تواجه قناة السويس ضغوطًا غير مسبوقة بفعل التوترات في البحر الأحمر، ما انعكس على حركة الملاحة والإيرادات. وفي ظل هذه التطورات، تتغير خريطة التجارة العالمية وسط خسائر متزايدة ومخاطر ممتدة.
قال الدكتور مصطفى بدرة إن التأثيرات الاقتصادية للأوضاع الجيوسياسية الراهنة ستعلنها بشكل دقيق هيئة قناة السويس، فيما يُعرف بـ”الفاتورة المالية”، لتحديد حجم الخسائر بشكل رسمي.
وأضاف أن التقديرات الأولية الصادرة عن الجهات العالمية، خاصة شركات وخطوط الملاحة، تشير إلى اتجاه العديد منها لتجنب المرور عبر البحر الأحمر والدخول من مضيق باب المندب، مفضلة سلوك طريق رأس الرجاء الصالح، وذلك تخوفًا من تداعيات الاستهدافات التي تشهدها المنطقة.
وأوضح أن هذه التحولات ترتبط بمخاوف من عمليات استهداف محتملة من بعض القوى الموجودة في المنطقة، مثل جماعة الحوثي، وهو ما يدفع السفن المتجهة إلى أوروبا والولايات المتحدة إلى تغيير مساراتها، الأمر الذي أدى إلى تراجع حركة العبور عبر القناة.
وأشار بدرة إلى أن هذه التطورات جاءت في سياق تداعيات أوسع بدأت منذ اندلاع الحرب في قطاع غزة في أعقاب أحداث حرب 7 أكتوبر 2023، مؤكدًا أن الخسائر الاقتصادية تجاوزت حاجز 10 مليارات دولار، مع توقعات باستمرار هذا التأثير لفترة ممتدة.
وفيما يتعلق بإمكانية تصعيد الأوضاع، استبعد الخبير الاقتصادي سيناريو إغلاق المضائق بشكل كامل، موضحًا أن مضيق باب المندب يظل منطقة حساسة، لكن إغلاقه الكامل ليس أمرًا سهلًا في ظل التوازنات الدولية.
كما حذر من تداعيات بيئية واقتصادية محتملة جراء استهداف السفن، مستشهدًا بحوادث سابقة لسفن تحمل شحنات بترول وغاز، قد تؤدي إلى أضرار جسيمة في البحر المتوسط، وهو ما ينعكس بدوره على دول المنطقة.
وأكد أن ارتفاع المخاطر أدى بالفعل إلى زيادة تكلفة الشحن والنولون البحري، فضلًا عن ارتفاع أسعار التأمين على السفن، وهو ما يتحمله في النهاية المصدر والمستورد، ما ينعكس على أسعار السلع عالميًا.
واختتم بدرة تصريحاته بالتأكيد على أن قناة السويس تظل شريانًا رئيسيًا للتجارة العالمية، لكن في ظل المخاطر الحالية، لا يمكن إجبار خطوط الملاحة على المرور عبرها دون توفير ضمانات أمنية وتأمينية كافية.
أكد أحمد مصطفى، رئيس ومؤسس مركز آسيا للدراسات والترجمة،بحلول أبريل 2026، تُظهر قناة السويس بوادر تعافٍ متواضعة، بعد أكثر من عامين من الاضطرابات الناجمة عن الصراع في البحر الأحمر. ففي شهري يناير وأوائل فبراير فقط، سجلت القناة إيرادات بلغت 449 مليون دولار، مقارنة بـ368 مليون دولار خلال الفترة نفسها من العام السابق، مع زيادة في عدد السفن بنسبة 5.8%، وارتفاع في الحمولة الصافية بنسبة 16%.
غير أن هذه المؤشرات الإيجابية تخفي هشاشة أعمق؛ فالقناة، التي تنقل في الظروف الطبيعية نحو 12% من التجارة البحرية العالمية و30% من حركة الحاويات، لا تزال بعيدة عن مستوياتها القياسية قبل الأزمة. ويظل مصيرها مرتبطاً ارتباطاً وثيقاً بأمن البحر الأحمر، حيث دفعت هجمات جماعة أنصار الله الحوثية كبرى شركات الشحن إلى إعادة النظر في مسارات تجارية راسخة منذ قرون.
كانت تداعيات الحرب في البحر الأحمر سريعة وقاسية. فمنذ أواخر عام 2023، نفذت الجماعة أكثر من 100 هجوم استهدف السفن في البحر الأحمر وخليج عدن ومضيق باب المندب، في سياق ما وصفته بدعم الفلسطينيين خلال الحرب في غزة. وردت شركات الشحن العالمية الكبرى مثل ميرسك وإم إس سي وسي إم إيه سي جي إم وهاباغ لويد بإعادة توجيه معظم تجارتها بين آسيا وأوروبا عبر رأس الرجاء الصالح.
هذا التحول أضاف ما بين 10 إلى 14 يوماً إلى زمن الرحلات، ورفع تكاليف الوقود والتأمين، وأدى إلى تراجع حاد في حركة العبور بالقناة. وبحلول عام 2024، انخفض عدد السفن العابرة إلى 13,213 سفينة سنوياً، مقارنة بـ25,911 سفينة في السنة المالية 2022/2023، بينما تراجعت حركة الحاويات بنسبة وصلت إلى 90% في أدنى مستوياتها، في واحدة من أسوأ الأزمات التي شهدتها القناة منذ عقود.
تشير الأدلة إلى ارتباط شبه كامل بين هجمات الحوثيين وإعادة توجيه التجارة العالمية، خاصة في قطاع الحاويات. فقبل الأزمة، كانت قناة السويس تمثل المسار الأقصر والأكثر كفاءة بين أوروبا وآسيا. ومع تصنيف البحر الأحمر منطقة عالية المخاطر وارتفاع أقساط التأمين، وجدت شركات الشحن نفسها أمام خيارات محدودة. وأظهرت بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية وصندوق النقد الدولي تراجع عبور باب المندب إلى 46% من مستوياته السابقة، وانخفاض عبور القناة إلى 63%، مقابل زيادة بنسبة 70% في حركة الملاحة حول رأس الرجاء الصالح.
ولم يقتصر التأثير على إعادة التوجيه فقط، بل تحول إلى صدمة هيكلية؛ إذ انكمشت السعة العالمية الفعالة للحاويات بنحو 9% نتيجة بقاء السفن فترات أطول في البحر، ما أدى إلى ارتفاع أسعار الشحن وتعطيل سلاسل الإمداد العالمية.
في البداية، تعاملت الحكومة المصرية والمحللون مع الأزمة باعتبارها ظرفاً مؤقتاً. وبحلول أواخر 2025، ساهم وقف إطلاق النار في غزة وتراجع وتيرة الهجمات في تحقيق انفراجة نسبية، حيث ارتفعت الإيرادات بنسبة 14.2% بين يوليو وأكتوبر، مع تسجيل أكتوبر أعلى معدل عبور شهري منذ بداية الأزمة. كما عززت بيانات أوائل 2026 هذه المؤشرات، مع حديث رئيس الهيئة عن “تحسن نسبي” وعودة تدريجية لبعض الخطوط.
لكن التعافي لا يزال هشاً؛ إذ تشير التقديرات إلى أن الحركة في بعض المؤشرات لا تزال أقل بنحو 60% من مستويات ما قبل الأزمة. كما دفعت التهديدات المتجددة في 2026 بعض الشركات إلى إعادة تفعيل مسار رأس الرجاء الصالح. ويصف الخبراء الوضع الحالي بأنه “تهديد مؤقت ذو أثر عميق”، وليس تحولاً استراتيجياً دائماً في خريطة التجارة العالمية.
جيوسياسياً، تبقى المخاطر قائمة. فالجماعة الحوثية لا تزال تحتفظ بقدرات هجومية عبر الطائرات المسيّرة والصواريخ، ما يجعل مضيق باب المندب أحد أهم نقاط الاختناق العالمية عرضة للتقلبات. كما تضيف التوترات الإقليمية بين قوى كبرى طبقات إضافية من عدم اليقين، في ظل تحذيرات من “هدنة هشة” قد تنهار في أي لحظة.
اقتصادياً، كانت الخسائر كبيرة. فقد بلغت إيرادات القناة في السنة المالية 2022/2023 نحو 9.4 مليار دولار، قبل أن تنخفض إلى 7.2 مليار دولار في 2023/2024، ثم إلى قرابة 4 مليارات دولار في عام 2024، بخسائر شهرية قاربت 800 مليون دولار في ذروة الأزمة. وتشير التقديرات إلى أن إجمالي الخسائر تجاوز 9 إلى 10 مليارات دولار، ما شكل ضغطاً شديداً على الاقتصاد المصري.
في المقابل، تحركت هيئة قناة السويس لتعزيز تنافسيتها، عبر تقديم حوافز مالية، أبرزها خصم بنسبة 15% على رسوم عبور سفن الحاويات الكبيرة، إلى جانب حوافز إضافية لفئات أخرى. واستهدفت هذه الإجراءات تعويض ارتفاع تكاليف التأمين، وتحفيز عودة الخطوط الملاحية تدريجياً.
ورغم مساهمة هذه الحوافز في تحقيق استقرار نسبي، فإن التعافي الكامل لا يزال رهناً بعوامل خارج السيطرة، في مقدمتها استقرار البحر الأحمر وتراجع المخاطر التأمينية.
في المحصلة، تكشف أزمة قناة السويس عن حقيقة أوسع: في عالم مترابط، لم تعد الممرات الاستراتيجية محصنة من الصدمات الجيوسياسية. فاضطراب إقليمي واحد كفيل بإعادة تشكيل سلاسل الإمداد العالمية، ورفع الأسعار، وفرض كلفة إضافية على الاقتصاد الدولي.
وبينما تراهن مصر على تحسن أكبر خلال النصف الثاني من 2026، يبقى مستقبل القناة مرهوناً ليس فقط بالإجراءات الاقتصادية، بل بمدى استقرار بيئة إقليمية شديدة التقلب. الدرس الأبرز للتجارة العالمية اليوم واضح: الاعتماد على مسار واحد لم يعد خياراً آمناً، بل مخاطرة يجب التحوط لها.
حذّر اللواء محمد رشاد، وكيل جهاز المخابرات المصرية الأسبق، من تداعيات متصاعدة لاضطراب حركة الملاحة في البحر الأحمر، مؤكدًا أن الأزمة الحالية تلقي بظلالها المباشرة على قناة السويس، أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد المصري.
وأوضح رشاد أن تصاعد المخاطر الأمنية في المنطقة دفع شركات الشحن العالمية إلى إعادة تقييم مساراتها، في ظل ارتفاع تكاليف التأمين البحري، والتي وصلت في بعض الحالات إلى مستويات غير مسبوقة، بل وامتنعت بعض شركات التأمين عن تغطية السفن العابرة للمناطق المصنفة عالية الخطورة.
وأشار إلى أن هذا الواقع أدى إلى عزوف نسبي من جانب شركات النقل البحري عن المرور عبر البحر الأحمر وقناة السويس، مفضّلة مسارات بديلة رغم ارتفاع تكلفتها الزمنية، وهو ما انعكس سلبًا على معدلات العبور داخل القناة.
وأكد أن مسألة التأمين البحري تظل قضية عالمية تخضع لتقديرات شركات التأمين الدولية، ولا يمكن لدولة بمفردها التحكم فيها، خاصة في ظل استمرار التوترات وارتفاع حجم المخاطر، الأمر الذي يدفع تلك الشركات إلى رفع أقساط التأمين أو وقف التغطية بالكامل في بعض الحالات.
وفي السياق الاقتصادي، شدد رشاد على أن تراجع إيرادات قناة السويس يمثل ضغطًا مباشرًا على موارد العملة الصعبة، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الطاقة عالميًا، وهو ما يزيد من الأعباء على الاقتصاد المصري، خاصة مع الاعتماد النسبي على استيراد النفط والغاز.
وأضاف أن تداعيات الأزمة لا تقتصر على قطاع الملاحة فقط، بل تمتد لتشمل قطاعات حيوية أخرى مثل السياحة والاستثمار، التي تتأثر بشكل مباشر بحالة عدم الاستقرار الإقليمي.
واختتم رشاد تصريحاته بالتأكيد على أن ما تشهده المنطقة يتجاوز كونه أزمة عابرة، بل يمثل تحديًا مركبًا يتطلب التعامل معه برؤية شاملة، في ظل ترابط الملفات الأمنية والاقتصادية على حد سواء.
قال السفير مرزوق معصوم إن تداعيات التوترات في البحر الأحمر على حركة الملاحة العالمية كبيرة، إذ يُعد البحر الأحمر أحد المنافذ الهامة للتجارة الدولية بين الشرق والغرب، والشمال والجنوب، وقد ازدادت أهميته بعد حفر قناة السويس، حيث يمر خلاله حوالي 15% من حركة التجارة الدولية، ولا شك أن المشاكل التي تسببت فيها عصابات القرصنة عند باب المندب، أو ما قام به الحوثيون من تهديد، قد أثر بشكل كبير على حركة الملاحة في البحر الأحمر، وبالتالي في دخل قناة السويس.
وأضاف معصوم أن هجمات جماعة أنصار الله أثرت من عدة زوايا، إذ دفعت عددًا كبيرًا من الخطوط الملاحية البحرية إلى المرور عبر رأس الرجاء الصالح، مع انخفاض حاد في عدد الحاويات التي تمر في البحر الأحمر من حوالي 500 ألف حاوية إلى 200 ألف حاوية فقط. ومن ناحية أخرى، أسهم ذلك في زيادة أهمية ميناء نويبع وميناء العين السخنة في مصر، حيث زادت أعداد الشاحنات بما يزيد على 90%، ولا شك أن هناك توجهات أخرى للالتفاف على مشكلة باب المندب (ومضيق هرمز) بالنسبة لإمدادات البترول، عن طريق مد أنابيب إلى سواحل البحر الأحمر، ونقلها سواء إلى الموانئ المصرية، أو إلى ناقلات تعمل من شواطئ السعودية عبر قناة السويس.
وأكد معصوم أنه يظن أن ذلك ظرف طارئ يرتبط بأوضاع الإقليم حاليًا، ولكن لا بد أن خطوط الملاحة الدولية ستحاول البحث عن بدائل عملية، قد تتحول بمرور الوقت إلى أوضاع ثابتة، أقل تكلفة اقتصاديًا.
كما أكد معصوم أن أبرز التحديات الجيوسياسية التي باتت تؤثر على أمن واستقرار الممرات الملاحية، ومنها قناة السويس، هي أن تلك الممرات صارت تُستخدم كأحد أدوات الصراع في الشرق الأوسط، وبعد أن اكتشفت الأطراف مدى خطورتها، أصبحت أحد أهم عناصر التفاوض، خاصة بالنسبة للأطراف الأضعف في توازنات القوة العسكرية، وذلك بلا شك متغير خطير للغاية، ويؤثر سلبًا على اقتصاديات العالم، وبالأخص على دولة مثل مصر تعتمد على إيرادات قناة السويس كأحد أهم مصادر العملة الأجنبية.
اقرأ أيضًا:
هل تُعيد إسرائيل سيناريو السويس إن خاضت الحرب بمفردها؟
تراجع إيرادات قناة السويس.. تهديدات الحوثيين للملاحة في البحر الأحمر وخيارات مصر للتعامل معها
بعد تصريحات مدبولي عن خسائر قناة السويس.. هل هناك نية لتأجيرها أو بيعها؟
جسر موسى: حين يلتقي قارّتان على معبر واحد



