الشارع المصري

ملايين خلف قرارات نزع الملكية.. أزمة التعويضات تفتح ملف نزع الملكية من جديد

على مدار خمسة أعوام مضت؛ تصدرت قضية نزع الملكية من ملايين المواطنين المشهد في مصر، فبين الأرقام الضخمة والملفات الإنسانية الشائكة، باتت التساؤلات مطروحة عن ما بعد نزع الملكية، خاصة وأن هناك ملايين فقدوا أملاكهم سواء عبر الإزالة أو الاستحواذ لإعادة تخطيط مناطق سكنية وتجارية.

 

خلف الأملاك المنزوعة؛ تقف قصص آلاف الأسر التي وجدت نفسها أمام واقع جديد، بين تعويضات لا تكفي أحيانًا، أو انتقال قسري من مناطق اعتادت العيش فيها لعقود، وسط تساؤلات حول التوازن بين خطط الدولة للتنمية وإعادة تنظيم المدن، وبين حماية حقوق المواطنين والحفاظ على استقرارهم الاجتماعي والاقتصادي، فبينما تؤكد الحكومات أن مشروعات التطوير العمراني وإنشاء الطرق والبنية التحتية تستهدف تحسين جودة الحياة وتحقيق المصلحة العامة، يرى متضررون أن عمليات نزع الملكية تمثل تحولًا كبيرًا في حياتهم، خاصة مع ارتباط الأرض والمنزل بالاستقرار ومصدر الدخل والهوية الاجتماعية.

 

خلال السنوات الخمس الماضية، تحولت خريطة العديد من المناطق إلى ورش عمل مفتوحة، حيث أُعيد رسم ملامح مدن وقرى بأكملها، في سباق مع خطط التنمية والتوسع العمراني، لكن خلف مشاهد الطرق الجديدة والمشروعات الكبرى، يبقى السؤال الأبرز:

كيف يمكن تحقيق التنمية دون أن يدفع المواطنون وحدهم تكلفة التحول؟.

 

ملف نزع الملكية تحت قبة البرلمان

 

وحول هذه الأزمة، أكد النائب محمد فؤاد، عضو حزب العدل وعضو اللجنة الاقتصادية بالبرلمان، أنه تقدم بطلب إحاطة بشأن التوسع المستمر في قرارات نزع الملكية للمنفعة العامة، وكان آخرها القرار الخاص بتوسعة الطريق الدائري، مشددًا على أن تحركه لا يستهدف الاعتراض على مشروعات التنمية أو تطوير البنية الأساسية، باعتبارها مشروعات ضرورية تخدم ملايين المواطنين، وإنما يأتي بهدف تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية وحماية حقوق المواطنين المتأثرين بهذه القرارات.

 

وأوضح عضو مجلس النواب أن نزع الملكية للمنفعة العامة يمثل أداة قانونية تستخدمها دول العالم لتنفيذ المشروعات التي تحقق الصالح العام، خاصة عندما لا تكون هناك بدائل عملية متاحة، مشيرًا إلى أن نجاح هذه الأداة لا يرتبط فقط بسرعة تنفيذ المشروعات، وإنما بمدى قدرة الدولة على توفير تعويضات عادلة وسريعة وواضحة للمواطنين الذين تتأثر ممتلكاتهم.

 

التوازن بين التنمية وحقوق المواطنين

 

وأشار عضو اللجنة الاقتصادية بالبرلمان إلى أن القلق المتزايد يرتبط بإصدار قرارات جديدة لنزع الملكية في ظل ضغوط تواجه المالية العامة، إلى جانب وجود شكاوى متكررة بشأن تأخر صرف بعض التعويضات أو امتداد الإجراءات لفترات زمنية طويلة.

 

وتساءل النائب محمد فؤاد عما إذا كانت جميع المشروعات التي تتطلب نزع ملكية تتضمن منذ البداية التمويل الكامل اللازم للتعويضات، أم أن إجراءات التنفيذ تبدأ قبل التأكد من توفير الموارد المالية الخاصة بحقوق المواطنين.

 

وشدد النائب محمد فؤاد على ضرورة اعتبار التعويضات جزءًا أساسيًا من تكلفة أي مشروع منذ مرحلة التخطيط والاعتماد، تمامًا مثل تكاليف الإنشاءات والمرافق والأعمال الهندسية، مؤكدًا أنه لا يمكن أن يبدأ تنفيذ المشروع بينما يظل المواطن في انتظار الحصول على مستحقاته، مضيفًا أن التنمية لا يجب أن تتحقق على حساب تأجيل حقوق المواطنين أو تحويل التعويضات إلى التزامات مؤجلة، محذرًا من أن غياب التمويل الواضح للتعويضات بالتوازي مع تنفيذ المشروعات يخلق تكلفة اجتماعية غير محسوبة.

 

وأكد عضو البرلمان أنه طالب بإحالة الملف إلى لجنة النقل والمواصلات لمراجعة آليات تمويل التعويضات المرتبطة بمشروعات الطرق والمحاور، والتأكد من وجود مخصصات مالية واضحة ومسبقة لها، بما يحافظ على حقوق المواطنين ويعزز الثقة في مشروعات التنمية بدلًا من أن تصبح مصدرًا للقلق والجدل.

 

نزع الملكية.. ضرورة مشروطة

 

من جانبه، أكد المهندس مروان فارس، الخبير العقاري، أن نزع الملكية للمنفعة العامة ليس هدفًا في حد ذاته، وإنما يمثل أداة قانونية تلجأ إليها الدول لتنفيذ المشروعات التي تحقق الصالح العام، خاصة المشروعات التي لا يمكن تنفيذها دون الأراضي المطلوبة، مثل الطرق والمحاور والكباري ومترو الأنفاق والمشروعات الخدمية والتوسعات العمرانية.

 

وقال الخبير العقاري إن مصر شهدت خلال السنوات الأخيرة حجمًا كبيرًا من مشروعات البنية التحتية، وهو ما أدى بشكل طبيعي إلى زيادة حالات نزع الملكية، موضحًا أن التحدي الحقيقي لا يكمن في قرار نزع الملكية ذاته، وإنما في آليات التنفيذ، ومدى وضوح الإجراءات، ومعرفة المواطن بحقوقه، وسرعة صرف التعويضات المستحقة.

 

وأضاف الخبير العقاري أن تقبل المواطنين لقرارات نزع الملكية يرتبط بشكل أساسي بمدى شعورهم بأن الإجراءات تمت بعدالة وشفافية، مشيرًا إلى أن تقييم التعويضات يختلف من حالة إلى أخرى، فهناك من يرى أن قيمة التعويض مناسبة لأنها وفرت له بديلًا جيدًا، بينما يرى آخرون أن قيمة العقار تتجاوز أي تقدير مالي بسبب موقعه أو ارتباطه بمصدر دخل أو ذكريات أسرية ممتدة لسنوات.

وأوضح “فارس” أن قيمة التعويض لا تخضع لرقم ثابت، وإنما يتم تحديدها وفقًا لعدة عوامل، من بينها موقع العقار ومساحته وطبيعة استخدامه والأسعار السائدة وقت التقييم، مؤكدًا أن الأهم من قيمة التعويض هو شعور المواطن بأن عملية التقييم تمت بشكل عادل وواضح.

 

وأشار “فارس” إلى أن العدالة في التعويض لا تعني بالضرورة رضا جميع الأطراف، لأن العقار لا يمثل قيمة مادية فقط، وإنما قد يحمل قيمة معنوية أو تجارية خاصة، كما أن الفارق الزمني بين مرحلة التقييم ومرحلة التنفيذ قد يؤدي أحيانًا إلى شعور بعض الملاك بأن قيمة التعويض أقل من القيمة الفعلية للعقار، مشددًا على أهمية وجود آليات أكثر شفافية في التقييم، إلى جانب توفير حق واضح للمواطن في الاعتراض وطلب إعادة التقييم، بما يعزز الثقة في منظومة نزع الملكية.

 

قوانين لتنظيم الأزمة

 

وأكد الخبير العقاري أن جميع دول العالم لديها قوانين تنظم نزع الملكية، لأنه لا يمكن تنفيذ مشروعات كبرى مثل الطرق والمطارات وخطوط المترو والمستشفيات إذا كان امتلاك قطعة أرض واحدة قادرًا على تعطيل المشروع بالكامل، موضحًا أن الفارق بين الدول لا يكمن في وجود القانون، وإنما في طريقة تطبيقه واحترام حقوق المواطنين أثناء التنفيذ.

 

ولفت الخبير العقاري إلى ضرورة أن يكون نزع الملكية هو الخيار الأخير وليس الأول، مع بحث بدائل مثل الشراء بالتراضي، أو تعديل مسار المشروعات إذا كان ذلك ممكنًا، أو تقديم تعويضات بديلة في صورة وحدات أو أراضٍ بدلًا من التعويض النقدي فقط، مؤكدًا أن فتح قنوات الحوار مع المواطنين يجعلهم شركاء في التنمية وليسوا متضررين منها.

 

الوراق.. رقعة ملتهبة

 

وفيما يتعلق بملف جزيرة الوراق، قال “فارس” إن هذا الملف يختلف عن حالات نزع الملكية التقليدية، لأنه لا يرتبط بالتعويض فقط، وإنما يتضمن أبعادًا قانونية وتخطيطية مرتبطة بطبيعة الملكيات وخطط تطوير الجزيرة وآليات تنفيذ المشروع، مشددًا على ضرورة التعامل مع كل حالة وفق ظروفها الخاصة.

 

واختتم المهندس مروان فارس تصريحاته بالتأكيد على أن التنمية وحقوق الملكية الخاصة ليستا طرفين متعارضين، موضحًا أن نجاح أي دولة في تحقيق تنمية مستدامة يتطلب الحفاظ على قدرة الدولة على تنفيذ مشروعاتها، وفي الوقت نفسه ضمان حقوق المواطنين، لأن تحقيق هذا التوازن يضمن نجاح التنمية وتحقيق مصالح جميع الأطراف.

 

وفي السياق ذاته، قال النائب حسام الخشت، نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل، إنه تقدم بطلب إحاطة الشهر الماضي إلى رئيس مجلس الوزراء ووزراء النقل والمواصلات، والتخطيط والتنمية الاقتصادية والتعاون الدولي، والإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، والموارد المائية والري، بشأن كفاءة منظومة تعويضات نزع الملكية للمنفعة العامة، وما تواجهه من تحديات تؤثر على حصول المواطنين المتضررين على حقوقهم بصورة عادلة وفي التوقيت المناسب.

 

وأكد الخشت أن التوسع الكبير الذي شهدته الدولة خلال السنوات الأخيرة في تنفيذ مشروعات البنية التحتية والمشروعات القومية، صاحبه ارتفاع في عدد شكاوى المواطنين المتأثرين بقرارات نزع الملكية، خاصة فيما يتعلق بتأخر صرف التعويضات، وعدم توافق بعض القيم المقدرة مع الأسعار السوقية الفعلية للأصول، إلى جانب تأثير معدلات التضخم وارتفاع الأسعار على القيمة الحقيقية للتعويضات.

 

وأشار نائب رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل إلى أن هناك دراسة حديثة صادرة في يونيو 2026 كشفت عن نزع ملكية نحو 88 ألفًا و769 فدانًا لصالح 525 مشروعًا خلال الفترة من عام 2021 وحتى عام 2025، ما أدى إلى تأثر أكثر من 136 ألف أسرة، بإجمالي يتجاوز 546 ألف مواطن، وهو ما يستدعي مراجعة آليات التقييم والصرف بما يضمن تحقيق العدالة للمتضررين، مؤكدًا أن هذه الدراسة رغم خطورتها لكنها لا تشمل الأعداد الفعلية للمنزوع ملكيتهم والتي يصل عددهم إلى ملايين.

 

وأوضح الخشت أن حماية الملكية الخاصة تمثل حقًا دستوريًا أصيلًا، حيث نص الدستور المصري على عدم جواز نزع الملكية إلا للمنفعة العامة، وبمقابل تعويض عادل يُدفع مقدمًا وفقًا للقانون، مشددًا على ضرورة التزام الجهات المعنية بالقواعد القانونية المنظمة لإجراءات نزع الملكية وإيداع قيم التعويضات المستحقة.

 

 

مأزق الدولة

 

وطالب النائب الحكومة بالكشف عن أسباب تأخر صرف التعويضات في بعض المشروعات، ومدى الالتزام بالمواعيد القانونية المحددة، فضلًا عن توضيح آليات مراجعة وتحديث قيم التعويضات بما يتناسب مع المتغيرات الاقتصادية ومعدلات التضخم، وضمان حصول المواطنين على كامل مستحقاتهم دون انتقاص.

 

ودعا عضو مجلس النواب إلى إحالة طلب الإحاطة إلى اللجنة المختصة بمجلس النواب، وعقد اجتماع موسع بحضور ممثلي الوزارات والجهات المعنية، لبحث جميع جوانب ملف نزع الملكية، ووضع حلول عملية تحقق التوازن بين تنفيذ مشروعات التنمية وحماية الحقوق الدستورية للمواطنين.

 

الوراق.. حكاية لم تُحسم بعد

 

وعلى المستوى الإنساني، تحدثت “نادية. س”، والتي رفضت الكشف عن اسمها أو صورتها، وهي إحدى أهالي الوراق، قائلة إن الوضع في الجزيرة يختلف عن الأماكن الأخرى المنزوع ملكيتها من أصحابها، مؤكدة أنه منذ 2017 لم يصل أهالي الوراق إلى حلٍ نهائي مع الحكومة، مشيرة إلى اجتماع مسؤولين مع أهالي الوراق حيث طالب الأهالي برفع قيمة التعويضات عن نزع الأراضي البالغة 4000 جنيه لمتر الأرض المباني و1400 للأرض الزراعية، خاصةً لارتفاع قيمتها عند استخدامها كأرض مباني على النيل، إلا أن ذلك لم يتم تنفيذه.

 

وكشفت نادية، أن أهالي الوراق طالبوا بتخصيص مساحة لهم داخل الجزيرة لكن ذلك قوبل بالرفض، مشيرة إلى وجود تخوفات من عدم تعويض الحكومة للأهالي عن الأراضي التي سينزعوها.

 

أما “أحمد. ص”، أحد المواطنين في الوراق والذي رفض الكشف عن اسمه أو هويته، أكد أن القرار رقم 334 لسنة 2026، والمتضمن إجراءات نزع ملكية بعض العقارات والأراضي في نطاق محافظة القاهرة، استكمالاً لمشروع إنشاء مواقف للسيارات لخدمة ركاب الأتوبيس الترددي السريع (BRT) على الطريق الدائري حول القاهرة الكبرى، من الممكن أن تعيد به الحكومة نفس سيناريو الوراق، حيث يجلس المواطنون دون تعويض مدفوع أو شقق بديلة، وهو ما يُشكّل خطرًا كبيرًا على الحكومة في ظل عدم حسم هذا الملف الشائك.

 

وأضاف “أحمد” أن بعض أهالي الوراق اقترحوا تخصيص شقق سكنية لهم في مشروعات الإسكان الجديدة لكن هذه المشروعات لا تناسبهم لعدم توفر أساسيات الحياة من مواصلات وخدمات بها، وهو ما يعقد الأزمة.

 

اقرأ أيضًا:

 

“الوراق” تعود للواجهة من جديد.. ما مصير الجزيرة النيلية؟

 

جذب الاستثمارات على حساب “استنزاف النيل”

 

جدل حول نزع ملكية شاليهات عجيبة بمطروح لصالح الإمارات

 

أزمة قيادة تعصف بدير سانت كاترين وسط نزاع قضائي في المحاكم المصرية

 

 

مقالات ذات صلة