وراء معبر رفح البري، يقف شخص وحيد تتقاطع عنده خطوط الأعمال والسلطة والعلاقات الدولية. شخص تحوّل، خلال أقل من عقد، من طريد سابق للعدالة إلى قائد كتيبة من القبائل تساعد الجيش في حربه على الإرهاب، وأحد أكبر رجال الأعمال في مصر: إبراهيم العرجاني.
وحسب تقصي مراسل منصة MENA في سيناء فقد تمكن إبراهيم العرجاني عبر السنوات الخمس الأخيرة من السيطرة على البنية التحتية لكل ما يدخل القطاع وما يخرج منه. وسيطر على “بيزنس” المعبر من خلال شركاته، التي تعمل في نقل الشاحنات التجارية لصالح تجار غزة، بعد أن بسط العرجاني نفوذه على المنفذ الوحيد إلى غزة، فأصبح يتحكم في دخول قليل من الحياة إلى القطاع الذي يموت تحت القصف والجوع.
شركة تابعة لرجل الأعمال المصري إبراهيم العرجاني، وهي شركة “أبناء سيناء”، أصبحت تتحكم عمليًا في دخول الشاحنات التجارية والإنسانية، وتتولى تنظيم حركة الشاحنات إلى غزة وتحديد الشاحنات المسموح لها بالعبور إلى القطاع، وخاصة الشاحنات التجارية الخاصة بالتجارة بأنواعها، وإقصاء الشاحنات التي تقل مساعدات إنسانية وإغاثة، التي تنتظر لفترات طويلة أمام المعبر، وتتعرض بعض بضائعها للتلف نتيجة الأحوال الجوية، وخاصة بسبب حرارة الشمس.
يؤكد أحمد حسين عبد القادر، من مدينة العاشر من رمضان بمحافظة الشرقية، وسائق شاحنة نقل معلبات وأرز وبقوليات، أنه وصل إلى المنطقة اللوجستية برفح قبل ثلاثة أسابيع دون السماح له بالعبور إلى غزة، وأنه وزملاءه يعيشون ظروفًا صعبة، إلى جانب تعرض البضائع لحرارة الشمس والعوامل الجوية التي قد تؤثر على صلاحيتها.
وأشار “عبد القادر” إلى أن شاحنات المساعدات الإنسانية غالبًا ما تنتظر لساعات طويلة في الممر المواجه لبوابة المعبر تحت حرارة الشمس، ما يعرض سائقيها للتعب والإرهاق، فيما تتخطى شاحنات المساعدات التجارية القادمة من العريش مباشرة في طريقها إلى بوابة المعبر دون توقف، لكونها تابعة لشركات رجل الأعمال الشهير إبراهيم العرجاني، دون خضوعها لعوامل الانتظار حسب الدور مثل شاحناتنا المتوقفة منذ أسابيع.
وعبّر السائقون عن استيائهم من طول فترة الانتظار وتعطيل مرورهم لصالح الشاحنات التجارية. أحد السائقين ويدعى سيف عبد الجليل قال لمنصة MENA: “نشعر بأننا عالقون بلا سبب، بينما الشاحنات التجارية تمر بسرعة بعد دفع مبالغ تصل أحيانًا إلى 300 أو 400 دولار، كما أكد لنا زملاؤنا من السائقين، لتسريع مرورها نحو غزة”. وأضاف آخر: “هذا الأمر يفاقم معاناتنا ويزيد خطر تلف البضائع الإنسانية بسبب طول الانتظار والحرارة الشديدة في الساحة اللوجستية”.
وحسب صلاح أحمد القصير، سائق شاحنة، “أن الشاحنات التجارية تمر مباشرة من بوابة رفح نحو معبر العوجة ثم إلى غزة دون توقف يُذكر، وتصل إلى التجار بسهولة نسبية، بينما شاحنات المساعدات الإنسانية غالبًا ما تُجبر على التوقف في نقاط التفتيش الإضافية، ويتعرض بعضها للسرقة أو المصادرة من قبل مجموعات موالية وعناصر تعمل تحت إشراف مراقبة إسرائيلية”.
وأضاف: “بعد انتظار لأسابيع وأحيانًا لأكثر من شهر، يتم تفتيش شاحنات المساعدات خلال عبورها من معبر العوجة الإسرائيلي بطريقة مهينة من قبل الجنود الإسرائيليين، مع تعمد تمزيق أغلفة الطرود الغذائية وتمرير الكلاب عليها، وتأخير دخول الشاحنات لأكثر من ثلاث إلى أربع ساعات. وحينما يُسمح لنا بالمغادرة، وبعد قطع مسافة تصل لنحو 4 إلى 5 كم، يخرج علينا مسلحون ملثمون ويجبروننا على التوجه إلى مناطق أخرى غير المحددة لنا ويتم تفريغ الحمولة تحت تهديد السلاح، بينما الشاحنات التجارية يتم تأمينها من قبل عناصر تابعة للشركات التي تديرها من القاهرة وحتى وصولها إلى المعابر، ما يضمن مرورها بسلاسة وأمان”.
أحمد فايز أرميلات، شاب يعمل مندوبًا بشركة “أبناء سيناء” التابعة لرجل الأعمال إبراهيم العرجاني، قال لمنصة MENA: “إنه فور وصول الشاحنات التجارية إلى الساحة التي تقع مقابل الصالة المغطاة بالعريش أقوم بالتوجه إلى السائقين، وأمنح سائقي الشاحنات التجارية مصاريف مباشرة عبارة عن مبلغ 100 دولار لشراء الطعام والشراب والسجائر، حيث يقضي السائقون عدة ساعات للراحة وتناول الطعام، قبل انطلاقها مباشرة إلى رفح والدخول من بوابة المعبر المصري إلى معبر العوجة والدخول إلى قطاع غزة”.
وأكد أحمد برهوم، موظف مدني بمعبر رفح من الجانب المصري لمنصة MENA: “أنه مع بدء دخول الشاحنات التجارية التي تحمل لوجو شركة أبناء سيناء نحو معبر العوجة، يرافقها أحد مندوبيها، حيث تهيمن الشركة على مسار التحويل من معبر رفح حتى الوصول لمعبر العوجة، مع متابعة دقيقة لكل شاحنة تجارية تدخل المعبر، بينما تستمر شاحنات المساعدات في الانتظار لساعات أطول”، مشيرًا إلى أن “أولوية مرور الشاحنات التجارية ملاحظة بوضوح في كل المعابر، وهو ما يضغط على حركة شاحنات المساعدات ويزيد أوقات الانتظار”.
السائق سمير علي محمد، سائق إحدى الشاحنات التجارية، أكد أنه في كل مرحلة من بداية انطلاقه بالشاحنة من القاهرة، تظهر علامات نفوذ واضحة من جانب إدارة شركة أبناء سيناء تتمثل في المرور على الحواجز الأمنية بسرعة متناهية، مؤكدًا أن هناك عمليات تنسيق تجري بين الشركة والسلطات الأمنية المتواجدة على الحواجز لسرعة مرور الشاحنات التجارية دون توقف.
ولفت إلى أن هناك إجراءات تتبعها الشركة مع السائقين بطريقة تتيح للمنظومة الأمنية بالشركة مراقبة أعداد الشاحنات، والتحكم في توجيهها نحو نقاط التفتيش المختلفة، إلى جانب تسجيل تحركات الشاحنات ضمن مسار رقابي واضح، يبرز إدارة متدرجة لمراحل السير وتأثيرًا مباشرًا على الوقت المستغرق في كل مرحلة، ما يعكس قدرة الشركة على فرض نظام داخلي للتحكم دون الحاجة لتدخل علني مستمر.
وأضاف السائق أنه عند نقطة معبر كرم أبو سالم، تكتمل دورة النقل، حيث يتم تسليم الشاحنات بعد مرورها بسلسلة من التفتيش والتحكم، ما يكشف عن بنية مراقبة شاملة تعمل وفق معايير دقيقة تحدد فترات الانتظار، وتضبط عمليات التحويل، وتُنظم المرور وفق أطر اقتصادية ولوجستية محددة.

وتتجلى الصورة الكاملة في السيطرة على كل مرحلة من مراحل النقل، من بوابة رفح مرورًا بالعوجة وصولًا إلى كرم أبو سالم، مع إشارات واضحة إلى الهيمنة على عمليات التفتيش والتحويل، والمراقبة الدقيقة لمسار الشاحنات، والتحكم في الوقت والأولوية، وإدارة الموارد المالية المرتبطة بمرور كل شاحنة، بينما تظل شاحنات المساعدات الإنسانية متأخرة، معرضة لتلف البضائع وطول الانتظار والسرقة على الطريق الدائري وداخل العريش، وبلا أي دعم مالي أو تسهيلات مقارنة بالشاحنات التجارية.
إسماعيل عبد الله، سائق لإحدى الشاحنات التي تقل مواد إغاثية تشمل خيامًا وفحمًا حراريًا، قال لمنصة MENA إن الشركة التي يعمل بها تقدمت خلال النصف الثاني من شهر أكتوبر الجاري بشكوى لمدير معبر رفح تتعلق بالتمييز بين دخول الشاحنات التجارية وشاحنات المساعدات الإنسانية، وانتقاد دور شركات العرجاني في تسهيل إدخال الشاحنات التجارية، وإقصاء شاحنات المساعدات الإنسانية والإغاثية من دورها في العبور إلى غزة، بالتزامن مع دخول الشاحنات التجارية مباشرة دون توقف، مشيرًا إلى أن الشركة لم تتلق أي رد حتى الآن.
في المقابل، أكد مصدر أمني داخل معبر رفح البري أن مئات الشاحنات التي تحمل المساعدات تتكدس في مدينة العريش وأمام المعبر بسبب عرقلة إسرائيل لدخولها، من خلال فرض إجراءات خاصة بتفتيش الشاحنات في معبر كرم أبو سالم ومعبر العوجة، ويتم تجهيز مئات الشاحنات يوميًا.
وأضاف المصدر أن الشاحنات يجب أن تخضع للتفتيش من قبل إسرائيل في المعابر المذكورة، وفقًا للآلية المتفق عليها بين مصر والولايات المتحدة وإسرائيل والأمم المتحدة، التي سمحت إسرائيل بمقتضاها بدخول المساعدات. وبسبب إجراءات التفتيش البطيئة، تتكدس الشاحنات في الجانب المصري في انتظار انتهاء الإجراءات والدخول إلى غزة.
ولفت إلى أن بعض الشاحنات التي يطلق عليها شاحنات تجارية يتم الإبلاغ عنها وبالمواد التي تنقلها مسبقًا وقبل وصولها إلى المعبر بفترة كافية إلى الجانب المصري، ويتم تجاوز تفتيشها في معبر كرم أبو سالم بموجب اتفاق وتنسيق بين شركات العرجاني والجانب الإسرائيلي، وهذه آلية متبعة منذ فترة ما قبل الحرب ومستمرة بلا أي عوائق.
من جانبه، أكد التاجر الفلسطيني إسماعيل العبد حسونة متحدثًا عن عدد من التجار في غزة، لمنصة MENA: “إنهم يضطرون لدفع مبالغ كبيرة لشركة أبناء سيناء المسؤولة عن إدخال الشاحنات من معبر رفح لضمان وصولها إلى المعبر ودخولها دون تأخير، معتبرين أن هذه المدفوعات باتت جزءًا من التكلفة التشغيلية الضرورية لاستمرار تدفق البضائع التجارية إلى السوق المحلي”. قال: “لا يمكننا المخاطرة بتأخير الشاحنات، لذلك ندفع للشركة لضمان مرورها بسرعة وأمان”. مشيرًا إلى أن شركة العرجاني تفرض رسومًا مرتفعة على الشاحنات التجارية، أرقامًا صادمة تصل لنحو 20,000 دولار للشاحنة الواحدة.
لم يقتصر دور شركات العرجاني على تمرير دخول الشاحنات التجارية بصورة مباشرة إلى معبر رفح ومنه إلى معبر العوجة فقط، ولكن حسب مصدر مسؤول بفرع الهلال الأحمر المصري بشمال سيناء، أنه في أواخر أكتوبر الماضي عام 2023، تولى الهلال الأحمر المصري مسؤولية استلامها ونقلها وشحنها وتفريغها بشكل كامل.
أضاف المصدر أن “الهلال الأحمر” تواصل مع “مقاولين تريلات”، الذين أحضروا بدورهم السائقين والشاحنات من شركات شحن أصغر، بالإضافة إلى جلب عمال (شيّالين) لمساعدة متطوعي الهلال. كما تولى “الهلال الأحمر” مسؤولية تلقي الأموال من المنظمات الدولية والدول التي ترسل مساعدات، والتي تُستخدم للإنفاق على إدارة الجانب اللوجستي من المساعدات.
وتابع: “لكن منذ منتصف نوفمبر عام 2023 تولت شركة أبناء سيناء بشكل مباشر مسؤولية النقل والشحن وتوريد العمال بدلًا من الهلال الأحمر المصري، الذي بات دوره يقتصر على استلام المساعدات من الخارج ومعاينتها والتنسيق مع الدول فقط”، مشيرًا إلى أن الظهور الأول لشركة أبناء سيناء في هذه العملية جاء بالتزامن مع إدخال أول شاحنة وقود إلى قطاع غزة في 15 نوفمبر 2023 عبر معبر رفح، حين أعلنت الشركة وقتها أنها “توجت كناقل لوجستي لهذه المساندة”.
من جانب آخر أكد مصدر إداري في معبر رفح لمنصة MENA إن هذه الشاحنة دخلت إلى الجانب الفلسطيني مساء يوم 14 نوفمبر 2023، وبعد نحو ربع ساعة، فوجئ العاملون بخروجها قبل تفريغ حمولتها وتأجيل دخولها حتى صباح اليوم التالي، حيث عُلقت لافتات شركة أبناء سيناء على جوانب الشاحنة قبل إدخالها مرة ثانية.
وأوضح المسؤول بالهلال الأحمر المصري بشمال سيناء أنه مع هذا الظهور الأول بدأت الشركة في بسط سيطرتها على الجوانب المختلفة من مجال المساعدات الإنسانية. رفعت الشركة لافتات كُتب عليها “مخازن شركة أبناء سيناء” على المخزن الرئيسي الذي يستخدمه الهلال الأحمر في العريش، والذي تبرع به أحد رجال الأعمال هناك للجمعية. وتطور الأمر بعدها لتفتتح الشركة عدة مخازن أخرى بجوار المخزن الرئيسي، وتولت الشركة نقل المساعدات من الميناء والمطار وتخزينها.
وسيطرت شركة أبناء سيناء على إدارة مخازن البضائع اللوجستية بمنطقة شرق العريش، والتي كانت موكلة لفرع الهلال الأحمر المصري، واقتصر دوره على إدارة المتطوعين الذين يقومون باستقبال المساعدات من مطار العريش والميناء البحري وإعادة تغليفها وتجهيزها تمهيدًا لنقلها إلى معبر رفح.
ولفت المسؤول بالهلال الأحمر إلى أنه من بين الشاحنات التي يتم نقلها تحت إدارة شركة أبناء سيناء شاحنات تجارية تخرج بوصفها مساعدات إغاثية لوجستية وتحمل شعار الهلال الأحمر المصري، ما يعد صورة من صور التحايل التي تلجأ لها شركة العرجاني حتى لا يتم انتقاد أولوية عبور الشاحنات التجارية على حساب تأخر مرور شاحنات المساعدات.
وأكد أن قافلة تجارية خرجت من المخازن اللوجستية للهلال الأحمر بصفتها قافلة مساعدات غذائية خلال الفترة من 18 إلى 23 من أكتوبر الجاري، وحملت 10 آلاف طن من البضائع شملت أكثر من 300 ألف سلة غذائية، ونحو 540 طنًا من الدقيق، وأكثر من 3 آلاف طن من الألبان والمعلبات المتنوعة، ونحو 1800 طن من مواد التنظيف والنظافة الشخصية.
واستمرت الشركة في نقل المساعدات القادمة من الدول والمؤسسات الدولية، خصوصًا تلك التي تصل إلى مصر عبر موانئ ومطارات خارج شمال سيناء. السبب، بحسب مصدر الهلال الأحمر، هو الوضع الخاص الذي تتمتع به شاحنات الشركة عند الكمائن ومعديات قناة السويس، والتي يُسمح بدخولها سريعًا، على عكس الشاحنات الأخرى التي تتعرض لتفتيش صارم وقد تضطر للمبيت أيامًا في انتظار التصاريح الأمنية الخاصة والسماح لها بالدخول.
ولهذا توجهت بعض الدول – أهمها قطر والإمارات – إلى التعامل مباشرة مع “أبناء سيناء”، بحسب المصدر. أما باقي الدول التي وصفها بـ”الغلبانة” مثل دول أمريكا اللاتينية أو باقي دول الخليج التي لم ترسل وفودًا لمرافقتها، فإنها لا تزال تعتمد على “الهلال الأحمر”، والذي يتعامل بدوره مع “أبناء سيناء” في نقلها لمعبر رفح ومنه لغزة.
الإعلان الأول عن بدء دخول البضائع التجارية من خلال شركة أبناء سيناء جاء من الولايات المتحدة في ديسمبر 2023، دون الكشف عن أي تفاصيل بشأن كميات البضائع التي تدخل إلى القطاع، ولا الجهات التي تتولى عملية دخولها، كما لم تصدر بيانات رسمية من مصر بشأنها، بحسب المسؤول بالهلال الأحمر المصري بشمال سيناء.
اقرأ أيضًا:
حزب العرجاني الجديد.. حصان طروادة البرلمان المصري 2025
هل تُعيد إسرائيل سيناريو السويس إن خاضت الحرب بمفردها؟
العودة المستحيلة.. مأساة المهجّرين شمال شرق سيناء
شركة هلا السياحية المملوكة لـ إبراهيم العرجاني..ما وراء الكواليس



