خمس فئات تظاهروا أمام السفارات المصرية بالخارج.. «نشطاء وتيارات سياسية وفهم خاطئ من قيادات فلسطينية»
نددوا بالحصار والتجويع الوهمي وقدموا هدايا مجانية للكيان الصهيوني
القاهرة قالت «الكلمة الأخيرة» في قمة السلام بشرم الشيخ
قبل شهرين نُظِّمت مظاهرات أمام السفارات والبعثات الدبلوماسية المصرية بالخارج، وقيام البعض بالاعتداء عليها، وشملت التظاهرات خمس فئات من بينها نشطاء من شباب مصريين بالخارج، وبعضها محسوب على تيارات إسلامية وقومية عربية، بحسب الخبراء الذين ناقشناهم.
وأضافوا أن المظاهرات كادت أن تقدم هدايا مجانية لدولة الاحتلال الإسرائيلي، وطالبوا بمزيد من الوضوح من الجانب المصري وكشف فضائح إسرائيل وتدمير كل شبكات الطرق ومخاطبة الرأي العام الداخلي.
كما أشاد الخبراء بالدور المصري الأخير في إتمام صفقة السلام مع الوسطاء من الولايات المتحدة الأمريكية وقطر وتركيا، ووصفوا أن ندية الموقف المصري مع سفارات الدول الأجنبية أمر مهم لارتباطه بالكرامة الوطنية، وحذروا من خطورة المرحلة القادمة ووقف المخططات الإسرائيلية الهادفة لتصفية القضية الفلسطينية.
بدوره يشرح الدكتور رمضان قرني، خبير العلاقات الدولية:
“يمكن تصنيف الجهات والفئات التي تقف خلف التظاهرات التي تمت أمام السفارات المصرية في الخارج بدءًا من شهر يوليو الماضي إلى خمس فئات رئيسية:
الفئة الأولى، فردية لبعض النشطاء المصريين في الخارج لانتقاد السياسة المصرية أو كما يتبعون آنذاك لفت الانتباه لإغلاق معبر رفح. ويتضح ذلك في نموذجين أساسيين: الأول الشاب أنس حبيب في لاهاي بهولندا حينما قام بإغلاق بوابة السفارة المصرية على طريقة تشابه أو محاكاة لما يعرف بإغلاق معبر رفح. أما الثاني، فشابان مصريان “علي وياسين السماك” في نيويورك حينما حاولا إغلاق أبواب السفارة المصرية هناك.
أما الفئة الثانية، فكانت تضم بعض العناصر المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين المحظورة في مصر، والتي ظهرت في العديد من المدن في دول العالم مثل بريطانيا والدنمارك وكندا وبعض الدول العربية، وكانت تهدف تحركات جماعة الإخوان المسلمين في الخارج إلى تشويه السياسة الخارجية المصرية وانتقاد كل ما يتعلق بها، والأهم تقليل الدور المصري في الملف الفلسطيني ومحاولة اتهام السياسة المصرية بالتورط في حصار معبر رفح من الجانب المصري.
أما الفئة الثالثة، فتضم بعض العناصر المحسوبة على التيارات القومية العربية وبعض الفصائل الفلسطينية في لبنان وسوريا وتونس وليبيا، وكانت تشهد عناصر تنتمي غالباً إلى تيارات وفصائل فلسطينية، وسياساتها ومطالبها كانت الاحتجاج أمام السفارة المصرية للدعوة إلى فتح معبر رفح لدخول وخروج المساعدات أو خروج العناصر الفلسطينية بشكل واضح.

من جانبها، ذكرت وزارة الخارجية المصرية أن التظاهرات أمام السفارات المصرية تصب في مصلحة الاحتلال الإسرائيلي وتقدم له هدية مجانية، وأضافت أن هناك محاولات متعمدة للتشويه والتشكيك في الدور المصري بصورة ممنهجة، وتعمدًا لتزييف الحقائق بهدف تقويض ذلك الدور وإحباط الشعوب العربية وإحداث انقسامات بينها وإضعاف الصمود الفلسطيني.
أما الفئة الرابعة، وهي الأخطر، فقد تمثلت في التظاهرات التي قادها رئيس الحركة الإسلامية رائد صلاح داخل ما يعرف بالخط الأخضر، أي عرب 48، حين تم تنظيم مظاهرة أمام السفارة المصرية في تل أبيب نددت بما وصفوه بالحصار والتجويع والحرب على قطاع غزة.
ويضيف “قرني”: إن التظاهرة أمام سفارة مصرية داخل تل أبيب تطرح العديد من التساؤلات، ربما أبرزها الخلفية الإسلامية لرائد صلاح، حيث كان معروفًا عنه دفاعه عن المسجد الأقصى على مدار سنوات، كما أن هذه التظاهرة خرجت بشكل واضح بتصريح وتأييد من الأمن القومي الإسرائيلي الذي لا يمكن أن تقع تظاهرة في تل أبيب دون موافقته.
وفي اعتقادي، أنه بدلًا من الحشد، وهذه كانت مواقف كافة القوى السياسية، كان الأولى حشد مؤسسات المجتمع المدني الإسرائيلي للمطالبة بفك الحصار عن رفح والمطالبة بتسوية سياسية للأزمة، إذ لا يمكن أن تكون المظاهرة أمام سفارة مصرية في الخارج مع توجيه اتهامات غريبة لمصر.
أما الفئة الخامسة، فتمثلت في تصريحات قيادات من حماس باتهام مصر بالمشاركة في تجويع الفلسطينيين، وكانت تصريحات غير موفقة وصادمة لدرجة كبيرة، حتى إن القاهرة خرجت عبر قنواتها الرسمية لتتحدث تفصيليًا عن المساعدات المصرية التي تم تقديمها إلى الفلسطينيين داخل غزة.
وبحسب بيان الخارجية، نفت القاهرة إغلاق معبر رفح الواصل بقطاع غزة، وأكدت أن المعبر لم يُغلق من الجانب المصري منذ بدء الحرب الغاشمة على غزة، وأن بوابة المعبر مفتوحة من الجانب المصري؛ إلا أن إغلاق البوابة الفلسطينية على الجانب الآخر، أي من قبل إسرائيل، يحول دون دخول المساعدات.

ويكمل “قرني”: بعد قرابة ثلاثة أشهر من انطلاقها، وبعد التسوية السياسية في غزة والدور المصري الواضح في الوصول إليها، حتى إن الوسيط الأمريكي والرئيس الأمريكي أشادا بالدور المصري، وبعد نجاح الجهود المصرية في مواجهة واحتواء أخطر تطور كانت معرضة له القضية الفلسطينية ومخطط التهجير وتوقيع اتفاقية السلام في شرم الشيخ، أعتقد أنه بالتفكير المتأني يمكننا أن نستنتج مجموعة من الخلاصات.
البعد الأول هو تسرع بعض قيادات حماس في الهجوم على مصر وتوجيه اتهامات مجافية للحقيقة بدرجة كبيرة، خاصة اتهامها بتجويع غزة، وأعتقد أنه كان اتهامًا صادمًا. وهذه أمور تقف تمامًا ضد ثوابت الأمن القومي المصري، والأخطر في تصوري أنها كانت ستقضي على القضية الفلسطينية إلى الأبد.
ويتفق معه الدكتور مختار غباشي، نائب رئيس المركز العربي للدراسات السياسية والاستراتيجية سابقًا، قائلًا: بالتأكيد هذه المظاهرات كان لها هدف أساسي هو الضغط على الجانب المصري، لأن الكثيرين كانوا يرون أن الجانب المصري لديه القدرة على أن يفعل الكثير في هذا الإطار. فجزء كبير جدًا من هذه المظاهرات كان للضغط على مصر أحيانًا، وأحيانًا أخرى كان لبعضها هدف سيئ، خاصة أنها رأت أن مصر متقاعسة، وأنه من الممكن أن تقوم بما لم تقم به بعد. ولكن البصمة الأخيرة التي قامت بها مصر أنهت كل هذا الكلام.
ويضيف “غباشي”: القول الفصل في النهاية هو التوقيع الختامي الذي أظهر قدرة مصر وحنكتها في هذا النطاق، واستطعنا أن نصل إلى إيقاف كامل لإطلاق النار وتوقيع هذا الاتفاق على أرض مصرية، وهي شرم الشيخ.
وبالرجوع إلى “قرني”: التصريحات غير الموفقة من حماس تجاه مصر بتجويع الفلسطينيين ومواطني غزة وعدم إدخال المساعدات وعدم فتح معبر رفح من قبل الطرف المصري، أعتقد أنها كانت محاولات من بعض قادة حماس لصرف الانتباه عما يحدث داخل غزة، وصرف الانتباه عن الأخطاء الاستراتيجية التي وقعت فيها حركة حماس في إدارة ملف بالغ الخطورة، خاصة أن عملية السابع من أكتوبر كانت محل تقييم فلسطيني كبير بالنظر إلى حجم الخسائر البشرية والمادية الهائلة التي نتجت عنها.
ويكمل “قرني”: تحركات الخارجية المصرية كانت واضحة بدرجة كبيرة، حينما اتهمت الاحتلال الإسرائيلي صراحة بأنه هو المتسبب في إغلاق معبر رفح من الطرف الآخر، خاصة بعد سيطرة إسرائيل عليه في مايو عام 2024.
كما أشارت إلى أن المظاهرات كانت تقدم هدايا مجانية للاحتلال الإسرائيلي. كذلك خرجت التصريحات الرسمية المصرية، سواء من رئاسة الجمهورية أو رئاسة الوزراء، لتوضح حجم المساعدات التي يتم إدخالها إلى قطاع غزة من الجانب المصري.
لكنني أرى أن هناك جانبين في غاية الأهمية كانا يستحقان التحرك آنذاك؛ الأول أهمية تقديم أفلام وفيديوهات موثقة تُظهر حجم المعاناة المصرية في إدخال المساعدات، والثاني فضح السلوكيات الإسرائيلية بتدمير الطرق الواصلة بين جانبي المعبر.
كل ذلك كان من الأهمية بمكان لفضح جرائم الاحتلال أمام الرأي العام العالمي والعربي والمصري، لأن البعض يستسهل مثل هذه المقولات.

ويشرح “غباشي”: ما حدث في إنجلترا أمام السفارة المصرية والردود المصرية عليها في القاهرة هو شكل من أشكال الدبلوماسية الخشنة، ولكن لم يصل إلى قطع العلاقات أو طرد السفراء أو استدعائهم، بل كان غضبًا متبادلًا بين الجانبين. فمصر كانت غاضبة مما حدث أمام السفارة المصرية في لندن، وكانت ترى أن الأمن الإنجليزي يجب أن يكون له موقف أمام هذا الأمر، وردت مصر برد رمزي وجه رسالة واضحة إلى الجانب الإنجليزي، وانتهت المسألة عند هذا الحد.
الدكتور أحمد يوسف، أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، يقول:
لم أرَ في حياتي موقفًا أكثر بؤسًا وغباءً من هذه التظاهرات؛ أن نكون أمام عملية إبادة جماعية لمدة تقارب السنتين، وتُنظَّم مظاهرات ضد سفارات الدولة التي قدمت المساعدات للشعب الضحية، واستقبلت جرحاه ومرضاه، وبذلت جهودًا حقيقية في التوصل إلى هدنتين ثم الهدنة الحالية التي نحتفي بها الآن، وبعد ذلك يتم الوقوف أمام سفارة هذا البلد في عاصمة الدولة التي ترتكب جريمة الإبادة الجماعية! هذا شيء من اللامعقول العبثي الذي يدين كل من شارك فيه ويتهمه بالعمالة دون أي تردد.

ويكمل “يوسف”: الدليل هو عقد المباحثات في شرم الشيخ رغم كل الضجيج، لأن المعروف أن المفاوض المصري هو الأكثر كفاءة في هذا المجال، وأن الموقف المصري هو الأكثر اتساقًا وثباتًا على المبدأ. فالحمد لله أن الأمور انتهت على هذا النحو، ولنهتم الآن بما هو قادم، لأن ما هو قادم لا يقل خطورة عما مضى.
وكلنا يعلم أن ما تم الاتفاق عليه هو مرحلة من خطة أكبر، والمراحل الأخرى هي الأكثر تعقيدًا، لأنها تتعلق بنزع سلاح حماس والانسحاب وكيفية الربط بينهما. ونعلم بيقين أن نتنياهو يتلهف على أي ذريعة للانقضاض على الاتفاق، ونحن مسؤولون عن ألا نعطيه هذه الحجة القوية، لأن ما أمامنا لا يقل خطورة عمّا مضى.

ويشرح أستاذ العلوم السياسية بكلية الاقتصاد والعلوم السياسية: أتصور أن الدبلوماسية المصرية قامت بالدور الواجب عليها، خصوصًا أن هذه كانت مواقف طارئة وجديدة. كما أتفق مع مبدأ الندية من حيث المبدأ، لأنه مبدأ يتصل بالكرامة الوطنية.
اقرأ أيضًا:
تعليق شامل للمساعدات الخارجية.. مع استمرار تدفق الأسلحة إلى إسرائيل ومصر
خطاب ضد إسرائيل تُشجّعه الدولة وتُخفيه عن الشارع
تصدّع التنسيق بين القاهرة وتل أبيب




