سياسة

هل اقتربت ساعة الصفر ضد “الكيان الإسرائيلي”؟

الوقف الفوري لإطلاق النار وإدخال المساعدات وتدريب 5 آلاف شرطي في غزة.. أولويات المفاوض المصري

 

الخيار العسكري مطروح.. والخطوط الحمراء التي وضعتها مصر لم يتم تجاوزها حتى الآن

 

 السياسة المصرية بطبيعتها ليست عدوانية أو هجومية

 

الاستقطاب العالمي وصراعات دول الجوار تؤثر على القرار السياسي المصري

 

المفاوض يملك أوراقًا مهمة أبرزها التواصل مع القوى الدولية وبناء رأي عام عالمي

 

جمع الفصائل الفلسطينية وتوحيدها لإفشال مخططات الاحتلال ضمن قدرات المفاوض

 

هل اقتربت ساعة الصفر؟ إسرائيل أعلنت خطتها لاحتلال غزة وحددت أربعة أهداف رئيسية: نزع سلاح حركة حماس، واستعادة جميع الأسرى – أحياء وأمواتًا، والسيطرة الأمنية الكاملة، وإقامة إدارة بديلة. في المقابل، تؤكد مصر رفضها القاطع لمخططات التهجير، وتشدد القيادة السياسية على أن القاهرة لن تشارك في الظلم الواقع على الشعب الفلسطيني، مؤكدة جاهزية قواتها المسلحة لردع أي خطر يهدد الأمن القومي المصري.

 

خبراء السياسة والأمن الذين حاورتهم منصة “MENA” أكدوا أن الدبلوماسية المصرية محكومة باعتبارات معقدة، وأن احتلال غزة يمثل تهديدًا مباشرًا لعمق الأمن القومي المصري. وأوضحوا أن مصر تتحرك عبر مسارات دبلوماسية لإفشال المخطط الإسرائيلي، مع إبقاء الخيار العسكري قائمًا رغم أن السياسة المصرية بطبيعتها غير هجومية.

 

 

مؤتمر صحفي عند معبر رفح

 

عقد وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطي ورئيس الوزراء الفلسطيني الدكتور محمد مصطفى مؤتمرًا صحفيًا عند معبر رفح. وأكد عبد العاطي أن “غزة تواجه ظروفًا غير مسبوقة من حصار خانق، وتجويع ممنهج، وتصعيد عسكري مستمر منذ قرابة عامين وصولًا إلى تهديدات باحتلال القطاع، وهو جرح مفتوح في ضمير الإنسانية وانتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الدولية، وخاصة اتفاقيات جنيف الأربع التي تلزم القوة القائمة بالاحتلال – إسرائيل – بحماية المدنيين وتوفير احتياجاتهم الإنسانية الأساسية، لا معاقبتهم جماعيًا”.

 

تلعب مصر دور الوسيط الفاعل بالتعاون مع قطر، حيث استضافت القاهرة اجتماعات متتالية مع الفصائل الفلسطينية وعلى رأسها حركة حماس، التي أعلنت تسليم ردها على المقترح المصري-القطري لوقف إطلاق النار. وأكد خبراء السياسة أن قضايا الأمن القومي ستظل محددة لمواقف مصر ولن تتأثر بأي ضغوط، فالأولوية المطلقة للأمن القومي المصري.

 

ذروة الصراع وخطة الاحتلال

 

أعلنت إسرائيل نيتها تطويق مدينة غزة وإجلاء نحو مليون شخص إلى مناطق جديدة داخل القطاع، مع السيطرة التدريجية عليه. مكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي حدّد أربعة مبادئ أساسية: نزع سلاح حماس، استعادة جميع الأسرى، السيطرة الأمنية الكاملة، وإقامة إدارة مدنية بديلة لا تتبع لا لحماس ولا للسلطة الفلسطينية.

 

هامش مناورة محدود

 

يقول الدكتور رمضان قرني، خبير العلاقات الدولية: “يجب الاعتراف بأن البيئة التي تتحرك فيها الدبلوماسية المصرية معقدة، وهامش المناورة ضيق بسبب تعقيدات دولية وإقليمية وإنسانية ضاغطة”. ويشرح أن هذه التعقيدات تتوزع على أربعة محاور:

 

المحور الأول هو طبيعة النظام الدولي الراهن وحالة الاستقطاب، وتراجع الاهتمام العالمي بقطاع غزة لصالح قضايا أخرى مثل أوكرانيا والحرب التجارية مع الصين. وتبقى واشنطن القوة الدولية الوحيدة القادرة على التأثير الفاعل في القرار الإسرائيلي.

 

المحور الثاني يرتبط بمفهوم الأمن القومي المصري الشامل. فالوضع في غزة يمثل تهديدًا مباشرًا من البوابة الشرقية، يضاف إلى أزمات الجوار: الحرب في السودان منذ عامين، نجاح قوات الدعم السريع في تشكيل حكومة موازية، وحالة الانقسام في ليبيا بين قوى سياسية ومليشيات مسلحة. كل ذلك يفرض ضغوطًا غير مسبوقة على الدبلوماسية المصرية.

 

 

أوراق القوة بيد المفاوض المصري

 

ويضيف قرني لـ “MENA”: “لا تزال مصر تملك أوراقًا سياسية يمكن تفعيلها، أبرزها تكثيف التواصل مع القوى الدولية الكبرى والصاعدة – من الولايات المتحدة وروسيا إلى الصين وبريطانيا وفرنسا والهند وباكستان وجنوب أفريقيا – لتشكيل لوبي داعم للاعتراف بالدولة الفلسطينية، وهو ما يمثل أداة ضغط كبيرة على إسرائيل”.

 

الورقة الثانية تتمثل في بناء رأي عام دولي ضاغط، عبر فضح جرائم الاحتلال بحق الصحفيين، واستغلال التقارير الحقوقية المتعلقة بالتجويع والعقوبات الجماعية. ويشير قرني إلى أن منابر دولية عديدة متعاطفة مع القضية الفلسطينية يمكن أن توفر دعمًا ملموسًا للموقف المصري.

 

كما شدد على ضرورة تفعيل حملة دبلوماسية عربية ودولية لمواجهة أطروحة “إسرائيل الكبرى” باعتبارها نصوصًا توراتية لا تتوافق مع القوانين الدولية. وأكد أن توحيد الفصائل الفلسطينية يظل ورقة مركزية بيد القاهرة، فهي الدولة العربية الوحيدة القادرة على رعاية هذا الدور، رغم التوترات السابقة مع حركة حماس.

 

اتفاق شامل لإفشال الخطط الإسرائيلية

 

المقترح الذي قدّمه الوسطاء شمل ثلاثة بنود رئيسية: ملف الأسرى، إدخال المساعدات، وانسحاب القوات الإسرائيلية. ويقضي بأن تطلق حماس سراح 10 أسرى أحياء و18 جثة لجنود إسرائيليين، مقابل إفراج إسرائيل عن 1700 أسير فلسطيني، بينهم 140 محكومًا بالمؤبد و60 محكومياتهم تتجاوز 15 عامًا.

 

ويعلّق قرني أن إسرائيل تفصل بين “ملف الأسرى” كمسار دبلوماسي، و”احتلال غزة” كمسار عسكري، عبر شروط نزع سلاح حماس، والسيطرة الأمنية الكاملة، وتشكيل حكومة بديلة. ويرى أن مرونة حماس مع الطرح المصري-القطري والأمريكي قد تفتح الباب لاتفاق شامل، ما يضع إسرائيل في حرج عالمي وداخلي، وربما يجبرها على إعادة التفكير استراتيجيًا في خطة الاحتلال.

 

هل تكون الهدنة بداية النهاية؟

 

تعهد الوسطاء بأن تكون الهدنة فرصة للتفاوض على إطار ينهي الحرب. لكن التجارب السابقة – مثل اتفاق يناير الماضي الذي انقلبت عليه إسرائيل – تجعل الثقة بوفاء الاحتلال محل شك كبير. ورغم الاتفاق على دخول ألف شاحنة مساعدات يوميًا، يبقى تنفيذه رهين الغدر الإسرائيلي المعتاد، وسط عجز الأطراف عن إلزامها بتعهداتها.

 

4 مسارات للدبلوماسية المصرية

 

في السياق ذاته، يوضح الدكتور طارق فهمي أن لمصر أربعة مسارات رئيسية في مواجهة الوضع الراهن:

1. تسجيل موقف واضح برفض أي اعتداء إسرائيلي على غزة، باعتباره يهدد المنطقة بالاشتعال.

2. التحرك في الأمم المتحدة خلال اجتماعات سبتمبر المقبل لإبراز الموقف المصري على المستوى الدولي.

3. التأكيد على الموقف العربي والدولي الرافض لممارسات الاحتلال.

4. تفعيل الشراكة مع الفصائل الفلسطينية ودعم لجنة الإسناد المجتمعي، بجانب التنسيق مع السلطة الفلسطينية، وهو ما ظهر في لقاءات رئيس الوزراء الفلسطيني مع نظيره المصري وزيارة وزير الخارجية الفلسطيني للقاهرة ومعبر رفح.

 

 

المباحثات بين حماس وفتح

 

فيما يتعلق بالمباحثات مع حركة حماس، يقول الدكتور طارق فهمي لـ منصة MENA:

 

“نحن لا نقيم النتائج بقدر ما يتم تقييمها من محورين: الأول قبول حماس لما هو مطروح في التفاوض، والثاني طبيعة هذا القبول. والواضح أن هناك عودة إلى الخيار الجزئي وليس الكلي، أي الحزم المرحلية التي يمكن البناء عليها لاحقًا. وقد جرت بالفعل اتصالات مع الجانب القطري ولقاءات في القاهرة بهدف التوصل إلى مقترح جزئي، يختلف عن الصفقة الكاملة الممتدة لـ60 يومًا، والتي تشمل الإفراج عن عدد من الرهائن لا يقل عن 10 أشخاص، بينهم جثامين.”

 

من جانبه، يوضح خبير العلاقات الدولية والسياسية الدكتور رمضان قرني لـ منصة MENA:

 

“بالنظر إلى اجتماع الفصائل الفلسطينية الذي استضافته القاهرة قبل أيام، بمشاركة حماس والسلطة الفلسطينية والجبهة الشعبية ورجال المقاومة الوطنية، يمكن القول إنه كان حاسمًا. فقد أشارت تسريبات إعلامية إلى وجود خلافات ونقاشات حادة بين حماس من جانب، وبقية الفصائل من جانب آخر، خاصة فيما يتعلق بوقف الحرب في القطاع حتى لا تمنح إسرائيل ذريعة لاجتياحه.”

 

ويضيف: “أرى أن هناك ثلاث قضايا محورية؛ الأولى: الأولوية الوطنية المتمثلة في الوقف الفوري والشامل للعدوان الإسرائيلي وضمان وصول المساعدات الإنسانية، وهو مبدأ ثابت بين كل الفصائل. الثانية: استجابة الفصائل للدعوة المصرية لوقف الحرب من خلال مبادرة تتعلق بإدارة مؤقتة لقطاع غزة من كفاءات وطنية مستقلة يتم الاتفاق عليها بمرسوم رئاسي فلسطيني، بما يمكّن السلطة الوطنية مستقبلًا من السيطرة على القطاع. الثالثة: مناقشة تدريب عناصر الشرطة المدنية، والبالغ عددهم نحو 5 آلاف شرطي، ليتولوا المسؤولية الأمنية والخدمية في القطاع.”

 

ويختم قرني: “هذه المناقشات تعكس أن الفصائل الفلسطينية مهيأة بدرجة كبيرة للضغط على حركة حماس للتماهي مع بعض البنود المصرية والقطرية في المفاوضات، خاصة المتعلقة بوقف الحرب وإدارة القطاع ونزع السلاح. ومن ثم، يمكن القول إننا أمام استحقاق وطني فلسطيني يتطلب قرارات دقيقة من حماس لتجنيب الشعب ويلات الحرب والاحتلال.”

 

الخيار العسكري غير مستبعد

 

يشرح الدكتور فهمي لـ منصة MENA:

 

“الخيار العسكري الإسرائيلي مطروح، بل يسبق الخيار السياسي. تصريحات (زامير) أوضحت أن العملية ستبدأ ضمن عملية مركبات كادون (الإطار الثاني)، وهو ما لا يمثل ورقة ضغط على مصر بقدر ما يستهدف حماس والسلطة الفلسطينية وأطرافًا أخرى. أما مصر، فهي تتحرك في حدود إمكانياتها وقدرتها، رافضة كل أشكال الضغوط الرامية إلى التهجير سواء الطوعي أو الجبري. والتحرك المصري بطبيعته مدروس ومنضبط، ويتعامل مع القضية الفلسطينية ككل وليس مع فصيل بعينه، وهو ما تؤكده لقاءات القاهرة مع مختلف الفصائل.”

 

من ناحيته، يقول الدكتور رمضان قرني لـ منصة MENA:

 

“لا يمكن استبعاد الخيار العسكري من سياسات أي دولة بحجم مصر وصقلها العربي والإقليمي والدولي، فهو أداة أصيلة من أدوات السياسة الخارجية. غير أن طبيعة مصر ليست عدوانية ولا تقوم على المبادرة بالهجوم، كما أن خيار الحرب يبدو مستبعدًا في هذه المرحلة لاعتبارات تتعلق بالمبادئ الحاكمة للسياسة المصرية وخطورة التصعيد المحتمل، الذي قد يشعل المنطقة بأكملها لا مجرد مواجهة مصرية ـ إسرائيلية.”

 

ويضيف: “حتى الآن، الخطوط الحمراء التي وضعتها مصر ما زالت مصونة لصالح مقتضيات الأمن القومي. وربما أسهم نجاح الدبلوماسية المصرية في إفشال المخطط الإسرائيلي لتهجير الفلسطينيين في تعزيز فرص الحلول السلمية والدبلوماسية. كما أن توافق العديد من القوى الدولية، وعلى رأسها الولايات المتحدة باعتبارها شريكًا استراتيجيًا لمصر، يفرض واقعًا يصعب معه تصور حدوث تصعيد عسكري مباشر بين القاهرة وتل أبيب. ومن ثم، فإن الحفاظ على الحد الأدنى من التوافق والتنسيق بين الطرفين، خصوصًا فيما يتعلق بالوضع الأمني في غزة وعودة الرهائن ومستقبل الحكم في القطاع، يمثل رغبة مشتركة، مدعومة أمريكيًا بالأساس.”

 

 

رفض مصري وموقف عربي هزيل

 

أما الدكتور أحمد يوسف، أستاذ الاقتصاد والعلوم السياسية بجامعة القاهرة، فيؤكد أن “الموقف الراهن واضح للغاية؛ فإسرائيل لم تعد تكتفي بالحديث عن خطة لاحتلال غزة، بل تنفذها فعليًا، في وقت لا تزال فيه المعارك محتدمة، والمقاومة تواجه بما تبقى من إمكانياتها. بينما يكتفي العالم الخارجي ـ من الدائرة العربية وصولًا إلى الدولية ـ بالإدانات دون اتخاذ أي خطوات عملية لوقف هذه الجريمة.”

 

ويضيف يوسف لـ منصة MENA:

 

“مصر أوضحت موقفها منذ البداية، رافضة العملية برمتها، ورافضة التهجير والنزوح الداخلي لأنه مقدمة للطرد الإجباري لسكان غزة. وتتم مواجهة المخططات الإسرائيلية على الأصعدة المصرية والعربية والدولية عبر القنوات الدبلوماسية، إلى جانب ما تبقى من قدرات المقاومة. غير أن هذا لا يضمن وقف المخطط، وإن كنا نأمل أن تؤدي الفظائع التي ترتكبها إسرائيل في غزة إلى زيادة الضغوط الدولية عليها، وأن تتمكن المقاومة من إيقاع خسائر موجعة تعمّق الانقسام الداخلي في إسرائيل، وهو ربما الأمل الوحيد الآن.”

 

ويتابع: “احتلال غزة مرفوض جملة وتفصيلًا، ويمثل انتهاكًا لكافة المواثيق الدولية، كما يتعارض مع انسحاب إسرائيل من غزة عام 2005، فضلًا عن كونه انتهاكًا لاتفاقية السلام التي أكدت أن مصر لا تعترف بتبعية غزة لإسرائيل. إن مشروع التهجير يضرب الأمن القومي المصري في الصميم، ومصر كدولة تحترم التزاماتها القانونية لن تلجأ إلى الخيار العسكري إلا إذا تعرضت لعدوان مباشر أو لظروف تمس حدودها وأمنها القومي. عندها ستعمل على تصحيح الأوضاع بما يفرضه الواقع. لكن المبادرة بعمل هجومي عسكري ليست واردة، لأن السياسة المصرية كانت وستظل دفاعية بالأساس.”

 

ويختم: “أما المواقف العربية، فهي تكتفي بالشعارات والمواقف الكلامية، بينما في الواقع هناك تعاون اقتصادي وتجاري مع إسرائيل، وهو ما يضعف الموقف العربي الجماعي تجاه القضية الفلسطينية.”

 

اقرأ أيضًا:

 

ترامب يزعم أن مصر “منفتحة” على استقبال الفلسطينيين من غزة.. والقاهرة تنفي ذلك

 

“عشائر سيناء” تنتفض لإنقاذ غزة.. ما القصة؟

 

الدكتورة آيات حداد: الدور المصري في غزة محوري.. ونرفض أي وجود عسكري أجنبي داخل القطاع

 

عين في السماء: المخاطرة اليومية لصحفيي الطائرات المسيرة في غزة

 

 

وسام حمدي
وسام حمدي صحفي تحقيقات استقصائية، يهتم بالصحافة البيئية والصحية وحقوق الإنسان، وحاصل على جوائز صحفية

مقالات ذات صلة