تغلغل إسرائيلي متسارع في القارة السمراء، تجلّى بوضوح في اعتراف تل أبيب بإقليم أرض الصومال كدولة مستقلة عن جمهورية الصومال، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا حول دوافعها الحقيقية وتداعياتها الخطيرة على منطقة القرن الأفريقي، لا سيما في ظل تفسيرات تربط هذا التحرك باستهداف غير مباشر للأمن القومي المصري.
وبعد أيام قليلة من إعلان الاعتراف، توجّه وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر إلى «أرض الصومال»، في أول زيارة لمسؤول إسرائيلي رفيع المستوى إلى الإقليم عقب هذه الخطوة، ما فتح الباب أمام تساؤلات عميقة: ما خلفيات هذا الاعتراف؟ وما أهدافه الاستراتيجية؟
قال الدكتور رامي زهدي، خبير الشؤون الأفريقية، إن اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» يشكّل تهديدًا غير مباشر، لكنه تراكمي واستراتيجي، ويتجلى على عدة مستويات، أبرزها البعد الجيوسياسي المرتبط بما يُعرف بـ«الطوق الجنوبي»، نظرًا للموقع بالغ الحساسية للإقليم عند مدخل باب المندب والبحر الأحمر.
وأوضح زهدي أن أي كيان غير معترف به دوليًا ويحظى بدعم خارجي يمكن توظيفه كمنصة ضغط جيوسياسي على مصر من الجنوب، مؤكدًا أن مصر تنظر تاريخيًا إلى منطقة القرن الأفريقي بوصفها امتدادًا مباشرًا لأمنها القومي، وليست ساحة بعيدة أو منفصلة عنها.
وأضاف أن دعم كيانات انفصالية دون مستوى الدولة، سواء كانت أقاليم أو ميليشيات أو جماعات مسلحة، يفتح الباب أمام تفكيك الدول الوطنية الهشة، وفي مقدمتها الصومال وإثيوبيا والسودان، وهو ما يفضي إلى فراغ أمني يسمح بتغلغل قوى إقليمية ودولية معادية للمصالح المصرية، فضلًا عن أزمات اقتصادية وإنسانية محتملة، واختلال واضح في توازنات القرن الأفريقي.
وأشار زهدي إلى أن هناك تهديدًا مباشرًا آخر يرتبط بالملف المصري–الإثيوبي، إذ يمكن لأي كيان جديد على البحر الأحمر أن يتحول إلى ورقة ضغط إضافية في ملف سد النهضة، وفي التنافس على النفوذ داخل البحر الأحمر كممر مائي وتجاري دولي. كما أن وجود قوى داعمة لإسرائيل قرب السواحل المقابلة لمصر من شأنه تعقيد البيئة الاستراتيجية المحيطة بملفات التفاوض أو الردع أو إدارة القضايا السياسية والاقتصادية والأمنية.
وأكد أن اعتراف إسرائيل بـ«أرض الصومال» لا يقتصر على بعده السياسي، بل يمهّد لوجود أمني وعسكري واستخباراتي، انسجامًا مع العقيدة الإسرائيلية التي ترى أن أمنها يبدأ من خارج حدودها، وأن البحر الأحمر جزء لا يتجزأ من أمنها القومي. واعتبر أن هذه الخطوة تمثل تطويقًا غير مباشر لمصر، إذ تأتي حلقة «أرض الصومال» مكمّلة لوجود إسرائيلي سابق في شرق المتوسط والقرن الأفريقي عبر علاقات عسكرية واستخباراتية، خاصة مع إثيوبيا.
وحول توقيت الاعتراف، شدد زهدي على أنه بالغ الدلالة، ويعكس استغلال إسرائيل لحالة الانشغال الإقليمي، وحرب غزة، واضطرابات البحر الأحمر، والأزمة السودانية، والتوترات المتصاعدة في القرن الأفريقي، وهي جميعها عوامل وفّرت بيئة مناسبة لتمرير خطوات صادمة.
من جانبه، وصف السفير صلاح حليمة، نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الأفريقية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، الاعتراف الإسرائيلي بـ«أرض الصومال» المعروفة باسم «صوماليلاند» بأنه خطوة بالغة الخطورة، وتمثل تعارضًا صريحًا مع القانون الدولي ومنظومة الأمم المتحدة، وانتهاكًا واضحًا لمبدأ احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها.
وأوضح أن الهدف الحقيقي من هذا الاعتراف هو تمكين إسرائيل من التواجد العسكري والأمني عند مدخل البحر الأحمر وخليج عدن، بما يعزز تحركاتها في شمال البحر الأحمر ويشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن الإقليمي. كما ربط الخطوة بالسياق الأوسع للتوترات الإقليمية، والحرب الدائرة، ومحاولات الالتفاف على القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني المشروعة.
وشدد حليمة على أن هذا التحرك أحادي الجانب يخدم المصالح الإسرائيلية ومصالح القائمين على الإقليم الانفصالي، ويمثل انتهاكًا صارخًا للقواعد والأعراف الدولية. وأشار إلى أن المجتمع الدولي عبّر عن رفضه واستنكاره لهذه الخطوة، عبر بيانات صادرة عن جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي ومجلس التعاون الخليجي، مع توقع صدور مواقف مماثلة من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، لما تحمله هذه الخطوة من تهديد مباشر للأمن والسلم في القرن الأفريقي.
وحذر من أن الاعتراف بـ«أرض الصومال» يهدد استقرار المنطقة، ويزعزع أمن البحر الأحمر وخليج عدن، باعتبارهما ممرين ملاحيين دوليين حيويين يفترض أن يظلا آمنين ومستقرين في ظل تصاعد التوترات العالمية شرقًا وغربًا.

في السياق ذاته، اعتبر الدكتور رمضان قرني، خبير الشؤون الأفريقية، أن القرار الإسرائيلي يمثل تطورًا استراتيجيًا بالغ الخطورة في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر وباب المندب، ويعكس مسعى واضحًا لخلط الأوراق في منطقة تشهد جهودًا أفريقية ودولية حثيثة لإعادة الاستقرار إلى الصومال.
وأوضح أن المجتمع الدولي يبذل جهودًا مضنية لدعم بناء المؤسسات العسكرية والأمنية الصومالية لمواجهة حركة «الشباب» الإرهابية، وأن هذا الاعتراف يقوّض تلك الجهود ويعيد إنتاج حالة عدم الاستقرار، خاصة في منطقة ذات تأثير مباشر على حركة التجارة العالمية.
وأكد قرني أن الخطوة تمثل تهديدًا متعدد الأبعاد: للأمن الصومالي، وللأمن القومي المصري، وللأمنين العربي والأفريقي، فضلًا عن كونها انتقاصًا صريحًا من سيادة الصومال ووحدة أراضيه، ولا سيما في ظل الاتفاقات الأخيرة بين مصر والصومال التي عززت التعاون العسكري ورفعت مستوى الشراكة الاستراتيجية بين البلدين.

وأشار قرني إلى أن الاعتراف الإسرائيلي لم يكن وليد اللحظة، بل يأتي تتويجًا لتعاون عسكري وسياسي وأمني متنامٍ، إذ تحدثت تقارير عن وجود معدات ومنصات ورادارات إسرائيلية جرى نصبها مؤخرًا في الإقليم، في إطار مواجهة تهديدات الحوثيين والهجمات الإيرانية، واستخدام «أرض الصومال» كنقطة إنذار مبكر للأمن القومي الإسرائيلي.
وختم بالتأكيد على أن التعاون الإسرائيلي–الإثيوبي، في ظل مواقف أديس أبابا العدائية تجاه مصر، يشكّل تهديدًا مباشرًا للأمن القومي المصري عبر اختراق خاصرة البحر الأحمر، ويؤثر سلبًا في قضايا السيادة للدول المطلة على هذا الممر الاستراتيجي الحيوي.
اقرأ أيضًا:
ترحيب مصري باتفاق الصومال وإثيوبيا لاستعادة العلاقات الدبلوماسية
أزمة أرض الصومال.. ترقب مصري حتى تنصيب ترامب
مصر والصومال.. إعادة ترتيب المشهد الإفريقي بعد سنوات من الجمود واستفحال الخطر الإثيوبي
سعيًا للضغط على إثيوبيا، مصر تُبرم اتفاقًا لتطوير ميناء جيبوتي



