كان أهالي حي ميناء العريش البحري يعيشون حياة طبيعية هادئة في بيوتهم مع أسرهم وذويهم، والذين تكبدوا المتاعب والمشقة خلال مسيرة حياتهم في جمع المال لبناء بيوتهم وعماراتهم بهذا الشكل النهائي. ويُعَد حي الميناء من أرقى أحياء العريش قاطبة، إذ يقع على ساحل البحر المتوسط مباشرة، لكن الأحلام انتهت هنا، والمستقبل توقّف عندما صدر قرارٌ جمهوري سنة 2021 بإقرار توسعة ميناء العريش البحري، ما قلب حياتهم رأسًا على عقب، وبدت أن بوابة الجحيم قد فُتحت خصيصًا لهم.
وأهالي حي ميناء العريش معظمهم من المحافظات المصرية الأخرى، قدموا إلى المحافظة بعد استلام مدينة العريش من الاحتلال الإسرائيلي بعد حرب 1973م، وذلك في 26 مايو 1979م، إذ بعدها صدرت قرارات حكومية بالعودة إلى سيناء وتفعيل مبادرة توطين عدد كبير من أبناء المحافظات الأخرى، بتسليمهم تكليفات وانتداب عمل من مصالحهم الحكومية التي يعملون بها في محافظاتهم إلى شمال سيناء، واعتبار منطقة سيناء ضمن المناطق النائية التي تمنح الموظفين الحكوميين فيها علاوات ومبالغ مالية إضافية ودرجات وظيفية أسرع، بالمقارنة مع موظفي المحافظات الأخرى، الأمر الذي أغرى الكثير من الموظفين، حسبما أفاد مصدر حكومي رفيع بالمعاش عاش تلك الفترة.
لكن العريش وسيناء لهما مفعول السحر على كل من يعيش عليهما، رغم بساطة الحياة وافتقار الموارد وأشياء كثيرة، إلا أن معظم الناس الذين عملوا بهما لم يتركوها وقرروا استكمال ما تبقى من أيام حياتهم فيها، إذ حدث بينهم وبين عائلات سيناء نسب وصهر.
وتعود البداية والقصة الأولى إلى أنه صدر قرارٌ جمهوري رقم 330 لسنة 2019، نصَّ على اعتبار ميناء العريش البحري ومحيطه من أعمال المنفعة العامة. وفي عام 2021م صدر القرار الجمهوري رقم 465 بنقل تبعية الميناء إلى القوات المسلحة، وشمل القرار زيادة المساحات المخصصة لميناء العريش البحري.
ووفقًا لأحاديث وروايات من أهالي حي الميناء، فإن هذه القرارات أحدثت وقت صدورها غضبًا واسعًا لدى الأهالي، لأنه جرى التعامل معهم بشكل غير لائق، لدرجة أن عددًا من الأهالي تقدموا ببلاغات رسمية إلى قسم الشرطة ضد محافظة شمال سيناء بسبب التجاوزات التي تمت ضدهم خلال مراحل التنفيذ الأولى، وصرخ الناس بعدها بأعلى صوتهم قائلين: (أنقذنا يا ريس).

وبالفعل، بعد هذا القرار، بدأت الإزالات للمباني الأولى القريبة من محيط الميناء، حيث تم تنفيذ المرحلة الأولى والثانية والثالثة من الإزالات التي جرت لمبانٍ وعمارات سكنية مكوَّنة من طابقين وثلاثة وأربعة وخمسة طوابق.
وخلال هذه الفترة كان الأهالي شبه يوميًا يتجمهرون ويتظاهرون بالمئات تنديدًا بالإزالات وإعلانًا لرفضهم الكامل لها، لكن الإزالات كانت تتم دون توقف ودون سماع لأي مقترحات، بالرغم من أن الأهالي قدَّموا مقترحات عديدة خلال المراحل الأولى ببناء ميناء خارج نطاق المدينة، لكن أحدًا لم يسمع.
وبعد قرب انتهاء المرحلة الثالثة من الإزالات، وفي عام 2023م، وصل صوت الأهالي إلى رئيس الجمهورية، فأصدر توجيهاته المباشرة للفريق كامل الوزير بالسفر فورًا إلى العريش ومقابلة الأهالي المتضررين وجبر خاطرهم. وبالفعل، جرى عقد اجتماع موسع بالمدينة الشبابية، وبدأ الاجتماع، وقالوا جميعًا بصوت مرتفع: «تحيا مصر»، لأن الدولة استمعت لصوت الناس، وطلب الأهالي من الفريق كامل الوزير أن يرسل للرئيس التحية ورسالة حب وتأييد لفخامة الرئيس من كل أهالي حي الميناء.
وطلب الأهالي منه أن يؤكد له أن حماة البوابة الشرقية على العهد باقون. واعتذر الفريق كامل الوزير بشجاعة أمام الجميع عن أي أخطاء تمت بحق الأهالي خلال الفترة السابقة، ووعدهم بأن ذلك لن يتكرر، ولن تكون هناك أي تجاوزات أخرى بحقهم، ووصلت رسالة الطمأنة للجميع، وهدأت الأمور وتوقفت الإزالات، وفقًا لأحد الحاضرين خلال الاجتماع.
وخلال عام 2024م تم إنشاء سور خرساني عازل بين حي الميناء وميناء العريش الذي يعمل الآن دون أي مشاكل، وبدأت الدولة في تجهيز مرحلة جديدة من التوسعات شرقًا في المنطقة الملاصقة للميناء بمساحة 750 فدانًا تقريبًا، لتصل المساحة الإجمالية إلى حوالي 1300 فدان، وفقًا لمصادر في اتحاد المُلَّاك ولجنة الحكماء بحي الميناء.
وفي عام 2024م تم تنفيذ ما كان الأهالي ينادون به كاقتراح في عام 2021، وهو فصل الكتلة السكانية عن مخطط الميناء والتوسع شرقًا لزيادة المساحة المخصصة للميناء (الضعف أو أكثر)، ورغم أن الرد على مقترحات الأهالي وقتها في عام 2021 كان بأن كلامهم خطأ وليس فنيًا أو علميًا، ولم يهتم أحد بكلامهم، إلا أنه تم تنفيذ مقترح الأهالي بنسبة 100% في عام 2024م، حسبما ذكرته لجنة الحكماء في حي الميناء.
فجأة، في عام 2025م، تلقى مجلس حكماء حي الميناء دعوة من اللواء خالد مجاور محافظ شمال سيناء، واستمع منهم إلى تفاصيل الموضوع من بدايته حتى تاريخه، وبعدها، وتحديدًا في يوم 21 يونيو 2025م، تم عقد اجتماع آخر مع سيادة اللواء عاصم سعدون نائب محافظ شمال سيناء، وتم خلال الاجتماع إبلاغ الأهالي بأنه صدرت توجيهات (جديدة) من القيادة السياسية ببدء الإزالات (فورًا)، وفقًا لمصادر أهلية من السكان.
وخلال الاجتماع، أكد مجلس حكماء حي الميناء لنائب المحافظ أنهم اتفقوا مع الفريق كامل الوزير على أمور معينة ومحددة، منها إقامة كمبوند سكني مكتمل المرافق والخدمات (بيت مقابل بيت) قبل الخروج من منازلهم، وأن يظل الأهالي في بيوتهم لفترة زمنية يتم الاتفاق عليها لحين انتقالهم إلى الحي الجديد، وهم متمسكون بما تم الاتفاق عليه.
وتعامل نائب المحافظ مع الموضوع بمنتهى التعقل وبكل الحب، واحتوى كل الحضور واستمع لكلامهم بمنتهى الهدوء، وأكد للجميع أن التوجيهات الجديدة باستكمال أعمال الإزالة لا يوجد بها أي إشارة أو كلمة بشأن اتفاقاتهم السابقة مع الفريق كامل الوزير، وأن هناك معلومات يسمعها لأول مرة منهم، وأكد أنه سيقوم بعرض كل الردود والتوضيحات والمطالب على السيد الوزير المحافظ.
وبعد الاجتماع، اجتمع مجلس حكماء الحي مع الأهالي لإبلاغهم بما تم في الاجتماع، وكان الرد أن كل الحضور متمسكون بما تم الاتفاق عليه مع الفريق كامل الوزير.

وأكد اللواء خالد مجاور، محافظ شمال سيناء، بشكل قاطع أنه لا عداء بين المحافظة والأهالي، وأنه بتعاون الجميع سنصل إلى حل يحافظ على الأهالي واستقرارهم، وأكد أنه سيقوم، بإذن الله، بإعادة عرض الموضوع طبقًا لرؤية الأهالي على القيادة السياسية، وسيقوم بإبلاغ الأهالي بالرد الوارد للمحافظة بوضوح، وسيظل التعاون قائمًا حتى حل المشكلة دون ظلم أيٍّ من الأهالي.
لكن الواقع يختلف تمامًا عما قاله المحافظ، إذ بدأ تنفيذ الإزالات الجديدة للمرحلتين الرابعة والخامسة في صباح يوم 14 يوليو 2025م، وهو أول أيام تنفيذ الإزالات، والمستمرة حتى يونيو، لكنها توقفت منذ بضع أسابيع.
وعلى إثر ذلك، يشهد حي الميناء يوميًا خروج الأهالي وتجمهرهم لإعلان رفضهم الكامل لتطبيق الإزالات، متمسكين بما وعدهم به الفريق كامل الوزير في اللقاء الذي جرى بحضور جميع أهالي الحي سنة 2023م.
ومنذ 14 يوليو الجاري بدأت الإزالات حيز التنفيذ، إذ جرى هدم بيوت على أثاث منازل مواطنين بداخلها، وآخرين جرى إخراج أثاث منازلهم عنوة، في مشاهد اعتبرها الأهالي قاسية ومهينة.
ووفقًا لمصادر في الجهات الرسمية، فإن عدد المباني السكنية في المنطقة بلغ 1105 مبانٍ، ومساحة الأرض أكثر من مليوني متر مربع.
هذا، ويؤكد أهالي حي ميناء العريش البحري أن الهدف من هدم المنازل والبيوت في منطقة ميناء العريش هو التوسعة، وذلك وفقًا لشروط المستثمر الإماراتي بتوسعة ميناء العريش البحري بشمال سيناء على حساب سكان الحي، مما أدى إلى صدور قرارات إزالة متتابعة دون توقف.
اقرأ أيضًا:
قلق مصري من تدفق الإسرائيليين إلى سيناء وسط اتهامات بازدواجية المعايير
قوافل الإغاثة تترقب دخول غزة مع اجتماع مصري-فلسطيني في رفح
هل تُعيد إسرائيل سيناريو السويس إن خاضت الحرب بمفردها؟
من العريش.. السيسي وماكرون: لا للتهجير



