يطرح ملف الاستثمار في الشواطئ المصرية، والمناطق الساحلية والمنتجعات والقرى السياحية، الكثير من علامات الاستفهام، حيث بدأت عمليات الاستحواذ من رأس الحكمة لصالح الإمارات، وعلم الروم التي مُنحت لقطر، وأخيرًا خليج الغرام بمدينة مرسى مطروح، وقبلها دار الحديث عن رأس جميلة لصالح المملكة العربية السعودية، وكأن سواحلنا باتت تحت هيمنة رأس المال الخليجي.
وتأتي عملية سعي الحكومة لطرح هذه المناطق الساحلية، رغم أهميتها، بحسب خبراء تحدثوا لمنصة “MENA”، بهدف الحصول على سيولة دولارية تحت مظلة الاستثمار السياحي، وهو ما يؤثر على حرمان المصريين من أي متنفس، خاصة مع انقراض المصايف الشعبية، وتهديد حق الشعب في الوصول إلى شواطئ بلاده، لا سيما أن الشواطئ تتحول مع الوقت إلى محميات استثمارية مغلقة.
مشروع مدينة رأس الحكمة، الذي أعلنته الحكومة المصرية في فبراير 2024، تستحوذ شركة أبوظبي القابضة على حقوق تطويره. ويملك المشروع واجهة بحرية بطول 44 كيلومترًا، ومؤخرًا ذكرت مصادر حكومية أن خليج الغرام مقرر طرحه للاستثمار، وأن مستثمرين من السعودية وقطر دخلوا في مفاوضات مع الحكومة للتنافس عليه، لكن حتى الآن لم تُعلن تفاصيل محددة.
ترتبط عملية الاستثمار في الشواطئ والسواحل المصرية بقضيتين، وفق مصادر ناقشتها منصة “MENA”.
الأولى، ضرورة وجود تخطيط بيئي استراتيجي، بما يستلزم الالتزام بالاشتراطات ودراسات تقييم الأثر البيئي، للحفاظ على سواحلنا وبيئتنا من تأثيرات التلوث أو الانبعاثات الضارة، أو الإضرار بالنظم الإيكولوجية البيئية، أو التأثير على عمليات النحر أو الإطماء.
أما القضية الثانية، فتتعلق بحقوق السكان الأصليين الذين يمثلون جزءًا من هذه المناطق الخاضعة للاستثمار، وضرورة الحفاظ على حقوقهم وإشراكهم في عمليات التطوير، وحمايتهم في مواجهة رأس المال، وفقًا لما أقره الدستور المصري في المادة رقم 63، وقانون البيئة رقم 4 لسنة 1994.
قبل أسابيع، تم إخلاء منطقة خليج الغرام بمدينة مرسى مطروح، المعروف بـ”شاطئ الغرام” – بعد تصوير فيلم للمطربة ليلى مراد يحمل الاسم ذاته – تمهيدًا لطرح أراضي الخليج أمام المستثمرين الخليجيين، وهو ما يُعد نموذجًا للشواطئ التي يتم طرحها وإخلاؤها قبل التسليم.
ويقع خليج الغرام غرب مدينة مطروح، وينساب شاطئه داخل الكتلة العمرانية للمدينة، ويتصل بالبحر عن طريق بوغاز ضيق لا يتجاوز نصف كيلومتر. ويُعد مصيفًا شعبيًا هادئًا، ومقصدًا مثاليًا للعائلات التي تفضل قضاء المصيف في مطروح دون تحمل تكاليف مرتفعة. كما يضم الخليج 36 ناديًا وجهة حكومية ونقابية وخاصة.
ووفقًا للمعلومات المنشورة، فقد تم إصدار 36 خطابًا رسميًا موجّهة إلى جهات حكومية ونقابية وخاصة لديها نوادٍ في خليج الغرام، تقضي بوقف التعامل على أراضي مقراتها في الخليج، وعدم تحصيل مقابل حق الانتفاع بالشاطئ اعتبارًا من موسم 2026 ولأجل غير مسمى.
بخصوص ما وصفه بالهجمة المرتدة على السواحل المصرية من قبل رأس المال الخليجي، يقول الخبير الاقتصادي وائل النحاس إن تحويل الودائع والقروض الخليجية إلى استثمارات في بعض الأراضي والمنتجعات والمنشآت السياحية جاء بهدف إيجاد تدفقات نقدية. ففي أواخر عام 2022 وصلت مصر إلى مرحلة خطيرة كادت تشهد فيها التخلف عن سداد أقساط صندوق النقد الدولي، ما دفع الحكومة للتفكير في طرح هذه المناطق الشاطئية كبديل عن المديونيات، ووسيلة لوقف التعثر، خاصة بعد وصول صافي الأصول الأجنبية لفترة إلى سالب 29 مليار دولار، وهو ما تسبب في سحب الاستثمارات غير المباشرة في العام ذاته.

ويضيف النحاس، في تصريحات لمنصة “MENA”، أن عمليات الاستحواذ تقلل من نصيب المصريين في متنفسهم الطبيعي، وتحرمهم من مصايف شعبية منخفضة التكلفة. لكنه يبرر في الوقت نفسه طرح مناطق مثل رأس الحكمة وغيرها، بغياب السيولة اللازمة للإنفاق، وتأثر عمليات الاستيراد للمواد الخام والسلع الأساسية، ما أحدث حالة من الشلل الاقتصادي استمرت حتى عام 2023، فكان البحث عن بوابة لتدبير النقد الأجنبي لسداد المديونيات وتحقيق استقرار في أسعار الصرف ومحاربة السوق السوداء.
أما العقارات السكنية المقرر إخلاؤها في خليج الغرام، فتبلغ نحو 100 منزل مملوكة لمواطنين بعقود رسمية “زرقاء” موقعة مع محافظة مطروح منذ تسعينيات القرن الماضي، وبعضها قائم بنظام وضع اليد المتوارث أبًا عن جد. وقد طلبت المحافظة من الملاك الإخلاء مقابل تعويض يتراوح بين 75 و95 جنيهًا للمتر، وهو السعر نفسه الذي تم تحديده لتعويضات أهالي علم الروم، رغم تأكيد ملاك خليج الغرام، في تصريحات منشورة، أن السعر السوقي الحقيقي للمتر حاليًا يتراوح بين 7 و10 آلاف جنيه.
وينص الدستور المصري في مادته 63 على تجريم الإخلاء والتهجير القسري وعدم سقوطه بالتقادم، كما نص تعليق الأمم المتحدة عام 1997، والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية، على ضرورة توفير البدائل المتاحة قبل إخلاء أي سكان، وهو ما لا يتم في المناطق الساحلية محل الاستثمار.

من جانبه، يقول مالك عدلي، المحامي بالنقض ومدير المركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، إن عمليات الإخلاء تمثل موضوعات مربكة، وتتم عملية النقل بشكل قسري، لا في الأوراق فقط أو في المناطق الساحلية وحدها، بل في مناطق أخرى أيضًا، متسائلًا: من يراقب السلطة التنفيذية؟ مجيبًا: البرلمان المصري.
ويضيف عدلي لمنصة “MENA” أن الفيصل في هذه القضايا هو الرقابة القضائية أو البرلمانية، إلا أن البرلمان يغيب عن دوره الرقابي عبر غياب الاستجوابات وطلبات الإحاطة، والتدخل للبحث عن حلول عادلة، رغم كونه ممثلًا عن الشعب. ويوضح أن نزع الملكية للمنفعة العامة ليس مرفوضًا، كما في حالات إقامة الجسور أو حماية المواطنين من الفيضانات، لكن شريطة تطبيق القانون وتعويض المتضررين بأسعار السوق.
ويكمل أن قرارات الإخلاء المفاجئة لعقارات خليج الغرام تكرر النمط ذاته في رأس الحكمة وعلم الروم، حيث تغيب الشفافية والحوار مع أصحاب المصلحة، ويُفرض عليهم الأمر الواقع، مع تعويضات هزيلة لا تعكس القيمة الحقيقية للأراضي.
ويؤكد أن أراضي خليج الغرام تُعد جزءًا أساسيًا من النطاق العمراني لمدينة مرسى مطروح، ومن نسيجها المعماري والإنساني والثقافي، ما يستوجب مراعاة ذلك في أي عملية تطوير. ويُعد الخليج عمليًا آخر متنفس شعبي يتيح للبسطاء الاستمتاع بالبحر دون أعباء مالية، وبعد طرد المصريين منه ستتحول مطروح إلى مدينة للأثرياء من داخل وخارج البلاد.
تُعد دراسة تقييم الأثر البيئي من المتطلبات الأساسية للحصول على ترخيص إقامة القرى والمشروعات السياحية في مصر، وفقًا لقانون البيئة رقم 4 لسنة 1994 ولائحته التنفيذية، المعدلة بالقانون رقم 9 لسنة 2009، وتُنفذ تحت إشراف جهاز شؤون البيئة.
وتُصنف القرى السياحية ضمن الفئة (ب) أو (ج) بحسب حجم المشروع وموقعه الجغرافي، حيث تُدرج القرى الصغيرة والمتوسطة ضمن الفئة (ب)، بينما تُصنف القرى الكبيرة أو المقامة في مناطق حساسة بيئيًا، مثل السواحل أو المحميات الطبيعية، ضمن الفئة (ج)، وهي الأعلى تأثيرًا على البيئة، وتتطلب اشتراطات صارمة ومراجعات معمقة، وفق الدليل الإرشادي لجهاز شؤون البيئة، مع إلزامية “التشاور العام” مع المواطنين.

يقول الدكتور وحيد إمام، رئيس الاتحاد النوعي للبيئة، إن الحكومة تنظر إلى الاستثمار في المناطق والمنتجعات السياحية باعتباره حلًا لأزمة الديون، لكنه يشدد على ضرورة مراعاة الاشتراطات البيئية في أي مشروع، بغض النظر عن جنسية المستثمر أو طبيعة البيع أو الاستثمار.
ويتساءل إمام: هل يتم إجراء تقييم الأثر البيئي لهذه المشروعات؟ خاصة أنها مشروعات ضخمة تتطلب دراسات بيئية استراتيجية، لا سيما تلك المرتبطة بتخطيط مدن أو منتجعات أو مطارات أو مولات أو مناطق سكنية، مشيرًا إلى مفاجأته بوجود مناطق صناعية في العلمين الجديدة تحت مسمى “صناعات صديقة للبيئة”.
ويضيف إمام أن الاستثمار لا يُعارَض طالما استُوفيت دراسات تقييم الأثر البيئي، مع تحليل التأثيرات واستكمال القياسات لمعرفة مدى تحمل البيئة للأنشطة المختلفة، مطالبًا بالشفافية والمكاشفة من خلال جلسات استماع تضم جميع الأطراف المعنية، من ممثلي المحافظات ووزارات البيئة والسياحة والصناعة، إلى الجامعات والإعلام والمجتمع المدني والسكان المحليين.
ويشير إلى أن مصنع طلخا للأسمدة أُجريت له دراسة تقييم أثر بيئي دون إشراك المجتمع المدني، ما دفع الجمعيات الأهلية لرفع دعوى قضائية وكسبها، مؤكدًا أن السكان الأصليين يجب أن يكونوا جزءًا من القرار.
ويختتم إمام بأن تجاهل الدراسات البيئية يؤدي إلى مشكلات جسيمة، مثل تغير اتجاه الأمواج، وحدوث النحر في مناطق، والإطماء في أخرى، نتيجة عمليات الردم أو إقامة الحواجز الخرسانية.
كما تنص الاشتراطات البيئية على عدم البناء داخل حرم الشاطئ لمسافة 200 متر من خط الساحل، إلا بموافقة الوزارة، مع إمكانية نظر اللجنة العليا لتراخيص الشواطئ في الاستثناءات.
ويتفق مع ذلك أحمد الصعيدي، المحامي والناشط البيئي ورئيس مجلس أمناء المؤسسة المصرية للحقوق البيئية، مؤكدًا أن أي مشروع لا يستوفي دراسات تقييم الأثر البيئي ويفشل في إشراك المجتمعات المحلية يفقد صفة الاستدامة، ويخلق صراعات مستقبلية، مشددًا على أن التنمية المستدامة تشمل الأبعاد البيئية والاجتماعية والثقافية، لا الاقتصادية فقط.

وأخيرًا، يحذر وائل النحاس من أن الشكل العام للسياحة في مصر غير مرضٍ، متسائلًا عما إذا كانت المنتجعات الجديدة تمثل قيمة مضافة حقيقية أم تسحب من رصيد السياحة القائمة، بما يؤثر على جدواها الاقتصادية، خاصة مع احتمالية تقليص زيارات المتاحف والمناطق الأثرية.
ويختتم النحاس بالتساؤل حول نصيب الدولة من عوائد السياحة، في ظل بيع الفنادق وإعفاء بعض الصناديق السيادية من الضرائب، مؤكدًا أن الشعب الذي تحمل تكلفة البنية التحتية لا ينبغي أن يُقصى عن ثمارها، بينما باتت أغلب السواحل المصرية تحت سيطرة رأس المال الخليجي.
اقرأ أيضًا:
مخاوف من تمدد الاستثمارات الخليجية بمصر.. وخبير يقترح الحل
صفقات الاستثمار الإماراتية في مصر.. من المستفيد؟
هل صفقة الاستحواذ على “رأس الحكمة” تجعلها إمارة خليجية؟
هل بدأ الاستثمار الإماراتي في تعمير شبه جزيرة سيناء؟




