من جديد، عاد الصراع بين مصر وأثيوبيا على مياه نهر النيل، لكن هذه المرة بسبب رفض أديس بابا فتح بوابات المفيض لسد النهضة، وهو الأمر الذي حذر من تداعياته خبراء المياه، لما له من آثار سلبية على مصر، إلا أن عدد من الساسة والخبراء وضعوا خططا بديلة للتعامل مع هذا الملف، فماذا ستفعل مصر في هذه القضية؟
كشف الدكتور عباس شراقي أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، أنه كان من المفترض تشغيل توربينات سد النهضة الإثيوبي على مدار العام مما يمنح مصر والسودان حصتها المائية خاصة أن ذلك من شأنه تقليل مخزون السد إلى النصف، مؤكدا أنه في الوقت الحالي يتم تخزين 60 مليار متر مكعب من الماء وفي حالة انخفاض المخزون إلى النصف كان سيكون هناك متسع من حصة المياه تصل إلى مصر والسودان ومع بداية موسم الأمطار كان سيمنح ذلك إثيوبيا مخزونا إضافيا جديدا من المياه، إلا انه في الوضع الحالي مع غلق بوابات المفيض بجانب توقف التوربينات عن العمل ومن ثم توليد الكهرباء فإن المخزون سيزداد عن 60 مليار متر مكعب مما يزيد الضغط علي السد وجسمه أولا، وثانيا سيكون هناك إجبار للجانب الإثيوبي في أن يزيد المخزون وبالتالي خروج الماء من ممر المفيض الأوسط.
وأكد أستاذ الموارد المائية لمنصة “MENA”، أنه طبقا للمعلن من الجانب الإثيوبي تم تركيب 4 توربينات وتم الاحتفال بها رسميا، أما غير المعلن فهو تركيب عدد 2 توربين آخرين من أصل 13 توربين ولكنهم جميعا لم يعملوا، لأنه طبقا للدراسات فإن تشغيل تلك التوربينات يستهلك ما يقرب من 30 مليار متر مكعب من المياه وهو ما يجبر إثيوبيا عن الاستغناء عن نصف مخزون المياه في السد.
وتحدث شراقي عن حقيقة افتراضية تشغيل التوربينات وتوليد الكهرباء، مؤكدا أن الجانب الإثيوبي افتقد إلى المصداقية في ظل عدم تشغيل التوربينات أو أن تشغيلها ضعيف فى ظل تأكيدات بتشغيل التوربينات طوال العام وهو ما ينافي المنطق، كما أن هناك احتمالية أخرى وهي أن التوربينات لا تعطي القوة المناسبة لتوليد الكهرباء لأن مخزون المياه لم يقل طبقا لتقارير معلوماتية والرواية الإثيوبية التى تدعي تشغيل التوربينات هي رواية باطلة من الأساس إذا أن تشغيل تلك التوربينات وفتح بوابات المفيض هي رواية باطلة وأنه طبقا لتصريحات والمعطيات فإن تشغيل التوربينات ضعيف جدا خاصة في ظل ارتفاع منسوب المياه خلف السد.
وأكد شراقي أن استمرار ملء البحيرة على آخرها سيجبر المياه على المرور من المفيض الأوسط دون قدرة على التحكم من الجانب الإثيوبي وذلك في حالة الملء التام للبحيرة فإن الفائض يذهب إلى المفيض الأوسط والذي لا يتحكم فيه الجانب الإثيوبي ببوابات، مشيرا إلى أنه ليس هناك خيار للجانب الإثيوبي سوى فتح بوابات المفيض لأنه سيكون مجبرا على ذلك في حالة ملء البحيرة خاصة في ظل بداية موسم الأمطار.

أما السفير صلاح حليمة، نائب رئيس المجلس المصري للشؤون الإفريقية، قال إنه كان من المنتظر من الجانب الإثيوبي فتح بوابة المفيض خاصة بعد بداية موسم الأمطار خلال الأيام السابقة، ورغم ذلك لم نصل حتى هذه اللحظة للضرر الجسيم ولكن استمرار التعنت يصل بنا إلى الصدام والذي سينتج عنه ضررا جسيما نتيجة عدم الوصول إلى اتفاق نهائي لعملية الملء والتشغيل واستمرار تعنت الجانب الإثيوبي واستخدامه سياسة الأمر الواقع، وهو شئ يتعارض مع الأعراف والمواثيق الدولية لذا فإن الحل الأمثل هو التفاوض والذي استخدمته مصر طوال السنين الماضية.
وأضاف حليمة لمنصة “MENA”، أن المسار الحالي حتي الآن هو التفاوض وإثبات حسن النية وأن يكون هناك ضمان لذلك لكي تخرج تلك المفاوضات بنتيجة إيجابية وذلك لن يحدث إلا بتدخل وسيط إقليمي أو دولي لتقريب وجهات النظر، مشيرا إلى أنه موخراً تحدث الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن تلك الوساطة ودعم موقف مصر وقد يكون وراء تلك التصريحات هدف سياسي آخر والذي يجب أن يكون تدخله على حساب قضايا حيوية أخرى أو مواقف لمصر كي تتبدل، إلا ان الحل الوحيد المتاح هو التفاوض، ولا نرى في تلك الحالة حسن النية المنشودة من الجانب الإثيوبي حتى الآن ،وإنما هي دائرة مفرغة لفرض الأمر الواقع .

وشدد السفير المصري السابق على أن المسار الثاني لمصر سيكون اللجوء لمجلس الأمن بالأمم المتحدة مرة أخرى من أجل إيجاد حل للموقف الذي يهدد أمن واستقرار والحياة والذي يعتبر عدوانا يجب درئه طبقا للمواثيق الدولية، فطبقا للسطر السابع لمجلس الامن يجب فيه الدفاع عن النفس في مثل هذه الحالات، وأن هناك من قبل توجه وبيان رئاسي واضح من مصر بأنه لن نترك باب للتفاوض إلا وسنطرقه بجانب المطالبة بضرورة ايجاد حل خلال 6 أشهر ورغم ذلك لم يتم ايجاد حل أو التوصل لاتفاق ملزم للجانب الإثيوبي.
وأوضح السفير المصري السابق أن مصر تأمل بأن تعي إثيوبيا أن هناك مصالح مشتركة وأمن متبادل وليس مصالح وأحادية وأن يكون هناك لقاء بين الجانبين لإيجاد توافق على مشروعات مشتركة ولا يؤثر على حياة أو وجود شعب الدولتين، ولا يجب أن يؤخذ في الاعتبار أن السيادة علي نهر النيل الأزرق تعتبر انتصار في أن تكون سيادة احادية.
وفي سياق متصل، تحدث الدكتور رمضان قرني، الخبير في الشؤون الأفريقية، عن طبيعة الاستفزازت التي تعرضت لها مصر والسودان من الجانب الإثيوبي خاصة بعد دعوة دول المصب للاحتفال بتدشين سد النهضة، وكيفية تعامل مصر مع هذا الوضع المأزوم بعد أن أصبح واقعيا، وكان أول تلك التحركات هو الرفض الرسمي لتلك الدعوة الإثيوبية، باعتبار انها محاولة للاستفزاز ومجافاة صريحة للمنطق وحسن النية في العلاقات بين دول الجوار، والذي يؤكد استمرارية التحرك الاحادي من جانب إثيوبيا .
وأضاف خبير الشؤون الأفريقية في تصريحات خاصة، أنه منذ إعلان مصر في نهاية عام 2023 الانسحاب من مفاوضات سد النهضة، خاصة أن بيئة التفاوض غير مواتية، فى ظل عدم إثبات الطرف الإثيوبي جديته في التفاوض، لازالت مصر سياستها ثابتة برفض التصرفات الأحادية وذلك بالتعاون مع السودان المتماشي تماما على هذا النهج، وتمسكه بصفة مباشرة في رفض النهج والتصرفات الإثيوبي، متوقعا صداما دبلوماسيا وإعلاميا بين مصر وأثيوبيا.

وتابع قرني أن مصر لم تعترض على سد النهضة، وإنما الاعتراض كان على مواصفات السد، لأنه في الأساس ليس هناك تعنت أو سعي من جانب مصر لإيقاف التنمية، وإنما البحث عن تنمية حقيقية خاصة مع الشركاء الأفارقة بشكل عام ودول حوض النيل بشكل خاص، و ذلك باحترام قواعد القانون الدولي والمواثيق والمعاهدات، وأيضا احترام الحقوق التاريخية لمصر في مياه النيل.
وأشار قرني إلى أن هناك توافقا بين الموقف الدولي والموقف المصري، وخاصة التصريحات الأخيرة من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وفي أكثر من مناسبة، والذي أشار فيه إلى تفهمه للموقف مصر والأزمة المتوقعة نتيجة تعنت الجانب الإثيوبي، واعتراضه صراحة علي التمويل الأمريكي للسد، وأن ذلك الموقف وأن كان متغير سيكون دعم بطريقة مباشرة لمصر، كذلك موقف الاتحاد الأفريقي رغم فشل جهوده علي الجانب السياسي والدبلوماسي إلا أن هناك اقتناع بضرورة إدارة الاتحاد الأزمات بالأساليب التفاوضية والسلميّة.
اقرأ أيضًا:
تقارب مصري أفريقي.. هل تتخذ مصر خطوات حاسمة ضد توغل أثيوبيا في البحر الأحمر؟
السد الإثيوبي يدخل مصر في مرحلة الفقر المائي.. ماذا بعد؟
ما تداعيات المصالحة الإثيوبية – الصومالية على سد النهضة؟
رسائل مصر إلى إثيوبيا ودور الإمارات في قضية سد النهضة | تقرير



