خلال الأيام الماضية، أثار قرار شركة تداول الحاويات بميناء الإسكندرية، التابعة لوزارة النقل، برفض بيع جزء من حصتها إلى شركة موانئ أبوظبي، حالة من الجدل في الأوساط الاقتصادية، وفتح باب التساؤلات بشأن دلالات القرار على مستقبل الاستثمار الأجنبي في مصر، وسط مخاوف عبّر عنها البعض من أن يعكس ذلك إشارات سلبية أو تراجعًا محتملًا في مناخ جذب الاستثمارات الخارجية.
قال الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدوه إن زيادة حصة شركة موانئ أبوظبي في إحدى شركات تداول الحاويات بميناء الإسكندرية تخضع لإجراءات واضحة، في مقدمتها موافقة الجمعية العمومية أو الشركة القابضة المالكة، باعتبار أن القرار في جوهره استثماري بحت يخضع لحسابات القبول أو الرفض وفقًا لمصلحة الدولة.
وأوضح بدوه أن المعيار الحاسم في مثل هذه القرارات يتمثل في الأداء المالي للشركة، متسائلًا: هل تحقق الشركة أرباحًا أم لا؟، مؤكدًا أن الشركة المعنية تحقق أرباحًا فعلية وتُسهم في دعم الموازنة العامة، وهو ما يجعل بيع حصة إضافية منها أمرًا غير مُلح في المرحلة الراهنة.
وأشار إلى أنه يؤيد التخارج أو إدخال شركاء جدد فقط في الحالات التي تعجز فيها الشركات عن تحقيق قيمة مضافة، أو تعاني من نقص السيولة بما يعوق خطط التوسع، موضحًا أن الدولة تمتلك بدائل متعددة، من بينها زيادة رأس المال، أو الشراكة، أو التخارج الجزئي.
وشدد بدوه على أنه لا يوجد مبرر اقتصادي قوي للتفريط في حصة مملوكة للدولة داخل شركة رابحة، معتبرًا أن ما يحدث هو أمر “طبيعي تمامًا” من منظور السوق والاستثمار.

وفي ما يتعلق بالاستثمارات الإماراتية، أكد بدوه وجود حالة من الاطمئنان، مشيرًا إلى أن الإمارات تُعد شريكًا رئيسيًا في عدد كبير من المشروعات داخل مصر، ولديها سجل طويل في ضخ الاستثمارات بمختلف القطاعات.
وانتقد ما وصفه بـالتهويل الإعلامي المصاحب للصفقة، موضحًا أن الشركة محل الجدل لا تمثل سوى نسبة ضئيلة للغاية من إجمالي الاستثمارات الإماراتية في مصر، معتبرًا أن زيادة أو رفض زيادة حصص الشركاء داخل شركات قائمة أمر معتاد في الأسواق العالمية، سواء مع شركاء عرب أو أجانب.
وأضاف أن مصر سبق لها في مناسبات عدة أن رفضت تقليص حصصها في شركات مشتركة مع شركاء عرب وأوروبيين، مؤكدًا أن هذه القرارات تُتخذ دائمًا وفق تقدير المصلحة الاقتصادية، ولا تمثل سابقة أو خروجًا عن مسار الشراكات الدولية.

من جانبه، قال الدكتور إسلام الكتاتني، المحلل الاقتصادي، إن العلاقات المصرية–العربية تقوم على مبدأ التوازن والحرص المتبادل، مؤكدًا أن القاهرة تولي اهتمامًا خاصًا بعلاقاتها مع دول الخليج، وعلى رأسها الإمارات والسعودية والبحرين والكويت وسلطنة عُمان.
وأوضح أن اختلاف وجهات النظر السياسية بين بعض الدول يُعد أمرًا طبيعيًا في إطار العلاقات الدولية، مشيرًا إلى أن بعض التباينات في ملفات إقليمية، مثل الملف اليمني، لم ترقَ إلى مستوى الخلافات الجوهرية، وسعت مصر دائمًا إلى احتوائها.
وأضاف أن هذه التباينات قد تنعكس أحيانًا على ملفات اقتصادية، إلا أن المقاربة المصرية – في تقديره – تظل اقتصادية بحتة. وتساءل: لماذا تبيع الدولة حصتها في شركة تحقق أرباحًا؟، معتبرًا أن هذا المنطق يتسق تمامًا مع قواعد الاقتصاد، بعيدًا عن أي اعتبارات سياسية.
وشبّه الكتاتني الأمر بشراكة بين طرفين داخل شركة واحدة، يمتلك أحدهما الحصة الأكبر، مؤكدًا أن من حق المالك الأكبر رفض زيادة حصة الشريك طالما أن الشركة رابحة، دون أن يحمل ذلك أي دلالة سلبية أو توتر في العلاقات.
بدوره، قال الصحفي محمد إبراهيم إن رفض الدولة زيادة حصة المستثمر الإماراتي لا يعني بأي حال تراجعًا عن جذب الاستثمارات الإماراتية، موضحًا أن جوهر القرار يرتبط بمبدأ اقتصادي واضح، يتمثل في إعادة تقييم الأصول وفق قيمتها الحقيقية.
وأوضح أن سبب الرفض في مثل هذه الحالات يكون واحدًا فقط، وهو أن السعر المعروض يقل عن التقييم الذي حددته الدولة، مشددًا على أن جنسية المستثمر لا تمثل أي فارق في القرار، إذ تخضع جميع العروض لمعيار واحد هو القيمة العادلة للأصل.
وأكد أن هذا التوجه يندرج ضمن برنامج الطروحات الحكومية، الذي يهدف إلى فتح المجال أمام القطاع الخاص، مع الحفاظ على أصول الدولة وتعظيم قيمتها، معتبرًا أن رفض البيع في هذه الحالة يعكس جدية الدولة في إدارة أصولها ويعزز الثقة في مناخ الاستثمار.

في المقابل، رأت الدكتورة هدى الملاح، الخبيرة الاقتصادية، أن قرار عدم البيع لم يكن مدفوعًا بأسباب اقتصادية خالصة، بل جاء نتاج حسابات سياسية معقدة، طغت على منطق السوق.
وأوضحت أن تحركات إقليمية أخيرة أسهمت في إعادة تشكيل هيكل النفوذ داخل الشركة، بما انعكس على دور مصر في دوائر اتخاذ القرار، معتبرة أن امتلاك أصول استراتيجية مرتبطة بالموانئ يثير تساؤلات تتعلق بالأمن القومي.
وأكدت الملاح أن المشهد الراهن يعكس تداخلًا عميقًا بين الاقتصاد والسياسة في منطقة تُعاد فيها صياغة موازين القوة بهدوء، مشددة في الوقت ذاته على أن تحقيق الشركة أرباحًا مرتفعة خلال الفترة الأخيرة يعزز موقف الدولة الرافض للبيع، خاصة في توقيت إقليمي بالغ الحساسية.
اقرأ أيضًا:
رجل الأعمال الإماراتي العبار.. أمواله في مصر للاستثمار أم للاستعمار؟
تدفقات وصلت لـ 30 مليار دولار.. الإمارات تقود الاستثمارات الأجنبية في مصر
مخاوف من تمدد الاستثمارات الخليجية بمصر.. وخبير يقترح الحل



