سياسة

النيل ينزف.. كم خطًّا أحمر تجاوزته إثيوبيا؟

رغم اكتمال الملء الكلي لسد النهضة الإثيوبي في سبتمبر الماضي، لا يزال الجدل قائمًا بشأن التداعيات الحقيقية لهذا المشروع على الأمن المائي المصري. فبينما تؤكد السلطات الإثيوبية أن السد دخل مرحلة التشغيل الكامل، يحذر خبراء مصريون من أن ما تم فرضه هو أمر واقع أحادي، جرى تنفيذه دون اتفاق ملزم، في انتهاك واضح للمواثيق الدولية ولإعلان المبادئ الموقع عام 2015.

 

وفقًا لما كشفه الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية، فإن الملء الخماسي انتهى فعليًا، وأن ما يتم الآن هو تفريغ وإعادة ملء لتوليد الكهرباء، مما يعني توقف التخزين الإضافي. ورغم أن مصر نجت تقنيًا من التأثيرات الكارثية المحتملة خلال السنوات الماضية بفضل السد العالي، فإن هذا لا ينفي تعرضها لخسائر مائية فعلية، عُوّضت جزئيًا فقط بمصادر غير تقليدية مثل مياه الصرف الزراعي والاستيراد الغذائي.

 

في المقابل، يرى السفير صلاح حليمة، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، أن الضرر وقع بالفعل، وأن استمرار إثيوبيا في سياسات فرض الأمر الواقع قد يُنهي فعليًا فرص الحل التفاوضي، ويزيد من الضغوط على الأمن القومي المصري. ومع غياب أي تنسيق أو شفافية من الجانب الإثيوبي، تصبح الدعوات للعودة إلى المفاوضات مجرد شعارات بلا آليات فاعلة، في ظل واقع مائي يزداد هشاشة عامًا بعد عام.

 

فهل أصبح السد العالي هو خط الدفاع الأخير؟ وهل يكفي ما تبقى من أدوات السياسة والدبلوماسية لحماية شريان الحياة الرئيسي في مصر؟ هذا التقرير يرصد أبعاد المشهد الحالي، ويستعرض بالوقائع والتحليلات كيف عبرت مصر “سنوات العطش” السابقة، وما ينتظرها في ظل استمرار غياب اتفاق قانوني ملزم يشكل الحد الأدنى من الضمانات في واحد من أخطر الملفات الاستراتيجية التي تواجهها الدولة المصرية اليوم.

 

صلاح حليمة: نرفض فرض الأمر الواقع في سد النهضة

 

حذر السفير صلاح حليمة، عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، من خطورة استمرار إثيوبيا في اتخاذ إجراءات أحادية في ملف سد النهضة دون اتفاق ملزم، معتبرًا أن هذا النهج يمثل مخالفة واضحة للقوانين والمواثيق والاتفاقات الدولية، وعلى رأسها القانون الدولي للمياه، وإعلان مبادئ عام 2015، خاصةً المادتين الخامسة والعاشرة منه.

 

وقال حليمة، في تصريحات خاصة لمنصة MENA، إن أهم ما في هذا الموضوع ألا يكون هناك أي نقص في كمية المياه المفروض أن تتدفق إلى مصر في أي عملية ملء، خاصةً إذا تسبب هذا النقص في ضرر جسيم، مشيرًا إلى أن التصرفات الأحادية وفرض الأمر الواقع تمثل خطورة على التعاون الثلاثي المفترض بين مصر والسودان وإثيوبيا، وتنذر بعواقب سلبية على المنطقة بأسرها.

 

وحول حجم العجز المتوقع في حصة مصر المائية بعد التشغيل الكامل للسد، أوضح حليمة أنه لا يستطيع إعطاء تقديرات رقمية دقيقة نظرًا لأنه ليس متخصصًا فنيًا، إلا أنه شدد على أن الضرر قد وقع بالفعل، مضيفًا: “قد تكون هناك نسبة تصل إلى تسعين في المئة من المياه تصل إلى مصر، ولكن هذه الكمية لا تكفي”.

 

 

ولفت عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية أن السد العالي قد يُستخدم لتعويض هذا النقص، لكن لا يعني ذلك أن مصر لم تتضرر.

 

وأشار حليمة إلى أن مصر تعتمد على السد العالي في مواجهة أي أضرار محتملة، سواء في محطات مياه الشرب أو توليد الكهرباء، لكنه أكد أن “وجود مخزون في السد العالي لا ينفي وقوع الضرر، وإنما هو محاولة لمعالجته”.

 

ورأى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية أن ما يحدث يستوجب وجود اتفاق قانوني ملزم يضمن أن تتم عمليات الملء والتشغيل بشكل منصف، لا يسبب ضررًا لأي طرف، لافتًا إلى أن الغياب التام للبيانات والمعلومات من الجانب الإثيوبي يمثل إخلالًا بالقواعد الأساسية التي يجب أن تسبق أي عملية ملء أو تشغيل.

 

وأبدى حليمة تفاؤله فيما يخص يخص قدرة البنية المائية المصرية على استيعاب هذه التحديات قائلاً: “مصر دولة ذات خبرة طويلة في إدارة الموارد المائية، ولدينا من الإمكانيات والمعرفة والكفاءة ما يمكّننا من احتواء هذا الموقف”.

 

لكنه عاد ليحذر من خطورة الاستهانة بالموقف، مشددًا على أن الخطر الأكبر هو الضرر الجسيم، خاصةً في فترات الجفاف، وهو ما يفرض ضرورة وجود موقف تفاوضي جاد من جانب إثيوبيا، والالتزام بما تقرّه القوانين والاتفاقات، ووقف التصرفات الأحادية وفرض الأمر الواقع.

 

وأكد حليمة على أن نهر النيل نهر دولي، والسيادة عليه ليست أحادية، بل مشتركة، ويجب أن تدار بمنطق التعاون والمصالح المتبادلة، لا بمنطق الاستئثار والانفراد.

 

 

حليمة: الملء والتشغيل دون اتفاق يعني نهاية التفاوض.. وسد النهضة يواجه مخاطر فنية حقيقية

 

و اعتبر عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، أن إتمام الملء والتشغيل الكامل لسد النهضة الإثيوبي دون اتفاق قانوني ملزم بين الأطراف الثلاثة يُعد بمثابة انتهاء فعلي لفرص الحل التفاوضي، ويعكس فرضًا للأمر الواقع من جانب واحد.

 

وأشار إلى أنه لم يتم حتى الآن تركيب التمديدات الكهربائية المخصصة بالكامل، وما تم تركيبه لا يتجاوز النصف تقريبًا، لافتًا إلى أن هناك حديثًا عن وجود فوالق في التربة وطبيعة جيولوجية غير مستقرة قد تهدد بانهيار السد.

 

وفي تعليقه على احتمال اتخاذ إثيوبيا خطوات تشغيل السد بشكل غير معلن، اعتبر حليمة أن التصرفات الأحادية وفرض الأمر الواقع تُشكّل خطرًا جسيمًا يجب مواجهته قبل وقوعه، مؤكدًا أن درء هذا النوع من المخاطر يتطلب تحركًا سياسيًا وقانونيًا مبكرًا.

 

واستعاد حليمة جهود الوساطة السابقة، قائلًا: في فترة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، جرت مفاوضات بوساطة أمريكية، وجرى التوصل إلى مشروع اتفاق شامل في مسار واشنطن، بتنسيق من وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الدولي كجهات محايدة، وقد وافقت عليه الدول الثلاث مبدئيًا، لكن إثيوبيا انسحبت في اللحظة الأخيرة.

 

وأضاف أن ترامب أعاد مؤخرًا طرح فكرة تولي وساطة أو إدارة جديدة للمفاوضات، مشيرًا إلى أن الولايات المتحدة لديها القدرة والإمكانات لتحريك هذا الملف شريطة التزام إثيوبيا بالقانون الدولي والمواثيق الموقعة، وسعيها الجاد نحو التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم، وهو ما نص عليه إعلان المبادئ في مادته العاشرة، باعتبار أن “التفاوض أحد وسائل تسوية النزاعات بموجب القانون الدولي”.

 

وأوضح حليمة أن البديل القانوني المطروح حال فشل المفاوضات يتمثل في اللجوء إلى مجلس الأمن، سواء عبر الفصل السادس الذي يتعامل مع النزاعات التي تهدد السلم، أو الفصل السابع إذا اعتُبر خطرًا جسيمًا يستدعي تدخلًا دوليًا مباشرًا، خاصة إذا ما وصل الوضع إلى حد تهديد الأمن والسلم الدوليين.

 

ونوه حليمة إلى أن ما يطرحه ترامب هو محاولة للوصول إلى حل للأزمة، وقد يكون تحركًا مرتبطًا برؤيته الأشمل، مثلما يحدث في غزة أو غيرها من الملفات.

 

وشدد على أن موقف مصر من القضايا الإقليمية، مثل القضية الفلسطينية، واضح وثابت ولا يقبل التراجع، سواء فيما يخص وقف إطلاق النار، أو إدخال المساعدات، أو حل الدولتين، أو إعادة الإعمار، لافتًا إلى أن مصر تنطلق من منطلقات مبدئية تلقى دعمًا من الدول العربية والإسلامية، وعدد كبير من الشعوب والمنظمات الدولية.

 

وأضاف أن الحديث عن مقابل ما، في حال تحرك مصر لحل الأزمة، قد يتعلق بمشروعات مشتركة لصالح دول حوض النيل أو لصالح التنمية في المنطقة، وقد كانت مثل هذه المشروعات مطروحة بالفعل في المفاوضات السابقة، ضمن رؤية للتعاون المستقبلي بين الدول الثلاث.

 

وختم هذه الجزئية بالتشديد على أن تحقيق هذه الرؤية يعتمد بالأساس على توفر نية سياسية حقيقية لدى إثيوبيا، وتخليها عن السياسات الأحادية، واحترام القوانين والاتفاقيات الدولية.

 

 

إثيوبيا ترفض الالتزام القانوني رغم وضوح الاتفاقات الدولية

 

وأكد حليمة أن إثيوبيا ملزمة قانونًا بالتنسيق مع مصر بموجب عدد من الاتفاقيات الدولية، وعلى رأسها المادة الخامسة والسابعة من إعلان المبادئ لعام 2015، إلى جانب اتفاقيتي 1902 و1903 التي أُبرمت في حقبة الاستعمار البريطاني، ولا تزال وثائق دولية معترفًا بها، وتنص على قواعد واضحة لتقاسم مياه الأنهار الدولية.

 

وأوضح  أن تلك الاتفاقيات تتضمن بندًا يتعلق بالتعويض في حالة وقوع ضرر، وتقرّ بمبدأ الإخطار المسبق والتنسيق مع دول المصب، مشيرًا إلى أن وجود ضرر جسيم هو شرط كافٍ لتفعيل هذه الالتزامات القانونية.

 

وفي رده على سؤال حول فرص استئناف المفاوضات، أوضح  أن إمكانية الحل مرهونة فقط بالموقف الإثيوبي، قائلاً: “فرص التفاوض الحقيقية مرتبطة بنيّة إثيوبيا. إذا استمرت في سياسة فرض الأمر الواقع، فإنها بذلك تُجهض أي فرصة لحل سياسي”.

 

وشدد على أن نهر النيل الأزرق هو نهر دولي، والسيادة عليه مشتركة، ولا يمكن لدولة واحدة أن تستأثر بالقرار بشأنه، مشيرًا إلى أن القوانين والاتفاقات الدولية الحاكمة لمياه الأنهار، تؤكد أن السيادة عليه يجب أن تكون متعددة الأطراف.

 

وأضاف: “هناك عدد من الوثائق والتفاهمات، أبرزها البيان الرئاسي الصادر عن مجلس الأمن، والتصريحات الرسمية التي وقعها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، والتي تؤكد جميعها ضرورة الالتزام بالتعاون واحترام الاتفاقات الدولية”.

 

واعتبر عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية أن إثيوبيا لا تمتلك حتى اللحظة نية حقيقية للتوصل إلى حل، بل تستدعي باستمرار سياسة فرض الأمر الواقع.

 

وتابع: “ما يجري حاليًا يمثل خرقًا واضحًا للمواثيق الدولية، وتجاوزًا لكل ما تم الاتفاق عليه من قواعد وإجراءات تضمن حقوق الجميع”.

 

وأشار  إلى أن ما يُثار في الداخل الإثيوبي حول ما يُعرف بـ”توطين الأرض” هو محض دعاية سياسية لا تستند إلى أرضية قانونية حقيقية، محذرًا من أن “مثل هذه الادعاءات تغذي النزاعات ولا تُمهّد لحل سلمي”.

 

وفي ختام تصريحاته، شدد على أهمية الدور الدولي والوساطة المحايدة في دفع الملف نحو تسوية عادلة، مشيرًا إلى أن الضرر الذي ألحقته إثيوبيا ليس ضررًا محتملًا، بل واقعًا، سواء على المستوى البيئي أو الصناعي أو الزراعي.

 

 

شراقي: إثيوبيا أنهت الملء بالكامل.. ومصر نجت من آثار سد النهضة بفضل السد العالي والمشروعات المائية

 

أكد الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، أن إثيوبيا انتهت فعليًا من ملء سد النهضة بالكامل في سبتمبر الماضي، مشيرًا إلى أن الخزان ظل ممتلئًا حتى أسابيع قليلة، قبل أن يتم سحب حوالي خمسة مليارات متر مكعب خلال العشرين يومًا الأخيرة، ما يعني عمليًا عدم وجود تخزين إضافي جديد.

 

وقال شراقي، في تصريحات خاصة، إن الملء الخماسي قد اكتمل على مدار خمس سنوات، وبالتالي لا يوجد ما يسمى بالملء السادس أو السابع، إلا في حالة واحدة وهي تفريغ السد ثم إعادة ملئه مجددًا، وهذا لا يُعد تخزينًا جديدًا.

 

وأوضح أن السيناريو الفني ابتداءً من هذا العام لن يشهد أي نقص في حصة مصر المائية بسبب سد النهضة، لأن السد لن يحتجز كميات إضافية من المياه، مشيرًا إلى أن مصر ستتلقى كامل إيرادها السنوي من مياه النيل خلال شهور السنة.

 

خمس سنوات صعبة

 

لكن شراقي لفت في الوقت نفسه أن الوضع لم يكن كذلك خلال السنوات الخمس الماضية، إذ كانت المياه التي تهطل كأمطار على الهضبة الإثيوبية تنقسم إلى جزء يُخزن في بحيرة السد، وجزء آخر يمر إلى مصر، مما نتج عنه عجز جزئي في الإيراد المصري السنوي.

 

وأضاف أن مصر تمكنت من امتصاص آثار التخزين الإثيوبي خلال هذه المرحلة بفضل اعتمادها على مخزون السد العالي، إلى جانب تنفيذ خطة متكاملة لترشيد الاستهلاك المائي وإعادة استخدام مياه الصرف الزراعي.

 

 

خطوات في خفض الاستهلاك

 

وتابع: نحن الآن نستخدم من 20 إلى 25 مليار متر مكعب سنويًا من مياه الصرف الزراعي، وهو رقم ضخم جدًا، ساهم في التخفيف من آثار سد النهضة.

 

وأشار شراقي إلى أن هذا الجهد تواكب مع عدد من المشروعات الأخرى الكبرى، مثل تبطين الترع، والتوسع في استخدام الصوب الزراعية، وتحديث أنظمة الري، إلى جانب تحديد مساحات زراعة الأرز.

 

وأكد أن كل هذه الإجراءات ساعدت على ترشيد الاستهلاك بدرجة قوية، بحيث لا يشعر المواطن العادي بتأثير سد النهضة بشكل مباشر.

 

مصر تُعاني عجزًا مائيًا يقارب 50 مليار متر مكعب سنويًا

 

وبين شراقي إلى إن مصر تعاني من عجز مائي يُقدّر بنحو 50 مليار متر مكعب سنويًا حتى قبل إنشاء سد النهضة، مشيرًا إلى أن هذا العجز يُعوَّض جزئيًا من خلال مصادر غير تقليدية، بينما تبقى فجوة يصعب سدها إلا بالاستيراد.

 

وأوضح شراقي،  أن هذا العجز المزمن كان قائمًا قبل التخزين في سد النهضة، لافتًا إلى أن الدولة تسعى لتعويض قرابة نصف هذا العجز من خلال استخدام المياه الجوفية، وإعادة تدوير مياه الصرف الزراعي، بينما تظل كمية تتراوح بين 20 إلى 25 مليار متر مكعب لا يمكن توفيرها داخليًا، ويتم تعويضها فعليًا عن طريق استيراد المحاصيل الزراعية من الخارج.

 

وأشار إلى أن كميات المياه التي خُزنت في سد النهضة خلال سنوات الملء الماضية كانت متفاوتة من عام إلى آخر.

 

وأكمل: “في السنوات الأولى تم تخزين نحو 5 مليارات متر مكعب سنويًا، ثم ارتفعت الكميات إلى 9 مليارات، وفي سنة 2024 تم تخزين 20 مليار متر، أي أن كل هذه المياه كانت تُخصم من حصة مصر، ولذلك لا يمكننا تحديد ما إذا كانت نسبة المياه التي وصلت لكل فرد قد تغيرت بدقة في كل سنة، ولكن نحكم على التأثير بشكل متوسط”.

 

وشدد شراقي على أن السنوات التي شهدت تخزينًا في سد النهضة كان من الممكن أن تُحدث تأثيرات شديدة الخطورة على مصر، مؤكدًا أن “50% من الأراضي الزراعية في مصر كان يمكن أن تخرج من الخدمة لولا وجود السد العالي”، على حد قوله.

 

كهرباء السد العالي لم تعد مؤثرة.. والدولة تعتمد على تكنولوجيا الزراعة لترشيد المياه

 

وأكد أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بجامعة القاهرة، أن تأثير سد النهضة على كهرباء السد العالي يُعد محدودًا للغاية، موضحًا أن مساهمة السد العالي في إنتاج الكهرباء لم تعد كبيرة كما في السابق، وذلك بسبب الاعتماد على محطات كهرباء كبرى أُنشئت خلال السنوات الأخيرة في مصر.

 

واستطرد: “كهرباء السد العالي مش هي المؤثرة حاليًا، حتى لو تأثر السد العالي بسد النهضة، ده تأثيره ضعيف على الكهرباء في مصر”، مشيرًا إلى أن الدولة قامت ببناء محطات كبيرة ساهمت في تقليل الاعتماد على كهرباء السد العالي.

 

وفيما يتعلق بمرونة البنية المائية المصرية وقدرتها على استيعاب التحديات الناتجة عن سد النهضة، أوضح شراقي أن مصر تبذل جهدًا كبيرًا لتعظيم مواردها المائية وتحقيق أقصى استفادة من كل قطرة ماء تصل إليها.

 

وأشار إلى أن الدولة تتبنى تقنيات حديثة في الزراعة بهدف ترشيد استهلاك المياه، مثل استخدام طرق زراعة متطورة في محصول الأرز، إذ يتم زرع شتلات الأرز بدلًا من الغمر التقليدي، وهو ما يؤدي إلى تقليل فترة الزراعة بنحو شهر، ما يعني تقليل فترة الري واستهلاك المياه.

 

وأضاف أن هذه الجهود لا تقتصر على تغيير أساليب الزراعة فقط، بل تشمل أيضًا استنباط أصناف جديدة من المحاصيل تستهلك كميات أقل من المياه، أو تستغرق فترات أقصر في الأرض، وهو ما يعزز من قدرة مصر على إدارة مواردها المائية بكفاءة أكبر.

 

وأوضح شراقي أن الدولة تعمل على الاستفادة من المياه المُوفَّرة من هذه الإجراءات لزراعة أراضٍ جديدة، لافتًا إلى أن مشروع “الدلتا الجديدة” يعتمد على مصادر مياه غير تقليدية، منها إعادة استخدام مياه الصرف الزراعي المُعالجة من محطة الحمام بمحافظة الإسكندرية، بالإضافة إلى مياه نهر النيل.

 

وأضاف: «بنستفيد من المياه اللي اتوفرت سواء من زراعة محاصيل أقل استهلاكًا أو من مياه الصرف الزراعي، وبنوجّهها إلى أراضي جديدة، لما ناخد مياه صرف زراعي، بنوفر قصادها مياه من النيل نستخدمها في الدلتا الجديدة، كمان حفرنا آبار جوفية تساند في زراعة الأراضي الجديدة».

 

وتابع: «رغم إن نصيب الفرد من المياه في تناقص مستمر، بسبب زيادة السكان اللي بتوصل مليون ونصف سنويًا، إلا إننا بنحاول نثبت أو نقلل من تراجع نصيب الفرد عن طريق التوسع الزراعي وزيادة الإنتاج… نصيب الفرد المفروض يوصل لـ 500 متر مكعب في السنة، لكن السنة الجاية هيكون 470، وعلينا نكمل جهودنا ونستغل المياه المستصلحة ونتوسع في المحاصيل قليلة الاستهلاك».

 

تمادي إثيوبي إذا سكتت مصر

 

ونوه شراقي إلى أن انتهاء بناء سد النهضة والملء الكامل لا يعني انتهاء جدوى الاتفاق؛ لأن السد في السنوات المقبلة سيكون عبارة عن تفريغ لتوليد كهرباء ثم إعادة ملء مرة تانية.

 

وأكد أن عملية تشغيل السد ستستمر لسنوات مقبلة، ما يتطلب اتفاقًا واضحًا بين مصر والسودان وإثيوبيا يحدد آلية فتح البوابات والتخزين الجديد في كل عام.

 

وقال: “لو ما عملناش اتفاق، إثيوبيا ممكن تكرر نفس السيناريو في مشروع آخر بنفس الطريقة، وده معناه فرض أمر واقع جديد، وده مرفوض تمامًا”.

 

وأشار إلى أن مصر تتابع الوضع بدقة عبر الأقمار الصناعية، إلى جانب استخدام طرق حسابية وعلمية دقيقة لرصد منسوب المياه وقياس حركة التخزين والتفريغ.

 

وأضاف: “النهاردة نقدر نقول إن التخزين اكتمل، زي السنة اللي فاتت، خمسة مليار متر مكعب، ولو ما فتحوش البوابات النهاردة، المياه هتعدي من فوق السد”.

 

وأوضح أن التحدي الحقيقي ليس في معرفة ما يجري، بل في غياب التنسيق وتبادل المعلومات، مشيرًا إلى أن مصر كانت تفضّل أن يكون هناك تنسيق معلن واتفاق على خطوات الملء والتفريغ السنوية، لا أن تستمر القرارات الأحادية.

 

 السد العالي حصن الأمن المائي.. والمياه ستصل إلى مصر رغم كل شيء

 

ووجه أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية بمعهد الدراسات الإفريقية بجامعة القاهرة، رسالة طمأنة إلى المواطنين المصريين، مؤكدًا أن السد العالي لا يزال يمثل خط الدفاع الأول عن الأمن المائي والقومي في مصر.

 

ومع ذلك، شدد شراقي على أن هذه الطمأنة لا تعني التخلي عن الحذر أو التوقف عن العمل، بل هي دعوة مزدوجة إلى المواطن لضبط سلوكه المائي، وإلى المسؤولين – وخاصة وزارة الخارجية – لمواصلة اتخاذ الإجراءات اللازمة للحفاظ على الحقوق القانونية والسياسية لمصر في مياه النيل.

 

وأوضح شراقي أن واجب المسؤولين لا يقتصر على إدارة الوضع الحالي، بل يشمل أيضًا منع تكرار أزمة مشابهة لما حدث في ملف سد النهضة، مؤكدًا: «ما ينفعش نلاقي إن فيه هو بيتعمل كده تاني، يعني العطش ما يحصلش، ما نلاقيش نفسنا في نفس الموقف.. دي مسئولية الحكومة».

 

وأشار إلى أن الجانب الإثيوبي قد لا يرى فارقًا جوهريًا في وجود اتفاق أو غيابه، لكن الوضع مختلف تمامًا بالنسبة لمصر.

 

الصعب عدى

 

وأوضح شراقي أن الخطر الأكبر كان في سنوات الملء وليس في التشغيل.

 

وقال: «إحنا دلوقتي الأضرار كانت في حجز المياه خلال السنوات السابقة.. الملء الأول والثاني والثالث.. لكن بعد كده لا خلاص، ما بقاش فيه تخزين جديد، هيبقى فيه تفريغ وإعادة ملء، لكن مش هيبقى فيه تخزين إضافي».

 

وأكد أن بدء التشغيل الدائم للسد، بعد انتهاء مرحلة التخزين، يعني أن الإيراد المائي المصري سيعود إلى وضعه الكامل، مشيرًا إلى أن ذلك يبدأ فعليًا هذا العام.

 

اقرأ أيضًا:

 

ما تداعيات المصالحة الإثيوبية – الصومالية على سد النهضة؟

 

هل يتحول سد النهضة إلى ورقة مصرية خلال ولاية ترامب الثانية؟

 

السفير جمال بيومي: مصر قدمت عرضاً لبناء سد النهضة

 

تقارب مغربي أثيوبي يثير التساؤل في ظل تفاقم أزمة سد النهضة

 

مقالات ذات صلة