يتم توجيه التمويل، حتى لو كان عبر قنوات خاصة، نحو أصول طويلة الأجل منخفضة الإنتاجية النقدية، بدلًا من قطاعات مولِّدة للعملة الأجنبية؟
وأكد عضو مجلس النواب أنه طبقًا لما يتم طرحه، خاصة على مستوى التسعير، فإن المشروع يخرج بوضوح عن النطاق التقليدي للسوق، فبينما تتحرك معظم المشروعات بين 40 إلى 80 ألف جنيه للمتر، وتصل المشروعات الفاخرة إلى حدود 150 ألف جنيه، فإن المشروع يصل إلى 250 ألف جنيه للمتر، وهذا ليس مجرد ارتفاع سعري، بل إعادة تعريف للفئة المستهدفة، موضحًا أن هذا المنتج ليس سكنًا، بل أداة لحفظ القيمة.
وشدد عضو مجلس النواب على أن اهتمام الدولة بالمشروع مفهوم من زاوية التموضع الاستثماري، ففي ظل سعي الحكومة إلى جذب استثمارات كبيرة، يعطي المشروع إشارة إيجابية للأسواق، مؤكدًا أن الفئة المستهدفة لمشروع بهذا الحجم محددة بوضوح، وهي شريحة الثروة العليا، سواء محليًا أو إقليميًا، ممن يبحثون عن أصول تحافظ على القيمة في بيئة تضخمية، وهو ما يفسر طبيعة المنتج، ومستوى التشطيب، ونموذج التسعير، لكنه في الوقت ذاته يضع المشروع خارج أي نقاش متعلق بالإسكان أو الطلب الجماهيري، ويؤكد أنه منتج استثماري بحت.
وعن موعد وتوقيت طرح المشروع، يرى الخبير الاقتصادي أن توقيت الطرح عنصر حاسم في تفسير الظاهرة، خاصة في بيئة يشهد فيها الجنيه تراجعًا، حيث تتحول سلوكيات المستثمرين سريعًا نحو الأصول الصلبة مثل الذهب والعملات الأجنبية والعقارات عالية الجودة، فتكمن الاستفادة من مشروع «ذا سباين» بوضوح في اعتباره أحد أدوات التحوط ضد انخفاض العملة، لكن في المقابل، فإن هذا النوع من الطلب لا يضيف سيولة دولارية جديدة، بل يعيد تدوير المدخرات المحلية داخل أصول مُسعَّرة فعليًا.
واختتم الدكتور محمد فؤاد، الخبير الاقتصادي ورئيس الكتلة البرلمانية لحزب العدل بمجلس النواب، بأن الخلاصة التنفيذية هي أن المشروع ناجح من منظور التسويق والتموضع، لكن هناك تساؤلًا أعمق يجب طرحه: هل نحن أمام استثمار يخلق قيمة اقتصادية مضافة، أم أمام إعادة توزيع للثروة داخل أصول عقارية مرتفعة السعر؟ مؤكدًا أن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كان المشروع جزءًا من الحل، أم انعكاسًا لمشكلة أوسع في هيكل الاقتصاد.

في المقابل، أكد الدكتور ياسر حسان، الخبير الاقتصادي، أن مشروع ذا سباين أثار جدلًا كبيرًا في مصر خلال الفترة الأخيرة، وذلك لعدة أسباب، أهمها المبالغة في حجم المشروع، ومشاركة الحكومة في تسويق المشروع على لسان رئيس الوزراء، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الوحدات.
وأضاف أنه لا يوجد اختلاف جوهري في المشروع عن باقي المشروعات، إلا بالقدر الذي تم تسويقه به، خاصة أن المساحة الفعلية للمشروع تبلغ نحو 500 فدان، وهي مساحة مشروع متوسط الحجم، في المقابل فإن القيمة السعرية للمشروع مرتفعة بدرجة كبيرة، ما جعل بعض خبراء العقارات يرون أن تلك الأسعار ربما تتماشى مع السوق بعد عشر سنوات من الآن، وليس في التوقيت الحالي.
وأشار ياسر حسان إلى أنه من غير المفهوم أو المبرر اهتمام الحكومة بالمشروع إلى هذه الدرجة، إلا إذا كانت الدولة مساهمة فيه بطريقة ما، موضحًا أن النقطة الجديدة الوحيدة في المشروع تتمثل في التعامل معه كمنطقة استثمارية حرة، على غرار الموجودة في دبي، مع وجود اختلافات جوهرية، إذ إن المناطق الحرة وحدها ليست العامل الذي يجذب الشركات العالمية، بل إن قوانين التجارة والاستثمار والتسهيلات الحكومية والضرائب هي الأساس، وليس فقط إنشاء المباني والأبراج وناطحات السحاب.
وشدد حسان على أن الفئة المستهدفة من هذا المشروع ربما تكون في أغلبها من المصريين المقيمين بالخارج أو من غير المصريين، رغم وجود بدائل بأسعار أقل وقريبة من نفس المشروع، مؤكدًا أن توقيت المشروع ساهم بالفعل في إثارة الرأي العام، مع ارتفاع تكاليف المعيشة والانخفاض الجديد في سعر الجنيه المصري، ليأتي مستثمر ويقدم مشروعًا عقاريًا غير إنتاجي بأسعار غير مسبوقة، مدعومًا بأرقام معلنة يرى البعض أنها تتضمن قدرًا كبيرًا من المبالغة، إلى جانب الدعم الحكومي.
واختتم الدكتور ياسر حسان تصريحاته بالتأكيد على أن مثل تلك المشروعات تقف حائلًا بين ما تفعله الحكومة وما يحتاجه المواطن العادي.
وفي السياق ذاته، قال النائب مصطفى الشبراوي، عضو مجلس الشيوخ لحزب مستقبل وطن وأحد أبرز المطورين العقاريين، إن سبب الضجة التي أثارها «ذا سباين» هو «الحجم والامتيازات» التي حصل عليها المشروع، خاصة أنه ليس مجرد عمارات سكنية، بل «منطقة استثمارية خاصة»، وهو ما يعني أن الدولة منحته تسهيلات قانونية وجمركية استثنائية ليتحول إلى مركز تجاري وإداري عالمي، على غرار المناطق الحرة.
وأضاف أن هذا النوع من المشروعات يثير النقاش دائمًا، لأنه يُطبق لأول مرة بهذا الحجم الضخم، حيث تصل تكلفة تنفيذه إلى استثمارات تُقدَّر بنحو 1.4 تريليون جنيه.
وعدّد الشبراوي مميزات مشروع ذا سباين، مؤكدًا أن أبرز ميزة فيه ليست رخص السعر بل سهولة الدفع، حيث تم الإعلان عن أطول مدة تقسيط في مصر، وهي المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك في مشروع تطوير عقاري، إذ تصل مدة التقسيط إلى 15 سنة، إلى جانب إمكانية البدء بمقدم 1.5% فقط.
وشدد الشبراوي على أن القائمين على المشروع نفذوا فكرة ذكية في ظل التضخم، حيث يتم سداد قسط «ثابت» لمدة 15 سنة، بينما تنخفض قيمة الجنيه وترتفع قيمة العقار، ما يجعل الاستثمار رابحًا للغاية على المدى الطويل.
وواصل عضو مجلس الشيوخ تصريحاته بأن الدولة سيكون لها استفادة كبيرة، ليس بصفتها «بائعًا»، بل باعتبارها «شريكًا ومستفيدًا»، حيث ستكون هناك ضرائب ضخمة يضخها المشروع، قد تتجاوز 800 مليار جنيه لصالح الدولة، بجانب توفير فرص عمل للشباب، إذ يستهدف المشروع توفير ما لا يقل عن 155 ألف فرصة عمل.
وعلى صعيد دعم العملة المصرية، قال الشبراوي إن المشروع مصمم لجذب شركات عالمية ومستثمرين من الخارج، بما يعني دخول عملة صعبة إلى السوق المصرية، مؤكدًا أن المشروع يستهدف الجميع، لكنه يركز بشكل خاص على الشركات الكبرى التي تبحث عن مقرات ذكية داخل مصر، تعمل كمنطقة حرة استثمارية.
وحول استفادة المواطن العادي، أكد الشبراوي أن هناك عددًا من المواطنين الذين يرغبون في تأمين مدخراتهم داخل عقار مضمون، دون الضغط على أنفسهم بأقساط قصيرة المدى، وهو ما يمثل وسيلة إضافية للحفاظ على قيمة المدخرات في صورة عقارية.
وأشار إلى أن توقيت طرح المشروع كان ذكيًا وليس عشوائيًا، ففي أوقات الأزمات المالية يهرب الناس من العملة الورقية إلى الأصول الثابتة، لأن العقار في مصر يُعد الذهب العقاري، والمشروع يقدم فرصة لمن يريد حماية أمواله من التضخم، من خلال نظام سداد مريح لا يشكل عبئًا شهريًا كبيرًا.
اقرأ أيضًا:
علاقة الاستثمارات الأجنبية وسيطرتها علي السوق العقاري المصري
رجل الأعمال الإماراتي العبار.. أمواله في مصر للاستثمار أم للاستعمار؟
مخاوف من تمدد الاستثمارات الخليجية بمصر.. وخبير يقترح الحل



