شهدت الانتخابات البرلمانية حالة واسعة من عدم الرضا الشعبي والحزبي، على خلفية اتهامات متكررة بعمليات شراء أصوات نُسبت إلى بعض الأحزاب الموالية للسلطة. ورغم تأكيد الهيئة الوطنية للانتخابات آنذاك أن العملية الانتخابية جرت بنزاهة ودون تجاوزات مؤثرة، فإن هذا التوصيف لم يصمد طويلًا.
فبعد أيام قليلة، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي، عبر بيان نُشر على مواقع التواصل الاجتماعي، توجيهاته بإعادة الانتخابات في عدد من الدوائر التي ثبتت فيها ممارسات شراء أصوات، ما دفع الهيئة إلى التراجع عن موقفها السابق، واتخاذ قرار بإعادة الاقتراع في تلك الدوائر، في خطوة أعادت فتح النقاش حول سلامة العملية الانتخابية وحدود الرقابة عليها.

وقال أحمد الطنطاوي، رئيس حزب تيار الأمل، إن ما جرى ويجري في الاستحقاقات الانتخابية لا يمكن وصفه بالانتخابات بالمعنى الحقيقي، مؤكدًا أن الأجهزة تدير العملية الانتخابية لتحقيق أهداف محددة، في مقدمتها إفراغ مبدأ السيادة الشعبية من مضمونه، رغم أن الأصل الدستوري يقضي بأن الشعب هو من يختار من يحكم، وهو ذاته من يملك حق العزل.
وأوضح الطنطاوي أن العملية الانتخابية في مصر باتت خالية تمامًا من هذا الجوهر، مع الاكتفاء بالتركيز على القشور الشكلية، في ظل إدارة مُحكمة وهندسة مسبقة تفضي إلى نتائج معروفة سلفًا. وانتقد التدخل الرئاسي في هذا الملف، مشددًا على أن رئيس الجمهورية ليس من اختصاصه التدخل في العملية الانتخابية أو توجيه هيئة كفل لها الدستور الاستقلال، حتى وإن لم تمارسه فعليًا.
وأضاف أن البيان الرسمي الذي تضمّن إيحاءات بالمحاسبة والعقاب، انتهى عمليًا إلى معاقبة الناخب والمرشح النزيه، لا من ارتكب الانتهاكات. وتساءل: كيف تُدار انتخابات بهذا الحجم من التجاوزات، ثم يُعاد الاقتراع بالقانون ذاته، والقواعد نفسها، والمرشحين أنفسهم، والجهات ذاتها التي أدارت العملية منذ البداية؟
وأكد أن غياب المحاسبة الحقيقية لمن استخدموا المال السياسي يعني تكرار الجريمة، بينما يُعاقَب المرشح الشريف الذي استنزف إمكاناته في تجربة أولى فاشلة. واعتبر أن جوهر الأزمة يكمن في القانون وقواعد المنافسة وآليات إدارة الانتخابات، لا في مظاهرها فقط.
وانتقد الطنطاوي الخطاب الانتقائي الذي يختزل الانتهاكات في المقاعد الفردية، بينما تمرّ القوائم التي فازت بالتزكية دون مساءلة، متسائلًا عن أسباب تجاهل الانتهاكات المحتملة في نظام القوائم، وعن غياب المحاسبة لمن ارتكبوا الجرائم الانتخابية.
وفي استعراضه لمسيرته السياسية، أشار إلى أنه في عام 2015، ورغم محاربته بكل السبل، انتصرت إرادة الناخبين ودخل البرلمان، بينما شهدت انتخابات 2020 تصاعدًا في الانتهاكات، انتهت بمنعه من دخول البرلمان رغم فوزه. وفي 2023 مُنع من الترشح، ثم في 2024 مُنع من تأسيس حزب وحُبس، معتبرًا أن هذه الوقائع تمثل نموذجًا كاشفًا لتدهور إدارة العملية الانتخابية، لا شأنًا شخصيًا.
من جانبه، قال المهندس وليد عمّاري، المتحدث باسم الحركة المدنية الديمقراطية، إن ما يجري لا ينفصل عن تصميمٍ مسبق من أحزاب الموالاة على إقصاء المعارضة منذ اللحظة الأولى، عبر هندسة القوانين المنظمة للانتخابات بما يضمن احتكار البرلمان.

وأوضح أن فرض نظام القوائم المغلقة، إلى جانب التوسع غير المسبوق في حجم الدوائر الانتخابية مقارنة بانتخابات 2015 و2020، جعل الترشح شبه مستحيل للمواطن العادي، نظرًا لما يتطلبه من أموال وجهود لا تتوافر إلا لطبقة محدودة، ما يحرم قطاعات واسعة من حقها الدستوري في الترشح.
وأضاف أن هذا الاتساع أضعف الرقابة الشعبية داخل اللجان، وحال دون قدرة المرشحين المستقلين والمعارضين على تغطية الدوائر، في مقابل قدرة أحزاب الموالاة على ذلك. وأشار إلى استحواذ هذه الأحزاب على نصف مقاعد القوائم، مع مزاحمة المستقلين في مقاعد الفردي، بهدف ضمان برلمان بلا معارضة حقيقية.
وكشف عمّاري عن صدور تعليمات في المرحلة الأولى بعدم تسليم محاضر الفرز لمندوبي المرشحين، قبل التراجع عنها لاحقًا، مع رصد مخالفات تتعلق بإضافة أصوات لناخبين لم يحضروا، معتبرًا أن تجاهل الطعون وإعادة الانتخابات بالقواعد ذاتها يفرغ القرار من مضمونه.
ووصف ما جرى من استدعاء مرشحين تقدّموا بشكاوى للتحقيق بأنه «سابقة خطيرة» تعكس قلبًا لموازين العدالة، حيث يُعاقَب المعترض على التزوير بدلًا من محاسبة مرتكبيه، مؤكدًا أن البرلمان المقبل يفتقر إلى الشرعية، وسيكون امتدادًا لبرلمان سابق أقرّ تشريعات أضرت بالمواطنين.
بدوره، قال علاء الخيام، رئيس حزب الدستور السابق، إن الانتخابات الأخيرة لم تخرج في بدايتها عن نمط التزوير والتدخلات المعتادة، إلا أن اللافت هو تجاوز أحزاب الموالاة للحدود المسموح بها، وانتشار المال السياسي على نحو فجّ وغير مسبوق.

واعتبر الخيام أن تدخل الرئيس وكتابته بيانًا مباشرًا على صفحته الرسمية يمثل سابقة سياسية، حملت دلالات عدم الرضا عن أداء الجهات المشرفة، وتحذيرًا للأحزاب والأجهزة التي تجاوزت الخطوط المرسومة لها. وأشار إلى أن إعادة الانتخابات في نحو 70% من دوائر الجولة الأولى كشفت عن حجم الخلل، كما أظهرت صدامًا علنيًا غير مسبوق بين كيانات قضائية رفيعة.
وأضاف أن نتائج الإعادة عكست تراجعًا نسبيًا لأحزاب الموالاة، مقابل صعود محدود للمستقلين، مع تسجيل نسب مشاركة متدنية للغاية وصلت في بعض المناطق إلى مستويات غير مسبوقة، معتبرًا أن العزوف الشعبي هو الرسالة الأوضح لرفض مشهد انتخابي معروف النتائج سلفًا.
أما السيّد الطوخي، رئيس حزب الكرامة، فأكد أن الحزب خاض انتخابات «معيبة ومهندسة من الأساس»، مشددًا على أن نظام القائمة المغلقة المطلقة يُعد من أكثر النظم إقصاءً، لما يترتب عليه من إهدار أصوات قطاع واسع من الناخبين وحرمانهم من التمثيل.
وأوضح أن انتشار المال السياسي والعزوف الشعبي الواسع — الذي قُدّر الحضور الفعلي فيه بين 5 و7% — يفضي إلى برلمان مشوّه يعاني من عوار دستوري وقانوني، ويغيب عنه أي تمثيل حقيقي للمجتمع. وحذّر من أن استمرار هذا المسار، في ظل الأزمات الاقتصادية وتقييد الحريات، قد يقود إلى انفجار مجتمعي.

من جانبه، رأى أسامة بديع، الباحث السياسي، أن الانتخابات لا يجب التعامل معها كاستحقاق دوري فحسب، بل كحقٍّ يرتبط بالتمثيل العادل والمشاركة السياسية. وأعرب عن قلقه من أن يفرز هذا المسار برلمانًا يفتقر إلى الخبرة والكفاءة، بما يقوض دوره في التشريع والرقابة وحماية الحقوق والحريات.
وأكد أن العزوف الشعبي مؤشر خطير على تراجع ثقة المواطنين في جدوى المشاركة، خاصة حين تُفرغ حرية الاختيار من مضمونها بفعل الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. ودعا إلى إصلاح سياسي شامل يبدأ من الأحزاب والقوانين المنظمة للعمل السياسي والانتخابي، بما يضمن تنوعًا حقيقيًا وعدالة في التمثيل، على أساس الكفاءة لا النفوذ والمال.
اقرأ أيضًا:
نتيجة للتزوير .. القضاء المصري يبطل الانتخابات في 26 دائرة
جدل “الانتخابات النيابية”.. ديمقراطية مغلقة بالقانون
الانتخابات البرلمانية في مصر.. ماذا ننتظر من “مجلس الشعب” الجديد؟ | 1



