لم يكن ظهور اللجنة الشعبية للدفاع عن سجناء الرأي مبادرة عادية، بل نتيجة فراغ تركته الدولة بعد توقف لجنة العفو الرسمية دون إعلان، هذا الفراغ لم يكن حقوقيًا فقط، بل سياسيًا أيضًا، وفتح الباب أمام سؤال واحد: لماذا توقفت لجنة العفو؟ ومن الذي قرر تجميدها؟
كمال أبو عيطة، وزير العمل الأسبق وعضو اللجنة، يقدم أول رواية واضحة عن أسباب التوقف، وكيف انتقل ملف الحريات من المسار المدني إلى يد جهة أمنية متصدرة المشهد، ليُغلق عمليًا باب الإفراجات بشكل موسع منذ أكثر من عامين إلى أضيق الحلول.
يكشف وزير العمل الأسبق كمال أبو عيطة في حديثه تفاصيل توقف لجنة العفو الرئاسي عن عملها، ويروي كواليس تعطيلها عمدًا. لا يقول أبو عيطة الأمر بالتلميح ولا بالاستنتاج، بل يصرّح مباشرة بأن عمل لجنة العفو لم يتوقف بقرار، بل اختفى حين جرى سحب ملف الحريات من جهة أمنية كانت منوطة بالملف إلى قبضة جهاز الأمن الوطني، وهي اللحظة التي أعقبها مباشرة انطفاء الزخم الذي بدأته اللجنة، خاصة بعد الإفراج عن أحمد دومة، الذي كان آخر الإفراجات الكبيرة في ذلك الوقت قبل أن يتجمد الملف تمامًا.
يوضح أبو عيطة أن اللجنة استطاعت خلال أشهرها الأولى إنهاء أوضاع ما يقرب من 1700 محبوس، لكن هذا المكسب تلاشى حين أُعيد حبس بعض المفرج عنهم مرة أخرى، مثل يحيى حسين عبد الهادي وشريف الروبي. ويصف ما حدث بأنه نتيجة سياسة أمنية توسعية تعتبر الاشتباه قاعدة وليس استثناء، الأمر الذي بدّد أي أثر إيجابي لعمل اللجنة. ويجزم: “لو استمرت اللجنة بنفس وتيرتها، ما كناش هنلاقي في مصر سجين رأي واحد النهارده”.

ويشير الوزير الأسبق إلى أن الأجهزة الأمنية لا تزال تتوسع في الحبس رغم غياب تهديدات إرهابية مباشرة، وأن هذا التوسع طال مواطنين خارج المشهد السياسي بالكامل، بل وصل إلى مجموعات من مشجعي الأندية. هذا النهج، كما يقول، فرض أعباء اجتماعية واقتصادية ضخمة على الأسر التي تتحمل تكاليف متابعة قضايا ذويها والتنقل لزيارات السجون.
ويربط أبو عيطة بين تعطل اللجنة وتفاقم الاحتقان، محذرًا من أن استمرار الوضع على هذا النحو يعني سكب المزيد من الزيت على النار، وفتح الباب لسيناريوهات مشابهة لما عاشته دول تم تجاهل فيها ملفات الحريات والأزمات المعيشية حتى وصلت إلى مراحل انهيار.
ويضيف أن التحديات التي تهدد مصر ليست فقط أمنية أو مرتبطة بجماعات متطرفة، بل تشمل ضغوطًا اقتصادية خانقة واشتراطات قاسية من المؤسسات المالية الدولية. ويختم بأن الطريق لإعادة التوازن يبدأ من وقف الحبس العشوائي، والإفراج عن سجناء الرأي، وفتح المجال الإعلامي، وإصلاح أوضاع السياسة والاقتصاد والتعليم، معتبرًا أن الدولة لن تستعيد هيبتها إلا حين يشعر المواطن بأن القانون يحميه وليس العكس.

يظل ملف سجناء الرأي واحدًا من أكثر الملفات إلحاحًا في المجال العام المصري، فهو يعكس شكل العلاقة بين المواطن والدولة وحدود المساحة المتاحة للنقاش والاختلاف. ظهرت عشرات المبادرات الحقوقية والمحاولات المستقلة خلال السنوات الماضية في محاولة لفتح هذا الملف المغلق، لكن تأسيس لجنة شعبية للدفاع عن سجناء الرأي يحمل دلالة جديدة: العودة إلى الناس، وإشراك أسر المحتجزين، وصياغة تحرك جماعي خارج الأطر الرسمية التي جُمّدت فعليًا.
تطرح اللجنة الجديدة نفسها كمنصة ضغط اجتماعية وقانونية، هدفها ليس فقط الإفراج، بل أيضًا رصد الانتهاكات، وتوثيقها، والمطالبة بالحق في محاكمة عادلة وكرامة إنسانية.
شهدت الفترة الأخيرة توسعًا غير مسبوق في استهداف حرية التعبير، حيث اتسع نطاق الملاحقات التي طالت أصحاب الرأي، سواء كانوا صحفيين أو باحثين أو مستخدمين عاديين على منصات التواصل. التهم المتداولة عادة تدور حول نشر أخبار كاذبة أو الانضمام لجماعات محظورة، وهي اتهامات فضفاضة تستخدم لمواجهة النقد السلمي.
هذا التوسع خلق بيئة يشعر فيها المواطنون بأن التعبير قد يقود إلى الاحتجاز، حتى لو اقتصر الأمر على مشاركة منشور أو كتابة تعليق. كما أصبحت أوضاع الاحتجاز نفسها جزءًا من الأزمة، إذ أشارت تقارير حقوقية محلية ودولية إلى مشكلات تتعلق بالإخفاء القسري وسوء المعاملة والتضييق في الزيارات وحرمان المحتجزين من الرعاية الصحية اللازمة. كذلك يُنظر إلى الحبس الاحتياطي باعتباره عقوبة جاهزة تفرض على أصحاب الرأي لمدد طويلة دون حكم قضائي، وهو ما يجعل فترة الاحتجاز المؤقت أقسى من الحكم نفسه في أحيان كثيرة.

قال محمد أبو الديار، العضو المؤسس في اللجنة الشعبية للدفاع عن سجناء الرأي وممثل تيار الأمل، إن الهدف الأساسي من تأسيس اللجنة هو الوصول إلى لحظة لا يبقى فيها في مصر أي سجين رأي، موضحًا أن وجود أشخاص محبوسين فقط لأنهم عبّروا عن رأي، أو ضغطوا إعجابًا على منشور، أو نشروا رأيًا متعلقًا بقانون أو قرار، أو حتى مفكرين نشروا أفكارهم أو علمهم، هو وضع غير مقبول، وأن “الحكاية دي لازم تنتهي”.
وفي ما يتعلق بآلية اختيار القضايا في المرحلة الأولى، أوضح أبو الديار أن اللجنة «مش هتشتغل على حالات بعينها»، لكنها ستتعامل مع كل الحالات التي تُعرض عليها، مشيرًا إلى أن البيان التأسيسي وقّعت عليه سبعة أحزاب حتى الآن، مع توقع زيادة العدد، إضافةً إلى شخصيات عامة وصحفيين وحقوقيين مهتمين بهذا الملف. ويؤكد أن العنصر الأكثر أهمية داخل التشكيل هو مشاركة أسر محبوسي الرأي، ما يوفر للجنة قاعدة واسعة من الحالات تحت يدها بالفعل.
وعن تعريف المحبوسين الذين ستعمل اللجنة على ملفاتهم، قال إن الأمر يشمل «رأي وسياسيين» على حد سواء، موضحًا أن التوصيف القانوني السائد يعتبرهم متهمين في قضايا جنائية، رغم أن التهم «مطاطة» وتوجَّه للجميع، بينما الحقيقة أنهم عبروا عن رأي، أو شاركوا منشورًا، أو أبدوا موقفًا تجاه قانون أو قرار.
وأضاف أن اللجنة تمتلك حصرًا مبدئيًا، وأنها دشّنت صفحة خاصة بالدفاع عن سجناء الرأي تتضمن رابطًا للتواصل، بحيث تتولى اللجنة متابعة كل من يتقدم إليها. ويشير أبو الديار إلى أن دور اللجنة لن يقتصر على الدعم القانوني واللوجستي، بل سيمتد إلى إعداد تقارير عن أعداد المحبوسين، ورصد ما إذا كانت محاكماتهم التزمت بالقانون، إضافةً إلى متابعة أوضاعهم النفسية والاجتماعية وقدرتهم على التأهيل للعودة إلى المجتمع بعد الإفراج. كما ستراقب اللجنة تطبيق لوائح السجون ومدى الالتزام بالمعاملة اللائقة، لا سيما أن كثيرًا من محبوسي الرأي – وفق قوله – يتعرضون للاختفاء لفترات قبل ظهورهم في النيابة.
ويضيف أن اللجنة تخطط أيضًا للتواصل مع المؤسسات المختصة، مثل وزارة العدل والنيابة العامة والمجلس القومي لحقوق الإنسان، إلى جانب مؤسسات حقوقية أخرى، فضلًا عن تحركات شعبية تشمل وقفات احتجاجية، وربما إضرابات عن الطعام وفق خطط محددة. ويؤكد أن حسم الخطوات العملية سيجري في أول اجتماع للجنة تسيير الأعمال يوم الثلاثاء المقبل الساعة الخامسة.
وعن الفارق بين اللجنة الشعبية الوليدة ولجنة العفو الرئاسي السابقة، أوضح أبو الديار أن لجنة العفو الرئاسي كانت لجنة ذات صفة رسمية لأنها منبثقة من مؤسسة الرئاسة وتعمل وفق قرار رئاسي، لكنها الآن «توقفت بشكل موت إكلينيكي» ولم يعد لها دور حقيقي. أما اللجنة الشعبية للدفاع عن سجناء الرأي فهي تشكيل مستقل يضم أحزابًا ومؤسسات حقوقية وصحفيين، إلى جانب دعوة النقابات المهنية والعمالية للانضمام، مع خصوصية كون أسر المعتقلين جزءًا أساسيًا من التشكيل للمرة الأولى.
وحول قدرة اللجنة الجديدة على التأثير في القرارات المستقبلية، يرى أبو الديار أن قوة تأثيرها ستكون مرتبطة بمدى تعبيرها عن الواقع، وبتواصلها المباشر مع أسر المحبوسين، وبوجود فعاليات حقيقية على الأرض. ويقول: «أعتقد هيبقى لها دور قوي وهيتم الاستجابة ليها، لأنه للأسف المنافذ القانونية كلها سُدّت في وجه محبوس الرأي».
اقرأ أيضًا:
من يفتت المعارضة المصرية؟.. كواليس الانقسامات التي أربكت المشهد السياسي
فريد زهران: السيسي نجح في وقف مخطط التهجير.. وأتمنى عودة الحوار الوطني| حوار
هل المعارضة المصرية تُدار من القصر؟



