أزمة مائية لا تخفى على أحد، تعيشها مصر منذ بناء سد النهضة وحتى الآن، ورغم توقف المفاوضات بين القاهرة وأديس أبابا منذ سنوات، فإن مسارات التهدئة التي تحاول دول كبرى اتباعها بين الطرفين ما زالت قائمة.
ورغم تهديد مصر عدة مرات بأن ما تفعله إثيوبيا من إنشاء سدود يؤثر على دولتي المصب، مصر والسودان، وينعكس سلبًا على كمية المياه التي تصل إليهما، فإن إثيوبيا ترفض البحث عن حلول أو حتى الدخول في مفاوضات جديدة مع دول المصب، بزعم سعيها لتوليد الطاقة الكهربائية التي تحتاجها منذ سنوات.
وفي ظل أزمة كبرى تواجهها مصر، جاءت تصريحات وزير الموارد المائية والري المصري، الدكتور هاني سويلم، من داخل السفارة البريطانية في القاهرة، لتدق ناقوس الخطر، وتطرح تساؤلات عديدة حول أسباب خروجها من داخل السفارة البريطانية ودلالات ذلك سياسيًا.
كما أثارت تساؤلات حول آخر تطورات السدود الإثيوبية ومدى انعكاسها على مصر، خاصة أن الدكتور هاني سويلم أكد أن مصر من أكثر الدول جفافًا، وتعتمد كليًا على نهر النيل. فماذا وراء هذه التصريحات؟ وإلى ماذا تشير؟ وهل تسعى مصر إلى تدخل دول كبرى في أزمة المياه مع إثيوبيا؟
حول هذه الأزمة، قال الدكتور رمضان قرني، الخبير في الشؤون الأفريقية، إن التصريحات الأخيرة لوزير الري من داخل السفارة البريطانية بالقاهرة، وحديثه بشكل واضح عن الفقر المائي في مصر، يجب أن تؤخذ بعين الاعتبار في ضوء المتغيرات الحالية.
وأكد أن هذا التصريح ليس جديدًا، إذ يشير إلى أن مصر دخلت بالفعل مرحلة الفقر المائي. موضحًا أن الوزير تحدث بصراحة من منظور علمي، حين أشار إلى أن معايير البنك الدولي تحدد الندرة المائية عند نحو ألف متر مكعب للفرد، بينما يقترب نصيب الفرد في مصر من مستوى الندرة المطلقة، أي نحو 500 متر مكعب. وبالتالي، فإن الحديث عن الوضع المائي في مصر يحمل طابعًا علميًا وسياسيًا في آن واحد.
وأضاف أن الإعلان عن هذه النسب يمثل رسالة سياسية للمجتمع الدولي، توضح الوضع الراهن للأمن المائي في مصر، في مواجهة الخطاب الإثيوبي الذي يروج عالميًا لفكرة أن سد النهضة لن يؤثر على مصر والسودان، وهو ما وصفه بالمغالطة العلمية. وأوضح أن الوزير يسعى من خلال تصريحاته إلى إبراز هذه الحقيقة، بما يتوافق مع قواعد القانون الدولي، محذرًا من أن هذه الدعاية الإثيوبية تمثل خطرًا على الأمن المائي المصري.
وأشار إلى أنه قبل إنشاء سد النهضة كان نصيب الفرد في مصر نحو 700 متر مكعب، وهو ما يُعد فقرًا مائيًا، لكنه تراجع إلى أقل من 500 متر مكعب بعد السد، ما ينقل مصر من مرحلة الفقر إلى الندرة المائية. لذلك، فإن تصريحات الوزير تحمل بعدين: سياسيًا وعلميًا، لتوضيح الصورة للرأي العام العالمي والداخل الإثيوبي.
وأشار الخبير في الشؤون الأفريقية إلى أن اختيار السفارة البريطانية جاء في إطار علمي أكثر منه سياسي، حيث جاءت تصريحات الوزير على هامش مائدة مستديرة حول الشراكات المجتمعية لمواجهة ندرة المياه وتغير المناخ، وكان محورها الأساسي تأثير التغيرات المناخية على القدرات المائية للدول.
وأكد أن التحرك المصري في ملف سد النهضة يتسم بتعدد الأبعاد، إذ يشمل البعد الثنائي المتعلق بعلاقات مصر مع دول حوض النيل، حيث تسعى القاهرة إلى شرح القضية بشكل مستفيض، ومحاولة تحييد دول الحوض الأخرى عن الخلاف مع إثيوبيا، وهو ما ظهر في العلاقات مع أوغندا، والدعوة إلى مراجعة اتفاقية عنتيبي.
وأضاف أن هناك تحركًا مصريًا على المستوى الجماعي عبر الاتحاد الأفريقي، إضافة إلى الأطر الأوسع مثل الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية، بهدف حشد الدعم السياسي الدولي. وأكد أن التوجه نحو الدول الكبرى لا يعد استنجادًا، بل محاولة لشرح حجم الضرر الواقع على مصر وسياساتها في هذا الملف.
وأكد الدكتور رمضان قرني ضرورة قراءة الموقف الأمريكي من أزمة سد النهضة بدقة، خاصة بعد تصريحات ترامب الداعمة لمصر، مشيرًا إلى أن الموقف الأمريكي لن يتجاوز حدود التصريحات، في ظل انشغال الولايات المتحدة بملفات أخرى، ما يجعل هذا الملف بعيدًا عن أولوياتها في الوقت الراهن. لذلك، تسعى مصر إلى بناء تكتلات ثنائية استعدادًا لأي تطورات محتملة.
وأشار إلى أن الموقف المصري السوداني شهد تقاربًا خلال السنوات الأخيرة، خاصة بعد تطورات الأوضاع في السودان، والتي كشفت أهمية التنسيق بين البلدين في مواجهة تداعيات سد النهضة.
من جانبه، قال الدكتور عباس شراقي، أستاذ الجيولوجيا والموارد المائية، إن وزير الري يحرص دائمًا على التأكيد على حجم العجز المائي في مصر، الذي يبلغ نحو 35 مليار متر مكعب، خاصة أمام المسؤولين الأجانب وفي المحافل الدولية، بهدف توضيح الجهود التي تبذلها الدولة لتحقيق الأمن المائي، والحصول على دعم دولي في الخلاف مع دول المنابع، خاصة إثيوبيا، وفقًا لقواعد القانون الدولي التي تنص على عدم الإضرار عند إنشاء مشروعات مائية على الأنهار المشتركة.
وأضاف أن تصريحات الوزير من داخل السفارة البريطانية تعكس أيضًا أوجه التعاون بين مصر وبريطانيا في مجال الموارد المائية، من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة، وبرامج التدريب، والنماذج الرياضية، والذكاء الاصطناعي، بهدف مواجهة التحديات المائية.
وأشار شراقي إلى أن بحيرة سد النهضة امتلأت في 5 سبتمبر 2024، عند منسوب 638 مترًا فوق سطح البحر، بإجمالي تخزين بلغ 60 مليار متر مكعب، ومع عدم تشغيل التوربينات بكامل طاقتها، حدثت تداعيات مائية أثرت على السودان، ما يثير مخاوف من تكرار السيناريو خلال مواسم الأمطار المقبلة.
وأوضح أن مصر تقع جغرافيًا ضمن أكثر المناطق جفافًا في العالم، إلا أن نهر النيل مكّنها عبر التاريخ من أن تكون دولة زراعية، غير أن تزايد عدد السكان وثبات الحصة المائية السنوية أديا إلى تصاعد التحديات المرتبطة بالأمن المائي والغذائي، خاصة مع وصول عدد السكان إلى نحو 120 مليون نسمة في عام 2026.
وأكد وجود تطابق في وجهات النظر بين مصر والسودان خلال الفترة الأخيرة بشأن ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني عادل ينظم عملية ملء وتشغيل سد النهضة، بما يحفظ حقوق دولتي المصب.
وفي السياق ذاته، قال إسلام فكري، الباحث في الشؤون الأفريقية، إن توقيت تصريحات وزير الري يرتبط باقتراب موسم الفيضان الصيفي، الذي يتطلب تنسيقًا مسبقًا بشأن إدارة المياه. وأوضح أن هذه التصريحات جاءت أيضًا ردًا على الادعاءات الإثيوبية بأن مصر تهدر مياه النيل.
وأضاف أن بريطانيا كانت طرفًا في اتفاقية 1902 التي تنظم العلاقات بين دول حوض النيل الشرقي، والتي تنص على عدم إقامة مشروعات مائية دون التنسيق مع دول المصب، ما يفسر اختيار هذا الإطار لطرح القضية.
وأشار إلى أن السد لم يعمل حتى الآن بكامل طاقته الإنتاجية، وأن هناك أعمال صيانة مستمرة، ما يثير مخاوف بشأن كفاءة التشغيل، مؤكدًا أن مصر تحتفظ بمخزون مائي استراتيجي في السد العالي يوفر لها قدرًا من الأمان في مواجهة أي اضطرابات محتملة.
واختتم بأن الموقف الأمريكي من الأزمة يتسم باستخدام أدوات الضغط السياسي، في إطار توازنات دولية وإقليمية أوسع، في حين تظل حصة الفرد من المياه في مصر أقل من المتوسط العالمي، وهو ما يؤثر على قطاعات حيوية مثل الزراعة ومياه الشرب.
اقرأ أيضًا:
ما تداعيات المصالحة الإثيوبية – الصومالية على سد النهضة؟
رسائل مصر إلى إثيوبيا ودور الإمارات في قضية سد النهضة | تقرير
إثيوبيا ومسلسل سد النهضة.. هل لمصر خيارات قانونية تنقذ حصتها من المياه؟



