مثّل استخدام الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي لكلمة “العدو” في وصف إسرائيل خلال حديثه أمام القمة العربية الإسلامية بالدوحة، تحولًا جذريًا في الخطاب السياسي المصري الرسمي، حيث أن آخر مرة قيلت فيها كلمة “العدو” في وصف إسرائيل، كان قبل معاهدة السلام في عام 1977، وهو ما يعد تصعيدًا لافتًا في لغة الخطاب المصري تجاه إسرائيل.
وسبقت كلمة “السيسي” ووصفه إسرائيل بـ”العدو”، رفع الجيش المصري لمستوى انتشاره في شمال سيناء إلى درجة غير مسبوقة منذ سنوات، ودفع بنحو 40 ألف جندي إلى المنطقة الحدودية برفح المصرية، ما يمثل ضعف العدد المسموح به وفق معاهدة كامب ديفيد، وذلك بأوامر مباشرة من الرئيس عبدالفتاح السيسي بعد اجتماع مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة ومجلس الأمن القومي.
وتنوع انتشار قوات الجيش المصري في شمال سيناء ما بين آليات مدرعة ودبابات M60 ومنظومات دفاع جوي، في محيط رفح والشيخ زويد والجورة، حتى داخل “المنطقة ج” المحاذية للقطاع، بالتزامن مع تصاعد الحديث عن خطة إسرائيلية لاجتياح قطاع غزة، والدفع بالمواطنين الفلسطينيين باتجاه معبر رفح لإرغامهم على مغادرة غزة وتنفيذ سيناريو تهجيرهم إلى داخل الحدود المصرية بشمال سيناء.
ولم تكن الكلمة التي أطلقها السيسي بوصف إسرائيل بالعدو مجرد تحول جذري في الخطاب السياسي المصري الرسمي فقط، لكنها جاءت في وقت تعتبره مصر بالخطير على الأمن القومي المصري في ظل استمرار العدوان في غزة والحديث الدائم عن تهجير الفلسطينيين، وهو الأمر الذي تعتبره مصر خطًا أحمر، وبالتالي فإن حديث السيسي هو بمثابة رسالة واضحة لإسرائيل بأن مصر تحتفظ بكامل حقها في الدفاع عن نفسها ضد أي تهديد إسرائيلي مستقبلي.
وتسارع الحديث الذي يحمل ردودًا حاسمة فيما يتعلق بإمكانية التصعيد بين مصر وإسرائيل في حال استهداف الأمن القومي المصري وتهجير الفلسطينيين إلى داخل الحدود المصرية، حيث أكد محافظ شمال سيناء من أمام معبر رفح خلال شهر أغسطس الماضي. ورد على سؤال: هل ستكون هناك عملية عسكرية بين مصر وإسرائيل؟ قال آنذاك: من يقترب من الحدود المصرية فلا يلومن إلا نفسه، ليس بما هو معلن ولكن بما هو غير معلن أيضًا، لجانب حالة الاحتقان التي تسود الشارع المصري الذي يطالب القيادة المصرية.
لكن اللافت هو أنه للمرة الأولى منذ توقيع معاهدة السلام ما بين مصر وإسرائيل عام 1979، يخرج رئيس مصري ليصف إسرائيل بالعدو، كما أن السيسي ألمح إلى إمكانية إلغاء اتفاقيات السلام. ووجه حديثه للإسرائيليين حين قال: “إن ما تفعله إسرائيل لن يقود لاتفاقات سلام جديدة، بل قد يجهض اتفاقات السلام الحالية”.

وفي ظل استمرار التجاوزات الإسرائيلية وبالتزامن دفع إسرائيل الفلسطينيين من الشمال إلى الجنوب تجاه الحدود المصرية، طلبت 5 من الأحزاب المصرية وعشرات الشخصيات العامة طالبوا في بيان السلطات المصرية بإسقاط معاهدة السلام مع إسرائيل، بالتزامن مع احتلال الجيش الإسرائيلي المناطق التي لا تزال خارجة عن سيطرته في مدينة غزة وشمالها، وأعلنت تأييدها لتعزيز الجيش المصري حضوره على الحدود الشرقية خشية من التداعيات الإنسانية والعسكرية لأي اجتياح مماثل.
وتعود اتفاقية السلام المصرية الإسرائيلية إلى معاهدة كامب ديفيد 1979، التي تضم ملحقًا أمنيًا حساسًا ينظم التواجد العسكري في شبه جزيرة سيناء وقد تم تصنيف سيناء إلى 3 مناطق “أ، ب، ج”، لكل منها قيود على عدد القوات ونوع المعدات، مقابل منطقة “د” الضيقة التي تخضع لقيود محدودة على الجانب الإسرائيلي.

وتعاملت مصر بجدية شديدة مع تصريح رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال مطلع شهر سبتمبر الماضي، الذي اعتبر من خلاله أن القاهرة “تسجن سكان غزة الراغبين في مغادرة منطقة حرب”، وهو ما دفع بدر عبدالعاطي، وزير الخارجية المصري، بالرد على هذه التصريحات إذ قال: “التهجير ليس خيارًا، وهو خط أحمر بالنسبة لمصر، ولن نسمح بحدوثه”. وأضاف: “التهجير يعني تصفية القضية الفلسطينية وانتهائها، ولا يوجد أي أساس قانوني أو أخلاقي لطرد الناس من وطنهم”.
وفي الوقت الذي أكد خلال مسؤولين إسرائيليين، في تصريحات نشرتها وسائل إعلام إسرائيلية، بأن حشود الجيش المصري ونشر قواته ومعداته العسكرية في سيناء، تمثل “انتهاكًا خطيرًا للغاية” لمعاهدة السلام المبرمة مع مصر، وأن هذه الحشود والتعزيزات العسكرية تثير مخاوف قيادات وحكومة إسرائيل، وفق صحيفة “إسرائيل هيوم”. ونقلت الصحيفة الإسرائيلية سفير إسرائيل في واشنطن قوله: إن “هناك قواعد بُنيت، ولا تُستخدم إلا في العمليات والأسلحة الهجومية، وهذا خرق واضح”.
بدورها أوضحت صحيفة “هآرتس” الإسرائيلية أن “القاهرة لا تنكر التعزيزات العسكرية، بما في ذلك بناء مطار عسكري، لكنها أفادت بأنها لا تملك نوايا هجومية”، مضيفة أن هذه التعزيزات تسعى “أيضًا لمواجهة احتمال تهجير الفلسطينيين قسرًا من غزة إلى سيناء”.
الإجراءات العسكرية التي تشهدها الحدود المصرية وتداول المنشورات والتصريحات بين الجانبين، تعد جزءًا من تدهور مستمر في العلاقات بين الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإسرائيلي منذ تشكيل حكومة بنيامين نتنياهو الأخيرة عام 2022. ولم يلتقِ الرئيسان علنًا منذ ما يناهز ثلاث سنوات، ولم يُسجل أي اتصال هاتفي بينهما منذ يونيو 2023.
يؤكد محمد ألوعكر، أحد أبناء قبيلة العكور بمركز مدينة الشيخ زويد القريبة من الحدود المصرية مع الأراضي المحتلة لمنصة MENA، بأنه شاهد آليات عسكرية مصرية ثقيلة جرى نشرها على الجانب المصري من الحدود، بينها دبابات وناقلات جند، لم تكن موجودة في السابق، حيث اقتصر الوجود لسنوات على دوريات عسكرية خفيفة وجيبات، لكن خلال الأشهر الأخيرة، رُصدت حركة نشطة لهذه الآليات الثقيلة بشكل لافت.
كما تحدث “أبو عكر” عن نشاط مكثف للطائرات المسيّرة الإسرائيلية على طول الحدود مع مصر على مدار الساعة، لمراقبة التحركات المصرية ومتابعة المسيّرات التي يطلقها الحوثيون باتجاه أهداف إسرائيلية.
وكشف المواطن موسى المنيعي، من سكان قرية المهدية جنوب مدينة رفح المصرية لمنصة MENA، أن الجيش الإسرائيلي أطلق منطادًا عسكريًا للمراقبة فوق موقع معبر كرم أبو سالم على الحدود مع مصر، مشيرًا إلى أن هذا المنطاد يمكن رؤيته بالعين المجرّدة من مسافات بعيدة داخل سيناء، ويتيح متابعة دقيقة لكل التحركات العسكرية المصرية، خصوصًا في ظل الانتشار الكثيف وغير المسبوق داخل مدن رفح والشيخ زويد والعريش.
ويشير الشيخ عبد الهادي الهمالعة، أحد مشايخ قبيلة السواركة بجنوب رفح لمنصة MENA، إلى أن حجم الانتشار العسكري المصري الحالي في المنطقة يفوق ما كان عليه الوضع خلال فترة مواجهة تنظيم ولاية سيناء التابع لتنظيم داعش، والتي استمرت لأكثر من عشر سنوات.
أضاف الهمالعة: أن الوجود العسكري المصري بات شاملًا لمختلف مناطق شمال سيناء، في الوسط والشمال على وجه الخصوص، حيث نشر الجيش مئات الآليات وآلاف الجنود، وأعاد نصب الكمائن العسكرية بعد أن كان قد أزالها خلال العامين الماضيين مع تراجع العمليات ضد التنظيم.
وأكد أن القوات المصرية المنتشرة على حدود سيناء الشمالية الشرقية في الوقت الراهن لم يشهد سكان سيناء مثيلاً لها منذ عقود، حيث بات الانتشار العسكري مكثفًا بشكل خاص في المناطق القريبة من الحدود مع قطاع غزة، وكذلك الحدود مع الأراضي المحتلة.

تقارير وسائل الإعلام الإسرائيلية حول حشد مصر لقواتها على الحدود مع فلسطين المحتلة، دعت مصر ممثلة في الهيئة العامة للاستعلامات التابعة لرئاسة الجمهورية إلى إصدار بيان رسمي، جاء فيه: “أن وجود الجيش المصري في سيناء جاء بدافع الاستعداد بكل قوته وخبرته، لمواجهة أي طارئ، وأي اعتداء على سيادته”. ليُحذف البيان بعد دقائق من نشره ويتم استبداله ببيان آخر، وأكدت النسخة الجديدة أن الهدف هو مكافحة “العمليات الإرهابية”، ويندرج ضمن التنسيق المنصوص عليه في بنود اتفاقية السلام.
وقال النائب فايز أبو حرب، عضو مجلس الشيوخ المصري وأمين القبائل لحزب الجبهة الوطنية ومنسق اتحاد القبائل والعائلات المصرية لمنصة MENA: “أن هذا السيناريو الذي يهدف لتهجير الفلسطينيين من غزة لداخل الحدود المصرية بشمال سيناء يُنظر إليه في مصر باعتباره تهديدًا مباشرًا للأمن القومي، إذ يعني نقل عبء إنساني وأمني ضخم إلى سيناء، وتحويل الأزمة إلى داخل الأراضي المصرية”.
وأوضح “أبو حرب”: أن القاهرة تخشى من أن تستغل إسرائيل حالة الفوضى الناجمة عن الحرب لترسيخ سياسة “الترانسفير” (التهجير القسري)، بحيث يتحول جنوب غزة إلى محطة مؤقتة قبل محاولة دفع المدنيين باتجاه معبر رفح. وهذا ما دفع الجيش المصري إلى تعزيز وجوده على الحدود بشكل لافت خلال الأيام الماضية، في رسالة مزدوجة: أولًا منع أي اختراق أمني أو عبور جماعي، وثانيًا توجيه رسالة سياسية بأن مصر ترفض بشكل قاطع أي حلول على حساب أراضيها أو سيادتها.
وقال مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير عبدالله الأشعل لمنصة MENA: “إن الوضع الحالي مع إسرائيل في غاية الخطورة، وأن وصف الرئيس السيسي لإسرائيل بالعدو يشير إلى تحول كبير في السياسة الخارجية المصرية”.
وأضاف الأشعل: “هذه ليست مجرد عبارة عابرة، بل رسالة مدروسة، تعني أن مصر تعتبر أن سياساتها الأمنية والعسكرية على الحدود باتت تواجه تهديدًا مباشرًا من إسرائيل”.
وأكد السفير الأشعل أن حديث السيسي عن إمكانية أن تُجهض سياسات إسرائيل اتفاقية السلام هو تمهيد قانوني وسياسي لأي تحرك مصري لاحق، سواء كان تجميد الاتفاقية أو إعادة النظر فيها.
وأشار الأشعل إلى أن تحركات مصر في سيناء لا تمثل خرقًا للاتفاقية، بل هي حق سيادي في الدفاع عن النفس، خصوصًا إذا ما تجاوزت إسرائيل الخطوط الحمراء في غزة، أو حاولت تنفيذ مخطط التهجير القسري للفلسطينيين إلى الأراضي المصرية.
فيما قال العقيد حاتم صابر، الخبير الأمني والاستراتيجي لمنصة MENA: “إن التحركات العسكرية المصرية في شمال سيناء هي تحركات دفاعية بحتة، وليست هجومية، وهدفها الرئيسي هو تأمين الحدود الشرقية ومنع أي اختراق محتمل”.
وأضاف صابر: “أن الجيش المصري يعمل ضمن استراتيجية متكاملة تشمل التنسيق الاستخباراتي والرصد الميداني، تحسبًا لأي محاولة من جانب إسرائيل أو جماعات مسلحة لاستغلال الموقف الراهن في غزة”.
وقال اللواء محمود خلف، المستشار بأكاديمية ناصر العسكرية العليا لمنصة MENA: “إن ما يجري في سيناء هو إعادة تموضع واستعداد استراتيجي للقوات المسلحة المصرية، تحسبًا لأي طارئ قد يمس الأمن القومي المصري”.
وأضاف خلف: “أن مصر تتعامل مع الوضع بمنتهى الحذر، لكنها في الوقت نفسه تُرسل رسالة واضحة مفادها أن حدودها خط أحمر، وأنها لن تسمح بأي محاولات لتغيير الواقع الجغرافي أو الديموغرافي على حدودها الشرقية”
وأشار خلف إلى أن تصريحات الرئيس السيسي كانت بمثابة إعلان واضح وصريح بأن مصر لن تقبل بأي شكل من أشكال التهجير للفلسطينيين، وأن هذا الأمر محسوم على المستويين الشعبي والرسمي.
وأكد أن الموقف المصري يحظى بدعم عربي واسع، خاصة من الدول التي ترى أن أي تهجير للفلسطينيين سيُعتبر تصفية نهائية للقضية الفلسطينية، مشيرًا إلى أن القاهرة تدرك تمامًا خطورة المرحلة وتتعامل معها بكل جدية.
وأوضح اللواء خلف أن الجيش المصري مستعد لجميع السيناريوهات، سواء كانت سياسية أو عسكرية، وأن التعزيزات في سيناء تأتي ضمن رؤية شاملة تهدف إلى حماية الأمن القومي المصري ومساندة الحقوق الفلسطينية المشروعة دون الدخول في مواجهة مباشرة إلا إذا فُرضت على مصر.
اقرأ أيضًا:
سقوط مسيّرة في سيناء يثير تساؤلات حول الدور الإقليمي لمصر
هل تُعيد إسرائيل سيناريو السويس إن خاضت الحرب بمفردها؟
تفاصيل خطة سرية بين ترامب ونتنياهو بشأن سيناء.. هل تُنفّذ خطة التهجير؟
هل بدأ الاستثمار الإماراتي في تعمير شبه جزيرة سيناء؟
العودة المستحيلة.. مأساة المهجّرين شمال شرق سيناء



