سياسة

اتفاق قديم يُعاد ترويجه.. حقيقة صفقة الغاز بين مصر وإسرائيل

شهد الشارع المصري خلال الأيام الماضية حالة من الجدل بعد إعلان الجانب الإسرائيلي أن الحكومة المصرية أبرمت صفقة لاستيراد الغاز بقيمة 35 مليار دولار. غير أن هذه الاتفاقية ليست جديدة كما جرى الترويج لها، إذ تعود في الأصل إلى عام 2019، بينما ما حدث مؤخرًا يقتصر على تعديل بعض بنود الاتفاق وليس توقيع صفقة جديدة.

 

20 مليار دولار في العام

 

قال الدكتور هاني توفيق، الخبير الاقتصادي، إن فاتورة استيراد الغاز لمصر في عام 2025 ستصل إلى نحو 20 مليار دولار، موضحًا أن الاحتياجات الحالية من الغاز تختلف عن التوقعات القديمة، فبعد أن كانت مصر مُصدّرًا للغاز أصبحت اليوم مستوردًا له من إسرائيل.

 

 

وأوضح أن الاستيراد من إسرائيل له أبعاد متباينة، فعلى المستوى السياسي يُعد أمرًا حساسًا، بينما على الصعيد الاقتصادي يبدو خيارًا منطقيًا لعدة أسباب؛ أبرزها أن الغاز يصل في صورته الطبيعية دون الحاجة إلى عمليات تسييل أو تجهيز، إلى جانب قرب المسافة، وهو ما يجعل السعر أكثر ملاءمة لاحتياجات السوق المصرية.

 

وأكد توفيق لمنصة “MENA”، أن السعر الذي عرضته إسرائيل كان منافسًا للغاية، وأن متخذ القرار نظر إلى الأمر من زاوية اقتصادية بحتة، مع الأخذ في الاعتبار احتمالية اندلاع حرب أو حدوث توترات، ومع ذلك تبقى الصفقة ناجحة من الناحية الاقتصادية بجميع المقاييس.

 

وأشار إلى أن تأثير الغاز على معدلات التضخم لا يتجاوز 1% على أقصى تقدير، لافتًا إلى أن الأثر الأكبر يظهر في أسعار الوقود وليس الغاز، وبالتالي فإن المواطن لن يشعر بزيادة كبيرة في هذا الجانب مقارنة بالنفط.

 

لكن، وعلى الرغم من المكاسب الاقتصادية، حذّر الخبير الاقتصادي من المخاطر الجيوسياسية للاعتماد على إسرائيل في ملف الغاز، خصوصًا في ظل وجود رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومخططاته التوسعية في مصر والأردن ولبنان وسوريا والعراق والكويت، معتبرًا أن أي توتر في العلاقات قد يُعرّض الاتفاقيات للخطر، ليس في الغاز فقط وإنما في مجالات أخرى أيضًا.

 

وأضاف أن البدائل متاحة في حال حدوث أي أزمة، مثل الاستيراد من دول عربية لديها فائض في إنتاج الغاز على غرار قطر والجزائر، غير أن تكلفتهما ستكون أعلى مقارنة بإسرائيل نظرًا لبعد المسافة واحتياج الغاز لعمليات تسييل ونقل بحري، وهو ما يجعل الاعتماد على إسرائيل اقتصاديًا أفضل، لكن مع إبقاء البدائل العربية جاهزة للتحرك الفوري حال حدوث أي توترات إقليمية.

 

ما علاقة الصفقة بنفوذ إسرائيل؟

 

فيما قال أحمد مصطفى، الخبير في الشؤون الإسرائيلية، إن الحديث عن تعزيز إسرائيل لنفوذها في المنطقة غير دقيق، مؤكدًا أن هذا الكيان “محكوم عليه بالزوال”، مشيرًا إلى أن الغاز الذي تبيعه إسرائيل هو في الأصل غاز فلسطيني ولبناني مُغتصب، ومن حق مصر أن تستفيد منه باعتبارها الأقرب جغرافيًا.

 

وأوضح مصطفى لمنصة “MENA”، أن مصر حققت ميزة اقتصادية كبيرة بالحصول على الغاز من إسرائيل بسعر يقل بنحو 45% عن السعر العالمي، مضيفًا أن الغاز يُنقل عبر خطوط أنابيب مباشرة، ما يجنب مصر تكاليف النقل البحري وعمليات التسييل.

 

 

وأشار إلى أن مصر هي الدولة الوحيدة في المنطقة التي تمتلك بنية تحتية متكاملة لإسالة وتصدير الغاز من خلال محطتي دمياط ورشيد، وهو ما يميزها عن باقي الدول المجاورة التي تحتاج إلى سنوات طويلة لتشييد مثل هذه المنشآت. وقال إن هذه الميزة تجعل مصر شريكًا رئيسيًا لأوروبا في تصدير الغاز الطبيعي.

 

وأكد أن النظر إلى الصفقة من منظور سياسي أو وطني بحت قد يُظهرها مثيرة للجدل، لكن على المستوى الاقتصادي لمصر استفادة واضحة، سواء من خلال تأمين احتياجاتها أو من خلال إعادة تصدير الغاز إلى أوروبا مقابل رسوم وأرباح مباشرة.

 

وأضاف مصطفى أن الاقتصاد الإسرائيلي يمر بأزمة حقيقية بعد الحرب الأخيرة التي استمرت 12 يومًا مع إيران، حيث تكبد خسائر فادحة في منظومة “القبة الحديدية” وغيرها، وهو ما يجعله بحاجة إلى مليارات الدولارات لإعادة التوازن، فضلًا عن اعتماد إسرائيل المستمر على المعونات الأمريكية والأوروبية.

 

ولفت إلى أن ما يثار حول أن الصفقة جاءت بضغوط أمريكية أو غربية غير صحيح، مشددًا على أن مصر وافقت عليها وفقًا لاحتياجاتها الاقتصادية البحتة، وأن الطرف الإسرائيلي هو الذي يحتاج إلى البنية التحتية المصرية للتصدير، لا العكس.

 

وأشار إلى أن مصر حتى الآن رفضت الضغوط المتعلقة بفتح معبر رفح لاستيعاب النازحين من غزة، معتبرًا أن أي محاولة من هذا النوع ستكون ذريعة لإسرائيل للتدخل في سيناء، وهو ما لن تسمح به مصر إلا في إطار موقف جماعي عربي وإسلامي.

 

وأضاف الخبير أن مستقبل إسرائيل غير مضمون حتى عام 2030، خصوصًا مع التغيرات الجارية في الداخل الأمريكي وتراجع تأثير اللوبي الصهيوني وسط الأجيال الشابة المتضامنة مع القضية الفلسطينية، ما يُضعف الدعم التقليدي في الانتخابات المقبلة للكونغرس أو الرئاسة الأمريكية.

 

معطيات الصفقة

 

وأكد أن مصر تدرك هذه المعطيات جيدًا، ولذلك لا تضع كل اعتمادها على طرف واحد فقط، مشيرًا إلى وجود بدائل محتملة من دول مثل إيران وفنزويلا، حيث عرضتا تزويد مصر بالطاقة مقابل الجنيه المصري وبسعر التصدير، ما يقلل الاعتماد على الدولار.

 

وختم مصطفى بالتأكيد على أن الاتفاق مع إسرائيل الذي تصل قيمته إلى 35 مليار دولار يمثل عبئًا على الموازنة المصرية، لكنه في المقابل يعكس استراتيجية مصرية ذكية تقوم على تنويع مصادر الطاقة، والاستفادة من البنية التحتية القائمة، مع التحوط لأي تغيرات سياسية أو اقتصادية إقليمية أو دولية

قال المهندس أسامة كمال، وزير البترول الأسبق، إن الاتفاقية الخاصة باستيراد الغاز من إسرائيل تم توقيعها في عام 2019، وليست اتفاقًا جديدًا كما يُروج في الإعلام مؤخرًا.

 

 

شروط مصر

 

 وأوضح أن مصر منذ عام 2013 وضعت شروطًا أساسية للتعامل في هذا الملف، من بينها الحصول على الغاز الإسرائيلي بأولوية وبسعر تنافسي يضمن مصلحة السوق المحلية.

 

وأضاف كمال لمنصة “MENA”، أن إسرائيل تحاول بين الحين والآخر استغلال هذه الاتفاقية لإحداث ما وصفه بـ”الفرقعة الإعلامية”، والإيحاء بوجود صفقات جديدة مع مصر، بينما الحقيقة أن الأمر يتعلق باتفاق قديم.

 

من جانبه، نفى المهندس معتز عاطف، المتحدث الرسمي باسم وزارة البترول والثروة المعدنية، لمنصة “MENA”، صحة ما يتم تداوله بشأن توقيع اتفاقية جديدة مع إسرائيل، مؤكدًا أن ما جرى مؤخرًا لا يعدو كونه تعديلًا لاتفاقية قائمة منذ عام 2019.

 

وأوضح عاطف، في تصريحات تليفزيونية، أن التعديل يهدف إلى تعظيم الاستفادة من مصادر الطاقة وتنويعها، مشددًا على أن مصر تعمل بخطوات متسارعة لتعزيز مكانتها كمركز إقليمي للطاقة في منطقة الشرق الأوسط.

 

مددت مصر اتفاق استيراد الغاز من إسرائيل لمدة 15 عامًا بقيمة إجمالية تصل إلى 35 مليار دولار، مقابل استيراد نحو 130 مليار متر مكعب.

 

الاتفاقية الأصلية وُقّعت في عام 2018 لمدة 10 سنوات بتكلفة بلغت 15 مليار دولار، نصّت على استيراد 7.2 مليار متر مكعب سنويًا، أي ما يعادل نحو 620 مليون قدم مكعب يوميًا، بسعر يقارب 6 دولارات للمليون وحدة حرارية بريطانية (BTU).

 

لاحقًا جرى تعديل الكميات، حيث ارتفع الضخ من إسرائيل ليتجاوز 1 مليار قدم مكعب يوميًا بدلًا من 800 مليون قدم، بينما ارتفع السعر إلى 7.7 دولار للمليون وحدة حرارية. وخلال السنوات الماضية كانت مصر تعيد تصدير جزء من هذا الغاز بعد إسالته في محطتي دمياط ورشيد، محققة هامش ربح يتراوح بين 3 إلى 5 دولارات للوحدة الحرارية عند إعادة التصدير للأسواق الأوروبية.

 

ومع تراجع الإنتاج المحلي، خاصة من حقل ظهر الذي انخفض من 7 مليارات قدم يوميًا إلى نحو 4 مليارات قدم، جرى توجيه جزء متزايد من الغاز الإسرائيلي إلى محطات الكهرباء والمصانع المحلية، خصوصًا في فصل الصيف حيث يتجاوز الاستهلاك المحلي 6–7 مليارات قدم يوميًا.

 

وتتوزع تكلفة الغاز في مصر على النحو التالي:

 

  • الإنتاج المحلي: نحو 4 مليارات قدم مكعب يوميًا، نصفه يعود لمصر مباشرة، بينما يُشترى النصف الآخر من الشركاء الأجانب بمتوسط 5–6 دولارات للمليون وحدة حرارية.
  • الغاز الإسرائيلي: نحو 1 مليار قدم مكعب يوميًا بسعر 7.7 دولار للوحدة.
  • الغاز المسال المستورد: ما بين 1–2 مليار قدم مكعب يوميًا بتكلفة مرتفعة تتراوح بين 13–15 دولارًا للوحدة.

التمديد الجديد للاتفاقية حتى عام 2040 حافظ على السعر نفسه تقريبًا عند 7.62 دولار للمليون وحدة حرارية، دون زيادات، رغم أن تقارير سابقة أشارت إلى أن إسرائيل طلبت رفع السعر إلى 8–10 دولارات مقابل زيادة الكميات إلى 1.5 مليار قدم يوميًا.

كما تتردد أنباء عن احتمال وجود اتفاقية إضافية جديدة بجانب الاتفاقية القديمة، قد ترفع الضخ اليومي إلى نحو 1.44 مليار قدم مكعب لمصر، إلا أن هذه المعلومات لم يتم تأكيدها حتى الآن، ومن المتوقع أن تتضح الصورة خلال الفترة المقبلة مع الإعلان عن تفاصيل إضافية.

 

اقرأ أيضًا:

 

الأسباب والحلول.. رحلة مصر من تصدير الغاز لأزمة الاستيراد

 

نقص واردات الغاز الطبيعي من إسرائيل وعلاقته بقطع الكهرباء عن المصريين

 

لماذا ستظل مصر عاجزة عن انتقاد إسرائيل لعقدين قادمين؟

 

مقالات ذات صلة