في مطلع سبتمبر 2025، ضجّت الساحة الإقليمية بأنباء عن قرار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وقف صفقة الغاز العملاقة المبرمة مع مصر، والتي تبلغ قيمتها نحو 35 مليار دولار. جاء القرار بدعوى أن القاهرة خرقت بنود اتفاقية السلام الموقعة عام 1979 عبر تعزيز وجودها العسكري في سيناء بما يتجاوز ما هو متفق عليه.
ورغم ما نشرته وسائل الإعلام الإسرائيلية والدولية عن القرار، لم تصدر القاهرة أو تل أبيب بيانات رسمية حاسمة، ما يشير إلى أن الأمر أقرب إلى تعليق مؤقت بانتظار تفاهمات سياسية وأمنية جديدة.
الصفقة التي أُعلن عنها في أغسطس الماضي بين شركة نيو ميد إنرجي الإسرائيلية ومصر كانت تهدف إلى توريد نحو 130 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي حتى عام 2040، عبر خط بري جديد يصل إلى الحدود المصرية – الإسرائيلية. كان من المقرر أن يبدأ التوريد في عام 2026، مع زيادة الكميات تدريجيًا خلال السنوات اللاحقة. مثّلت الصفقة أكبر عقد تصدير غاز في تاريخ إسرائيل، وجاءت في وقت تعاني فيه مصر من تراجع إنتاجها المحلي من الغاز وانقطاعات متكررة للكهرباء.
يضع تعليق الصفقة الاقتصاد المصري أمام ضغوط متزايدة، إذ يعيد الاعتماد المكثف على واردات الغاز المسال مرتفعة التكلفة، ويضغط على احتياطي النقد الأجنبي. كما يهدد استقرار الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الأسمدة والبتروكيماويات، التي عانت بالفعل من توقفات متكررة خلال الأشهر الماضية بسبب نقص الإمدادات.
سياسيًا، يثير الموقف الإسرائيلي مخاوف من استخدام ورقة الطاقة كأداة ضغط على مصر في ملفات أمنية تتعلق بسيناء أو الترتيبات العسكرية على الحدود.
في المقابل، قد يمثل التعليق بالنسبة لإسرائيل ورقة تفاوضية للحصول على ضمانات سياسية وأمنية إضافية، لكنه يحمل أيضًا خسائر محتملة لشركات الطاقة الإسرائيلية التي تراهن على السوق المصرية كأكبر منفذ لصادرات الغاز. استمرار التعليق لفترة طويلة قد يدفع تل أبيب إلى البحث عن أسواق بديلة أو تأجيل استثمارات توسعة الإنتاج في حقل ليفياثان.

يرى الخبير النفطي الدولي د. عامر الشوبكي أن أي توقف مفاجئ للصفقة سيجبر مصر على العودة القسرية لاستيراد الغاز المسال بكميات أكبر، والاعتماد على وقود سائل مثل الديزل وزيت الوقود لتشغيل محطات الكهرباء والصناعات، وهو ما سيضاعف الأعباء المالية ويضغط على الميزان الخارجي.
وأشار إلى أن مصر تعاقدت بالفعل على شراء ما بين 150 إلى 160 شحنة من الغاز المسال خلال الفترة من يونيو 2025 إلى يوليو 2026، بكلفة سنوية تتراوح بين 5 و6 مليارات دولار، مرجّحًا الحاجة لمزيد من الشحنات إذا لم يُعوض النقص محليًا.
وأوضح الشوبكي أن البدائل العاجلة تتمثل في زيادة واردات الغاز المسال عبر السفن، غير أن ذلك يفرض أعباء مالية ضخمة. أما الحل المستدام فيكمن – بحسب قوله – في تسريع عمليات الاستكشاف المحلي وزيادة الإنتاج عبر طرح مزايدات جديدة والتعاقد مع شركات عالمية، وهو ما بدأته الحكومة بالفعل.
أكد الشوبكي أن أي نقص في واردات الغاز عبر الأنابيب سيؤثر مباشرة على قدرات مصر في تشغيل محطات الإسالة وإعادة التصدير إلى أوروبا، ما يحدّ من دورها كمركز إقليمي للطاقة شرق المتوسط.
وأضاف أن الاقتصاد المصري يواجه أصلًا ضغوطًا كبيرة، وجاءت أزمة الغاز لتزيد من الأعباء، خصوصًا مع ارتفاع فاتورة دعم الوقود وفاتورة الاستيراد. وأشار إلى احتمالية رفع أسعار الكهرباء والديزل والغاز للمصانع، أو اللجوء إلى تقنين الاستهلاك وقطع الكهرباء المبرمج.

من جانبها، أوضحت الخبيرة الاقتصادية حنان رمسيس أن العلاقات بين مصر وإسرائيل قائمة على اتفاقية السلام والتطبيع، وأن ملف الغاز تحوّل إلى ورقة ضغط متبادلة عقب أحداث السابع من أكتوبر.
وأضافت أن إسرائيل تربط استمرار تصدير الغاز بقبول القاهرة تهجير الفلسطينيين إلى سيناء، وهو ما رفضته مصر بشكل قاطع. وشددت على أن خفض التوريد ينعكس مباشرة على الحياة اليومية والاقتصاد المصري من خلال التأثير على الكهرباء وارتفاع أعباء المعيشة.
وختمت رمسيس بالتأكيد على أن الضغوط الإسرائيلية عبر ملف الغاز تستهدف إجبار مصر على قبول حلول سياسية لا تتفق مع ثوابتها، مؤكدة أن الخيار الأرجح سيظل المسار الدبلوماسي، نظرًا لارتفاع تكلفة المواجهة العسكرية.
اقرأ أيضًا:
اتفاق قديم يُعاد ترويجه.. حقيقة صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل
قرارت حكومية ودراسات جدوى لاستعادة مجد صناعة الغاز المصري
المشروع النووي المصري.. سباق مع الزمن لدعم الاقتصاد وسط مخاوف بيئية
بعد تصدير 37 شركة مصرية منتجاتها للاحتلال.. هل يتم بعلم الحكومة؟



