سياسة

مياه النيل على طاولة الكبار.. هل تقبل أثيوبيا بالصفقة الكبرى؟

“عمليًا.. سد النهضة يحجب المياه عن مصر”.. جملة غيرّت من شكل أزمة سد النهضة بين أثيوبيا ومصر، قالها ترامب في منتدى دافوس، وكانت بمثابة إعلانٍ عن مرحلة جديدة ستدخلها أزمة السد، برؤية أمريكية مختلفة، لكنها مبينة على أُسس تاريخية، خاصة بعد زيارة غامضة قام بها نائب وزير الخارجية الأمريكي كريستوفر لاندوا إلى أثيوبيا ومن ثم مصر، كان الحديث فيها سياسيًا وعسكريًا وناقش الأزمة التي تهدد أمن القاهرة الأفريقية وهي أزمة سد النهضة.

 

ويبدو أن ثمة كواليس وراء هذه الزيارة، خاصة وأنها جاءت بعد لقاء الرئيس عبد الفتاح السيسي بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حيث أبدى الأخير انزعاجه من الأزمة الحالية، معترفًا بشكلٍ واضح بتأثيرها الضار والشديد على مصر.

 

فماذا دار في اللقاء الأخير بين نائب وزير الخارجية الأمريكي ووزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ثم قادة أثيوبيا؟

وما وراء الإدانات الأمريكية للسد وتقديم الدعم الأمريكي في عهد بايدن لأديس بابا؟ وهل من الممكن أن تُقدّم الولايات المتحدة الصفقة الكبرى لمصر وأثيوبيا؟.

 

هل تُفاجئ واشنطن أفريقيا؟

 

وحول الخطة الأمريكية لحل أزمة سد النهضة، قال إسلام فكري، الباحث في الشؤون الأفريقية، إن السيناريو الأقرب الآن هو رغبة الولايات المتحدة في العودة إلى اتفاق 2020 والذي وُقّع في ولاية ترامب الأولى ووقعت عليه مصر والسودان ولم توقع أثيوبيا عليه، حيث رفضت آنذاك أديس بابا بنوده وتجاهلته ثم تعثرت المفاوضات بعد ذلك، مؤكدًا أن ما ينّص عليه هذا الاتفاق هو تنسيق قواعد ملء وتشغيل سد النهضة دون إلحاق أي ضرر بدولتي المصب وهما مصر والسودان.

 

وأضاف الباحث في الشؤون الأفريقية، أن الوساطة الأمريكية الجديدة تريد أن تضمن تداعيات التشغيل على القاهرة والخرطوم لأن مرحلة البناء انتهى وقتها والعالم بات اليوم بين شقي رحى، لذا تأتي تحركات الولايات المتحدة محاولة تفادي تجنب سيناريو إشعال القرن الأفريقي، خاصة وأن إعادة الملء من الممكن أن يُشكّل أزمة كبرى لأن أثيوبيا تمارس تعنتها مع مصر والسودان في موسم الأمطار لديها، مشيرًا إلى أن ملف سد النهضة يحتاج من الولايات المتحدة أن تتعامل بمشرط الجراح لحسم الأزمة التي تؤرّق القاهرة وتثير تساؤلات كبرى لدى مصر.

 

وأشار إسلام فكري إلى أن كل الخيارات مطروحة لدى الإدارة الأمريكية، خاصة وأن ترامب يؤمن بأن ما لا يُحل بالسياسة يُحل بالأساليب العسكرية والسياسات الضاغطة على الحكومات، وهو أمر غير مستبعد مع الحكومة الأثيوبية التي حاولت المراوغة كثيرًا في عهد جو بايدن لكن أديس بابا تعلم جيدًا أن هذه السياسات غير مُجدية، لذا فإن واشنطن ربما تفاجئ الجميع خلال الفترة المقبلة بأن زيارة نائب وزير خارجيتها ربما كانت لإتمام اتفاق جديد بين الحكومة المصرية والأثيوبية واصفًا الاتفاق المرتقب بأنه “نسخة اتفاق 2020 المُعدلّة”.

 

 

لماذا تحاول أثيوبيا إثارة غضب مصر؟

 

أما الدكتور أحمد السيد، خبير العلاقات الدولية والباحث في الشؤون الأمريكية، يرى أن الوساطة الأمريكية تُغضب الشعب الأثيوبي والمسؤولين الأثيوبيين الذي يروا أن الدور الأمريكي لحل أزمة سد النهضة سيجبر أثيوبيا على تحمل مسؤوليتها في الإضرار بمصالح دولتي المصب “مصر والسودان”، كما سيطالبها بتغيير سياسات تشغيل السد وهو ما لم تحترمه أو تتبعه أثيوبيا منذ بدء التشغيل، لذلك البعض داخل أثيوبيا ينظر إلى تصريحات ترامب بنظرة “المؤامرة الكبرى ضد أديس بابا”، مؤكدًا أن الولايات المتحدة ستضغط بكامل أوراقها لإجبار أثيوبيا على تنفيذ ما تريده الولايات المتحدة والذي سيكون بنسبة كبرى تم الاتفاق عليه بين واشنطن والقاهرة.

 

وتوقع خبير العلاقات الدولية والمختص بالشؤون الأمريكية، أن تخرج الولايات المتحدة باتفاق مُلزم الفترة المقبلة لكسر جمود الملف الذي دام لسنواتٍ وباتت فرص إشعاله تهدد العالم بأكمله وليس القارة السمراء فقط، فمن لا يقرأ تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي التحذيرية لأديس بابا لم يتفهم الإصرار الأمريكي على حل أزمة السد ورغبتها في وضع حل نهائي لها، لكن كل هذا يحدث في ظل استمرار القيادة الأثيوبية على ممارسة التعنت والاستفزاز ضد مصر، وهذا ما ظهر من خلال ترتيب زيارة نائب وزير الخارجية الأمريكي للدولتين.

 

 

سد كويشا.. أزمة جديدة تفجر الأوضاع مع مصر

 

وكشف دكتور أحمد السيد أن أثيوبيا تسعى لبناء سد ثانٍ هو سد “كويشا” والذي يعد الأكثر أهمية لديها بعد سد النهضة، وهو الأمر الذي يؤكد إصرار أثيوبيا على استفزاز مصر والتأثير على حصتها من مياه نهر النيل على حساب المصالح الأثيوبية المُعطلة، خاصة وأن نسب بناء سد كويشا تخطت السبعين بالمائة، أي أن إعلان اكتماله باتت مسألة وقت قصير، وهو ما يُفسر أيضًا الوساطة الأمريكية في هذا التوقيت الحذر والحرج والذي لا يتنبأ بشيئ سوى أن الأزمة بين أثيوبيا ومصر ما زالت في طور النمو.

 

غضب الرأي العام الأثيوبي

 

فيما قال أحمد جيسود، المحلل السياسي الصومالي، إن ممارسات أثيوبيا وتعنتها هي ما دفعت الولايات المتحدة للتحرك الآن، فقضية سد النهضة لم تُحسم بعد حتى فوجئ الجميع بسدٍ ثانٍ بمزاعم توليد الطاقة الكهربائية لأثيوبيا وهو ما تحاول أديس بابا إقناع المجتمع الدولي به دومًا تحت مزاعم حماية حقوقها الاقتصادية وحقها في التنمية وتطوير البلاد، مشيرًا إلى أهمية الدور الأمريكي لأن واشنطن ستستخدم أوراق قوتها بالكامل لإغلاق هذا الملف الذي أثار غضب ترامب في الفترة الأخيرة وبات يُهدد الأمن والسلم الأفريقي والعالمي وهو أمر غير مقبول.

 

وأشار المحلل السياسي الصومال إلى أن جميع دول القارة تعلم جيدًا خطورة الدور الذي تلعبه أثيوبيا وتحالفها مع إسرائيل ضد مصر، إضافة إلى تمويل بعض الدول العربية مثل الإمارات لسد النهضة، وهو ما يزيد الأوضاع احتقانًا ويطرح تساؤلات عن شكل المبادرة الأمريكية الجديدة وخفاياها، مؤكدًا وجود ما يحدث في الكواليس ولا نعرفه بين الولايات المتحدة ومصر، وربما اتضح ذلك جليًا في ظل عدم طرح أي تسريبات للقاء نائب وزير الخارجية الأمريكي بوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي.

 

وأكد المحلل السياسي الصومالي إلى غضب الرأي العام الأثيوبي مما يحدث من تدخلات أمريكية في هذا الملف الذي يرونه شائكًا، مشيرًا إلى مزاعم لدى الرأي العام الأثيوبي بأن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يأخذ صف القاهرة عكس الإدارة الأمريكية السابقة بقيادة دونالد ترامب، وهو ما ترفضه قيادة أثيوبيا لكنها ستجد نفسها مضطرة للقبول بالعرض الأمريكي أو كما يراها البعض بالصفقة الأمريكية المرتقبة، لتهدئة المنطقة من نزاع إذا فُرض عليها سيدمّر المصالح الأمريكية برًا وبحرًا.

 

وتابع جيسود بأن تلويح ترامب بغضبه من مساهمة الإدارة الأمريكية في بناء السد ربما يدل على عدم رضاءه على السياسات المتبعة من الرئيس السابق جو بايدن ليس تجاه أثيوبيا فحسب بل تجاه القارة الأفريقية ككل.

 

اقرأ أيضًا:

 

ما تداعيات المصالحة الإثيوبية – الصومالية على سد النهضة؟

 

تقارب مغربي أثيوبي يثير التساؤل في ظل تفاقم أزمة سد النهضة

 

زيارة رئيس المخابرات إلى السودان.. والبرهان: دور مصر تاريخي

 

 

مقالات ذات صلة