سياسة

الحكومة الموازية في السودان.. مناورة حميدتي التي أفشلها الإجماع الدول

منذ أسابيع، أعلنت قوات الدعم السريع تشكيل حكومة موازية لحكومة الخرطوم، في محاولة لكسب التأييد الشعبي والدولي. غير أن هذا المسعى قوبل برفض من الولايات المتحدة الأمريكية ومصر وعدد من دول المنطقة، ما حال دون تحقق الحلم الذي كان يطمح إليه قائدها محمد حمدان دقلو (حميدتي).

 

قال الصحفي عثمان ميرغني، رئيس تحرير صحيفة التيار السوداني، إن إعلان «الحكومة الموازية» في السودان ليس سوى ورقة سياسية تسعى قوات الدعم السريع من خلالها إلى منازعة الشرعية القائمة، بعدما فقدت مشروعها السياسي الذي كانت تروّج له في بدايات الحرب. وأوضح أن هذه الخطوة جاءت محاولة للتغطية على الانتهاكات التي ارتكبتها، مستعينة ببعض القوى السياسية المتحالفة معها في إطار ما سُمّي بتحالف التأسيس.

 

وأكد ميرغني أن هذا الإعلان لن يؤثر على العلاقات المصرية–السودانية، مشيراً إلى أن قوات الدعم السريع تحاول التشويش على شرعية الحكومة القائمة، لكن الرفض كان سريعاً وحاسماً من مختلف الأطراف: الأمم المتحدة، الاتحاد الإفريقي، الحكومة السودانية، والدول الكبرى وعلى رأسها مصر والولايات المتحدة والسعودية، حيث صدرت بيانات رسمية أكدت جميعها رفضها لهذه الخطوة.

 

وبيّن أن الإعلان لا يُعدّ سوى ورقة تفاوضية تسعى بها قوات الدعم السريع لكسب موقع داخل أي مفاوضات مرتقبة، لافتاً إلى أن حميدتي حين سمّى هذه الحكومة بـ«حكومة الوحدة والسلام» أراد إرسال رسائل مضللة، بينما في الواقع تعكس هذه الخطوة نزعة انفصالية ولو مرحلية، قد تتطور إلى مشروع دولة مستقلة إذا استمرت الحرب على هذا النحو.

 

 

وأضاف ميرغني أن التعاون العسكري المباشر بين الجيشين السوداني والمصري غير قائم، لكن تظل السودان بمثابة خط الدفاع الأول عن الأمن القومي المصري، وهو ما يفسر حرص القاهرة – على لسان الرئيس السيسي ووزير الخارجية – على التأكيد الدائم بأن أمن السودان واستقراره ووحدة مؤسساته خط أحمر لمصر.

 

وتابع أن الجيش السوداني حقق تقدماً ملموساً في مسرح العمليات بولايات كردفان والشمال وغرب السودان، حيث يقترب من حسم هذه المناطق تمهيداً للوصول إلى دارفور. وخلال الأسابيع الأخيرة، تمكن الجيش من تحقيق انتصارات كبيرة أسفرت عن مقتل قيادات بارزة في الدعم السريع، مع استمرار التقدم اليومي على الأرض.

 

أما في ما يتعلق بالمثلث الحدودي، فقد أوضح ميرغني أن قوات الدعم السريع حاولت السيطرة عليه مستعينة بعناصر قدمت من ليبيا، فيما انسحب الجيش السوداني تكتيكياً من بعض المواقع. وقد أثارت هذه التطورات مخاوف من تمدد قوات الدعم السريع نحو الولاية الشمالية، لكن الجيش السوداني نجح في الحد من هذا التوسع ومنع أي تداعيات خطيرة قد تؤثر على توازن القوى في تلك المنطقة.

 

صراع يهدد التسوية

 

قال الدكتور اللواء خالد فهمي إن إعلان قوات الدعم السريع عن تشكيل حكومة جديدة سيؤدي إلى تعميق الخلافات وزيادة الاضطرابات داخل السودان، مما سينعكس بشكل مباشر على استقرار الأوضاع الداخلية ويؤثر سلباً على ولاء وانتماء المواطنين للدولة. وأوضح أن هذه الخطوة ستؤدي إلى مزيد من التشتيت بين الشرق والغرب، وتفاقم العداء بين مختلف مكونات المجتمع، إضافة إلى تأجيج الصراع القائم.

 

وأشار فهمي إلى أن هذا الإعلان من شأنه التأثير على مسار المفاوضات، موضحاً أن أي تفاوض لا يمكن أن ينجح إذا بدأ بشروط مسبقة، لأن ذلك يحكم عليه بالفشل منذ البداية. وأضاف: «عندما نلجأ إلى طاولة الحوار، يجب أن تنحصر المناقشات في القضايا الأساسية، حتى نتمكن من التوصل إلى حل سلمي، خاصة بعدما وصلت الأوضاع إلى مرحلة خطيرة كان لا ينبغي أن تصل إليها».

 

وأكد أن وجود قوات الدعم السريع داخل الدولة كان يمكن أن يُعالج عبر حل دمجها في الجيش السوداني، لكن «الطموح السياسي» لقائدها محمد حمدان دقلو (حميدتي) أدى إلى تعقيد الموقف، خصوصاً بعدما رفض خطة الدمج خلال عام واحد وأصر على تمديدها لعشر سنوات، وهو ما اعتبره فهمي أمراً غير منطقي ويهدف فقط إلى إطالة أمد الصراع وتقليص فرص التسوية.

 

وبشأن الموقف المصري، طمأن فهمي إلى أن الحدود مع السودان آمنة تماماً، ولا توجد أي مخاوف في هذا الجانب، موضحاً أن مصر تمتلك قوات مدرّبة على أعلى مستوى وتدرك تماماً مهامها العسكرية وحدودها الموثقة بالاتفاقيات الدولية والإقليمية، لا سيما خط الحدود 22 المعترف به دولياً. وشدد على أن القوات المسلحة وحرس الحدود يواصلون تأمين هذه المناطق الاستراتيجية بشكل كامل.

 

واختتم اللواء فهمي حديثه بالتأكيد على أن مصر تتحرك في ثلاثة مسارات رئيسية:

 

  1. المسار السياسي عبر تقديم النصح والإرشاد والدعم للحل السلمي.
  2. المسار الأمني من خلال تعزيز إجراءات تأمين الحدود بدوريات ثابتة ومتحركة ونقاط تفتيش.
  3. المسار الدبلوماسي عبر التنسيق المستمر وتبادل المعلومات بين القاهرة والخرطوم.

 

 

 

أفق مسدود وصراع إقليمي

 

قال السفير مرزوق معصوم إن القتال المستمر بين الجيش السوداني وقوات «الدعم السريع» يبدو معركة صفِّية لا يبصر من خلالها أحد طريق النصر، موضحاً أن استمرار الإمداد بالسلاح والدعم الإقليمي يحول دون وجود أفق لإنهاء المواجهات. وأضاف أن تشكيل حكومة وحدة لم يكن العلاج السحري لكل آلام السودان، لأن وجود حكومة تضم عناصر عسكرية ومدنية لم يُنحِ الوضع إلى الاستقرار، بل شهدت الفترة محاولات من البرهان لاحتكار خيوط السلطة، وهي بداية الشروخ التي أدت إلى تفكك المشهد السياسي.

 

وتساءل السفير عمّا إذا كان تشكيل حكومة في هذا التوقيت سيساعد على تهدئة الصراع، مؤكداً أن بداية المشهد لا تبدو مبشّرة بالخير. وبيّن أن ممارسات «الدعم السريع» تشبه عمل الذئب المنفرد، وأن لهذه الحركة داعمين إقليميين يسعون لاستمرار الحرب، بعضهم جيران أفارقة وبعضهم – بحسب قوله – إسرائيل، الأمر الذي يجعل مصر في موقف استراتيجي قلق إزاء امتداد هذه الجبهات القريبة من حدودها.

 

وأشار إلى أنه سبق أن اقترح عقد مؤتمر كبير بالقاهرة يجمع الأطراف السودانية والإقليمية، لكن الفكرة لم تنجح لوجود شروط من قبل البرهان وحميدتي حالت دون التوصل إلى وساطة فعّالة. ورأى أن سلسلة الانتصارات التي حققها «الدعم السريع» على الأرض تُطرح حولها علامات استفهام بشأن مصادر السلاح والذخائر، وكيف تمكنت قوة شبه ميليشيا من تحقيق انتصارات على حساب جيش يمتلك معدات وأسلحة وأفراداً.

 

 

ونوّه السفير إلى أن القتال بين الفصائل السودانية لا ينبع دائماً من رغبة في المواجهة فحسب، بل يرتبط بمكاسب الغنائم التي تُوزَّع في وقتها، وما يرافق ذلك من جرائم: نهب، اغتصاب، واستباحة للقرى. لذلك وصف الوضع بأن «الدعم السريع» يملك قدرة على تغذية نفسه من هذه المكاسب، بينما يفتقر الجيش السوداني إلى كفاءة كافية ويحتاج لتدخل إقليمي مهتم وفاعل.

 

أما عن الدور المصري المحتمل، فلفت إلى أن أي تدخل لدعم الجيش السوداني أو التوسط لحل سلمي قد يجر مصر إلى استنزاف طويل ويعرّضها لمخاطر تتعلق بتسلل عناصر وبارود ونزوح عبر الحدود. وختم السفير بأن استمرار دعم «الدعم السريع» إقليمياً يعني استمرار الحالة الراهنة ما لم يتغير توازن القوى داخلياً أو إقليمياً.

 

وأكد السفير مرزوق معصوم أن مصر تؤمّن حدودها مع السودان بشكل جيد، غير أن ذلك وحده لا يكفي، مشدداً على أن تقوية الجيش السوداني يجب أن تكون البند الأول على قائمة الأولويات. وقال إن تدريب الجيش وتسليحه وتزويده بالعتاد ضروري، لكن من دون أن يتورط الجيش المصري نفسه في أتون الحرب الدائرة.

 

وأوضح أن على مصر وكل الأطراف المعنية بالشأن السوداني أن تساهم في إعادة بناء الجيش السوداني، لأن «الدعم السريع» – بحسب وصفه – لن يردعه سوى قوة عسكرية منظمة. وأضاف أن الوضع العسكري الحالي في السودان بات ميؤوساً منه، ولا يحقق أي مكاسب تُذكر، بل يكرّس حالة الاستنزاف.

 

وأشار السفير إلى اتفاق جوبا قبل انفصال الجنوب، مذكّراً بأن الوضع العسكري وقتها كان في حالة جمود لم يخرج منها أحد منتصراً، بينما كان الجنوب يستنزف الشمال بشكل واضح. وفي النهاية، رضخ الرئيس البشير آنذاك، وانتقلت الوفود السودانية إلى جوبا ثم إلى كينيا، ليُحسم الأمر بانفصال جنوب السودان.

 

اقرأ أيضًا:

 

هل سيطر حميدتي على المثلث الحدودي لمصر؟ | تحقيق

 

استهداف “الدعم السريع” سد مروي.. تصعيد سوداني أم رسالة لمصر؟

 

خبراء: “حميدتي” لا يملك قراره.. والتجار سيدفعون ثمن حماقته بالركود

 

 

مقالات ذات صلة