خلال الأيام الأخيرة، تصدرت الشركة العربية لاستصلاح الأراضي المشهد الاقتصادي بعد إعلان جهاز مستقبل مصر عن استحواذه على أغلب أسهمها، في خطوة وُصفت بأنها مفاجئة وغير تقليدية.
فالشركة، المعروفة برمزها (ش.ت.م.م) في البورصة المصرية منذ أواخر التسعينيات، ارتبط اسمها بأنشطة استصلاح الأراضي وتقسيمها، إلى جانب أعمال الري والزراعة والتطوير العقاري. لكن الصفقة التي جرت بالأمر المباشر، بعيدًا عن المنافسة العلنية، أثارت علامات استفهام واسعة داخل الأوساط الاقتصادية.
بينما لم يتجاوز رأس المال المعلن للشركة 26 مليون جنيه، كشفت مصادر مطلعة أن رأس المال الحقيقي يقترب من 88 مليون جنيه، مع تسجيل نحو 5.2 مليون سهم في البورصة، ما يجعل قيمة السهم تقارب 5.5 جنيه. هذه الفجوة بين المعلن والفعلي اعتبرها محللون مفتاحًا لفهم أبعاد الصفقة، خصوصًا مع سرعة إنجازها خلال ساعات محدودة.

مصادر أكدت أن الاستحواذ جرى بتوجيه مباشر من وزير الصناعة كامل الوزير، إذ اشترى جهاز مستقبل مصر 4.66 مليون سهم من أصل 5.2 مليون، أي ما يعادل 89.5٪ من الأسهم، ليضمن سيطرة شبه مطلقة على الشركة وممتلكاتها.
وفق خبراء، لم يكن الاستحواذ مجرد صفقة استثمارية، بل خطوة استراتيجية للحصول على أراضٍ جاهزة وعقارات قديمة في وسط القاهرة تعود ملكيتها للشركة منذ التسعينيات، إلى جانب مساحات شاسعة تخدم على مشروع الـ800 فدان. السيطرة على الشركة تمنح الجهاز فرصة لكسر المنافسة في السوق الزراعي والعقاري، وبالتالي التحكم في الأسعار وتوجيهها.
داخل أروقة الشركة، لم يكن أمام مجلس الإدارة خيارات واسعة. فقد اجتمع الرئيس شحته إبراهيم عبد الفتاح وأعضاء المجلس مع مساعد وزير الصناعة عماد عبد الحميد، وتلقوا عرض الاستحواذ مع طلب موافقة فورية، في ظل تهديد مبطن بإمكانية عزل المجلس لاحقًا.

من أبرز عوامل الجذب أن الشركة العربية مدرجة بالفعل في البورصة، ما يجعلها كيانًا جاهزًا للتحرك المالي والقانوني دون الحاجة إلى إنشاء شركة جديدة أو الخضوع لتدقيقات مطولة. خبير اقتصادي أوضح أن هذه الميزة تمنح الجهاز مرونة عالية بعيدًا عن الرقابة الصارمة، فضلًا عن إمكانية استخدامها كواجهة لتنفيذ خططه الاستثمارية.
فيما أعلن الجهاز أن خطته الرسمية تهدف إلى زيادة الإنتاج المحلي وتقليل الاستيراد عبر التعاون مع خبراء أجانب، توقع مراقبون أن يتم تغيير اسم الشركة قريبًا وإعادة بيعها لمستثمرين كبار مثل أحمد أبو هشيمة أو نجيب ساويرس، بما يخدم توسعاتهم الخاصة.
أما الشارع المصري، فقد أبدى مخاوف من أن يفتح الاستحواذ الباب لمزيد من الاحتكار، إذ يرى كثيرون أن جهاز مستقبل مصر بات يمتلك قبضة قوية على مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والعقارات، ما قد يرفع الأسعار ويقيد المنافسة، في مشهد يشبه ما حدث بقطاعات أخرى مثل الإعلام والرياضة والتبغ.
اقرأ أيضًا:
لمن ملكية الأرض المصرية؟.. صلاحيات ضخمة على حساب الشفافية
جذب الاستثمارات على حساب “استنزاف النيل”
“داون تاون جديدة”.. خطة حكومية واستثمارات إماراتية لـ “تطوير” وسط البلد




