استيقظ سكان قرية أم شيحان التابعة لمنطقة القسيمة بشمال (وسط) سيناء في السابع من سبتمبر الجاري على دوي انفجار أعقبه ظهور كتلة من النيران في السماء، قبل أن يتساقط حطام طائرة مسيّرة في منطقة صحراوية خالية، إثر استهدافها بصاروخ أطلقته طائرة من داخل الحدود المصرية، ثم عادت إلى داخل إسرائيل عقب انتهاء مهمتها.
لم تكن هذه هي المرة الأولى التي تسقط فيها طائرات مسيّرة قادمة من اليمن في طريقها إلى ضرب أهداف داخل الكيان الإسرائيلي، دعمًا وردًّا على ما يقوم به الجيش الإسرائيلي من عدوان وحصار وتجويع للشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
عقب الواقعة، أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، أفيخاي أدرعي، في تمام الساعة 8:50 صباحًا بتوقيت القاهرة، أن قوات الجو تصدّت لطائرة مسيّرة قادمة من اليمن “قبل أن تخترق الأجواء الإسرائيلية”. بينما لم يصدر أي تعليق رسمي من السلطات المصرية حول الحادثة.
وبحسب ما أعلنه المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي، فإن المسيّرة التي تم استهدافها وإسقاطها داخل الأراضي المصرية في سيناء كانت واحدة من أربع مسيّرات عبرت الحدود. وقد نجحت إحداها في استهداف مطار “رامون” جنوب النقب، ما أسفر عن إصابة مواطنين إسرائيليين.
وأكدت هيئة الإسعاف الإسرائيلية أنها قدّمت العلاج لرجل أصيب بجروح متوسطة في أطرافه في موقع الحادث بمطار رامون، بعد أن ضربت المسيّرة قاعة انتظار المسافرين. وبعد البيان الأولي بشأن اعتراض المسيّرات الثلاث، أصدر الجيش الإسرائيلي بيانًا آخر أفاد بأن “طائرة مسيّرة رابعة أطلقت من اليمن وسقطت في محيط مطار رامون”، مضيفًا أنه “لم يتم تفعيل صفارات الإنذار في مطار رامون، ويجري التحقيق في الحادثة”.
ونقلت إذاعة الجيش الإسرائيلي عن مصدر عسكري أن المسيّرة ضربت قاعة المسافرين في المطار، كما أكدت صحيفة يسرائيل هيوم أن المسيّرة أصابت القاعة بالفعل. وأفادت هيئة البث الإسرائيلية بإصابة شخصين نتيجة سقوط المسيّرة.
وتحدثت وسائل إعلام عبرية عن تحقيق أولي أجراه سلاح الجو الإسرائيلي، أوضح أن أنظمة الكشف المبكر لم ترصد المسيّرة التي ضربت مطار رامون إطلاقًا، ما أدى إلى إصابته دون أي رصد مسبق، وبالتالي لم يُفعّل أي إنذار، ولم تُجرَ محاولات لاعتراضها. وأكدت أن سلاح الجو يجري تحقيقًا في هذا الخلل الخطير بنظام الكشف المبكر.
فيما قال مراسل قناة 14 العبرية: “يبدو أن المسيّرات اليمنية هي أول طائرات دولية تهبط في مطار رامون منذ افتتاحه”، مشيرًا إلى أن المسيّرة التي أصابت المطار لم تُرصد بأنظمة الرصد التابعة لسلاح الجو، ولم تُفعل صفارات الإنذار، وأن التحقيق جارٍ في الحادثة.

المواطن سعيد بلال سلمان، من سكان قرية أم شيحان، قال لمنصة MENA إن الأهالي استيقظوا صباح الأحد الموافق 7/9/2025 على صوت انفجار مدوٍّ، وإنه هرع مع الأهالي إلى موقع الانفجار حيث ظهرت كتلة من النيران في السماء، سرعان ما سقطت وارتطمت بالأرض، وكانت النيران ما تزال مشتعلة في مقدمتها وأطراف جناحيها.
وأضاف سلمان أن الاستهداف وقع بالقرب من منطقة العجراء، وسقط حطام المسيّرة قريبًا من منازل الأهالي دون وقوع إصابات بين المدنيين، مؤكّدًا أن الطائرة الحربية غادرت الأجواء المصرية وعادت إلى داخل إسرائيل عقب الاستهداف.
وفي منطقة العجراء، التي تقع جغرافيًّا جنوب مدينة رفح بشمال سيناء وعلى مقربة 8 كم من الحدود المصرية مع إسرائيل، أكد سكان محليون أنهم عثروا على أجزاء من حطام طائرة مسيّرة وبقايا الصاروخ الذي أطلقته الطائرة الحربية الإسرائيلية عليها.
ويشير شهود العيان إلى تكرار سقوط طائرات مسيّرة قادمة من اليمن تابعة للحوثيين، حيث شهدت المنطقة نفسها سقوط مسيّرة استُهدفت بصاروخ أطلقته طائرة إسرائيلية، وأسفر ذلك عن مقتل أحد أبناء قبيلة الترابين، ويدعى “جهاد يوسف أبو عقلة” (18 عامًا)، متأثرًا بإصابته بشظايا الصاروخ الإسرائيلي.
المحامي جمعة أبو ماسوح، أحد أبناء قبيلة الترابين، قال لمنصة MENA: “ما يحدث من قبل الطائرات الإسرائيلية اعتداء صارخ على السيادة المصرية واختراق فاضح لحدودها، ويشكّل خطرًا على حياة السكان المصريين المقيمين في القرى الحدودية بشمال وسط سيناء”.
وأضاف أبو ماسوح: “ينبغي على السلطات المصرية أن تفتح تحقيقًا شفافًا ومستقلًا حول هذه الوقائع المتكررة، مع التأكيد على حق المواطنين في معرفة الحقيقة من خلال إعلان نتائج التحقيق والإجراءات المتخذة لحماية المدنيين ومنع تكرار مثل هذه الحوادث الخطيرة”.
وسبق أن سقط “جسم مجهول” بالقرب من محطة كهرباء في منتجع نويبع على ساحل البحر الأحمر بشبه جزيرة سيناء، بحسب ما نقلته وسائل إعلام مصرية يوم الجمعة 26 أكتوبر الماضي. ووقع ذلك بعد ساعات قليلة من إصابة ستة أشخاص في مدينة طابا المصرية جراء سقوط جسم على منشأة طبية.
وأعلن الجيش المصري آنذاك أن “ما تعرضت له مدينة طابا ناجم عن سقوط إحدى الطائرات المسيّرة مجهولة الهوية”، بينما قال الجيش الإسرائيلي إنه رصد “تهديدًا جويًا” في منطقة البحر الأحمر دون تحديد الموقع.
ومنذ اندلاع الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، نصرةً لمظلومية الفلسطينيين الذين يتعرضون لأبشع صور القتل والتهجير، شنّ الحوثيون عشرات العمليات الصاروخية باتجاه “إسرائيل” وضد سفن في البحر الأحمر مرتبطة بالاحتلال.
وبحسب شهود عيان من سكان سيناء، فإن خروقات القوات الإسرائيلية للحدود المصرية ليست جديدة، إذ شهدت المنطقة منذ بداية الحرب على غزة في أكتوبر 2023 نشاطًا عسكريًا إسرائيليًا أسفر أحيانًا عن سقوط مصابين وقتلى. ففي 22 أكتوبر 2023، أعلن المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أن دبابة إسرائيلية أصابت موقعًا مصريًا بالقرب من الحدود “عن طريق الخطأ”، ما أدى إلى إصابة عناصر من الجيش المصري في أحد أبراج المراقبة.
من جانبها، أعلنت جماعة “أنصار الله” (الحوثيون)، صباح السابع من سبتمبر الجاري، تنفيذ عملية نوعية بأربع مسيّرات استهدفت “مطار رامون” الإسرائيلي في منطقة أم الرشراش وهدفًا عسكريًا في النقب. وأوضح المتحدث العسكري باسم الحوثيين، يحيى سريع، في بيان مصوّر نقلته قناة المسيرة، أن ثلاث مسيّرات ضربت مطار رامون، فيما استهدفت الرابعة هدفًا عسكريًا في النقب، مؤكدًا أن العملية “حققت أهدافها بنجاح”.
وشدّد سريع على أن “العدوان الإجرامي بحق الشعب اليمني العظيم لن ينال من عزيمته ولن يكسر إرادته الصلبة”، مشيرًا إلى أن “اليمن يؤدي واجبه الديني والإنساني والأخلاقي في الدفاع عن الشعب الفلسطيني”. كما أكد أن “كل محاولات النيل من الموقف اليمني المساند للمقاومة ستفشل كما فشلت المحاولات السابقة”، متعهدًا بالاستمرار في الدفاع عن اليمن وفلسطين حتى وقف العدوان ورفع الحصار عن غزة.
وعلى إثر ذلك، أغلقت السلطات الإسرائيلية يوم الأحد الموافق السابع من سبتمبر المجال الجوي في منطقة مطار رامون جنوبي الأراضي المحتلة، عقب الهجوم بالمسيّرة التي قالت إنها أُطلقت من اليمن، في ثاني هجوم من نوعه خلال أسبوع.
وقال جيش الاحتلال الإسرائيلي في بيان إنه “تم تفعيل صفارات الإنذار بشأن تسلل طائرة معادية (مسيّرة) في منطقة بئير أورا (بوادي عربة)”، فيما ذكرت صحيفة يسرائيل هيوم أنه تم تفعيل صفارات الإنذار في منطقة مطار رامون شمال إيلات، بينما أكدت القناة 12 الإسرائيلية تعليق حركة الهبوط والإقلاع في المطار حتى إشعار آخر.
ومنذ نوفمبر 2023، يشنّ الحوثيون هجمات متكررة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة ضد سفن إسرائيلية وأخرى مرتبطة بإسرائيل في البحر الأحمر وخليج عدن والبحر العربي، فضلًا عن استهداف مواقع إسرائيلية داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، في إطار ما يصفونه بـ”الرد على حرب الإبادة ضد غزة”.
بدوره، قال الخبير في العلاقات السياسية والدبلوماسية، الحقوقي حسين أيوب، لمنصة MENA: “في تطور لافت أثار العديد من التساؤلات، سقطت طائرة مسيّرة يُعتقد أنها تابعة لجماعة أنصار الله الحوثية في قرية أم شيحان بوسط سيناء، بينما كانت في طريقها نحو الأراضي الفلسطينية المحتلة. الحادثة التي وُصفت بـ(الطيران المجهول) فتحت الباب واسعًا أمام تساؤلات حول الدور الذي تلعبه المؤسسة العسكرية المصرية في هذه المرحلة الحساسة إقليميًا”.
وأضاف أيوب أن “إسقاط المسيّرات الحوثية فوق سيناء تزامن مع إعلان الجيش الإسرائيلي عن اعتراض مماثل، ما دفع مراقبين للتساؤل: هل باتت سماء سيناء جزءًا من منظومة الدفاع الجوي عن إسرائيل؟ وهل تحوّل الجيش المصري من (جيش الشعب) إلى قوة تعمل لحماية حدود الكيان الصهيوني من تهديدات قادمة من اليمن أو غيرها؟”.
وقال الخبير العسكري اللواء المتقاعد فخر الدين سمري إن الطائرة التي نفذت الهجوم تابعة لسلاح الجو الإسرائيلي وليست مصرية، استنادًا إلى معطيات فنية. وأوضح أن طائرات F-16I Sufa بتمويهها الصحراوي المميز تُستخدم لملاءمة بيئة العمليات في المناطق الصحراوية، وهو تصميم خاص بسلاح الجو الإسرائيلي وغير مستخدم في القوات الجوية المصرية.
وأضاف سمري أن هذا النوع من الطائرات من الأكثر تطورًا، بقدرات هجومية متقدمة وأنظمة استهداف دقيقة، وهي نسخة معدلة من المقاتلة الأمريكية F-16، مصممة خصيصًا لتلبية احتياجات إسرائيل، ومزودة برادار AN/APG-68 المتطور.
وأشار إلى أن هذا الرادار يتيح للطائرة تتبع أهداف متعددة في ظروف بيئية مختلفة، كما أنها مزودة بخزانات وقود خارجية مميزة تُعرف باسم Conformal Fuel Tanks (CFTs)، وهو أحد أبرز التعديلات التي تميز مقاتلات F-16I Sufa، لتلائم العمليات طويلة المدى.
ولفت الخبير المصري في الأمن القومي والعلاقات الدولية، اللواء الدكتور سمير فرج في حديثه مع منصة MENA، إلى أن التاريخ العسكري لمصر ارتبط دومًا بالمواجهات المصيرية مع إسرائيل، من العدوان الثلاثي عام 1956 إلى نصر أكتوبر 1973. لكنّ تكرار اعتراض المسيّرات فوق الأراضي المصرية اليوم وسط صمت رسمي وغياب الشفافية يثير قلقًا متصاعدًا.
وأكد فرج أن هذه الوقائع تعيد طرح سؤال أكبر: ما هو الدور الحقيقي للجيش المصري اليوم؟ وهل أولويته حماية الأمن القومي المصري، أم العمل ضمن ترتيبات أمنية غير معلنة تخدم أطرافًا خارجية؟
اقرأ أيضًا:
“عشائر سيناء” تنتفض لإنقاذ غزة.. ما القصة؟
تفاصيل خطة سرية بين ترامب ونتنياهو بشأن سيناء.. هل تُنفّذ خطة التهجير؟
العودة المستحيلة.. مأساة المهجّرين شمال شرق سيناء



