الشارع المصري

ماذا بعد إخماد حريق سنترال رمسيس؟

حرائق متتالية، الواحدة تلو الأخرى، كشفت عن ضعف البنية التحتية في مصر، والتي تنهار مع أول حريق فعلي في موقع استراتيجي مثل سنترال رمسيس، الذي تعرّض لحرائق كبرى بالكاد ينجح رجال الحماية المدنية في إخمادها، لتعاود الاشتعال سريعًا، كاشفة عن انهيار منظومة الاتصالات وتعطل الشبكات والأنظمة البنكية، تبعها خسائر كبيرة في البورصة المصرية، ما ألقى بظلاله على المستثمرين، وأثار تساؤلات واسعة حول المسؤول عن سوء البنية التحتية في منشآت استراتيجية ومهمة، وما إجراءات الأمان التي لم تتخذها الدولة في تلك المنشآت.

 

ما إن أخمد رجال الإطفاء الحرائق المتتالية لسنترال رمسيس، حتى اشتعلت نيران الغضب في نفوس المصريين. فرغم قِدم سنترال رمسيس، فإن خدمات عديدة تأثرت بالحادث، بدءًا من ضعف شبكات الاتصالات، مرورًا بتوقف الخدمات البنكية وتطبيقاتها، ووصولًا إلى وسائل النقل الذكي التي تعتمد على التطبيقات الإلكترونية. فما البدائل في حال اندلاع حريق مشابه؟ وهل كشف حريق سنترال رمسيس عن ضعف البنية التحتية لقطاع الاتصالات في مصر؟

 

وسائل الأمان

 

قال الدكتور محمد عزام، خبير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، إن سنترال رمسيس يُعد أحد السنترالات الرئيسية، ويمثل عنصرًا أساسيًا في البنية التحتية للاتصالات في مصر، كونه من الركائز الكبرى ونقطة الاتصال الأساسية بالدوائر الدولية. ووصف الحريق بأنه أشبه بانسداد طريق رئيسي كصلاح سالم، أصاب كل شيء بالارتباك، موضحًا أن الفارق الوحيد هو أن انسداد الطرق قد يكون له بدائل، بينما حريق سنترال رمسيس أصاب دوائر معلوماتية وشبكات عنقودية معقدة لا بديل لها.

 

 

وأضاف عزام لمنصة “MENA”، أن الدولة تدخلت بشكل سريع عقب الحريق لإعادة التوازن، مستبعدًا وجود أي استهداف لمنظومة الاتصالات المصرية، خاصة أن الحريق ليس حدثًا مكررًا، بل وقع مرتين فقط خلال ثلاثين عامًا، حينما كانت الهيئة المصرية للاتصالات لا تزال تحت مسماها القديم قبل التطوير. وأكد أن السبب الرئيسي للحريق هو ارتفاع درجات الحرارة، إلى جانب افتقار السنترال لوسائل تبريد تناسب هذه الأجواء.

 

وحذر خبير الاتصالات من أننا في العام الخامس والعشرين من الألفية الجديدة، وأن البنية التحتية المعلوماتية لم تعد من الكماليات، بل ضرورة يجب الحفاظ على مرونتها لتفادي مثل هذه الحوادث. وطالب الدولة المصرية بضرورة تأمين قطاع الاتصالات بشكل عام، وتحويله إلى نظام لا مركزي، موضحًا أن الاستثمار في قطاع الاتصالات استثمار ضخم، ويمكن لكل شركة بناء سنترالات خاصة بها، تتولى من خلالها مسؤولية بنية تحتية موازية.

 

لكن المعضلة – بحسب عزام – تكمن في أن تطوير البنى التحتية للاتصالات سيكون مكلفًا جدًا، خاصة في ظل اعتماد شركات الاتصالات الحالية على استئجار دوائر من الشركة المصرية للاتصالات.

 

وطالب عزام أيضًا بضرورة تدريب العاملين في قطاع الاتصالات على سرعة حل المشكلات واستخدام بدائل معدة مسبقًا لتلافي الكوارث المحتملة في المستقبل، مؤكدًا أن هذا النوع من الاستعداد هو الأداة الأكثر فاعلية في التعامل مع الأزمات، لا سيما وأنه أصبح علمًا قائمًا بذاته يجب الاستفادة منه.

 

كما شدد على ضرورة وجود شبكة أمن وطوارئ موازية للشبكة الحالية، تتضافر فيها جهود شركات الاتصالات وقطاعات البنوك وقطاع النقل، لأن أي خلل قد يصيب أحد هذه القطاعات مستقبلاً قد يؤدي إلى فقدان ثقة المستثمرين في المناخ الاقتصادي لمصر.

 

بدائل الاتصالات

 

وأكد خبير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات أنه بالنظر إلى تاريخ الأعطال الجسيمة التي تعرض لها قطاع الاتصالات عالميًا، نجد أن أغلب تلك الكوارث تم التعامل معها بشكل أسرع، نتيجة توافر خطط مواجهة مباشرة، وتوزيع تلقائي في حالات الأعطال، إلى جانب وجود حلول بديلة تعتمد على كابلات بحرية وأقمار صناعية وكابلات ضوئية، وجميعها تعمل ضمن منظومة معقدة ومتكاملة.

 

وشدد على أن وزارة الاتصالات ستراجع سياستها، من خلال الاعتماد على أكثر من منظومة موازية ذات كفاءة مماثلة، لتكون بدائل غير تقليدية تهدف إلى ضمان تبادل المعلومات واستمرار الخدمات.

 

وحول تفعيل الخدمات السحابية أو نظم التناقل الخارجية، أكد عزام أن انتقال المعلومات يتطلب أكثر من طريقة، وليس منفذًا واحدًا، بل مراكز متعددة وشبكات بديلة متنوعة. كما يتطلب الأمر استخدام الأقمار الصناعية لضمان قدرة الشبكة على التعامل مع الأعطال اللحظية أو الكوارث، بهدف الحفاظ على استمرار الخدمة دون تأثر، وإيجاد مصادر بديلة فورية، خاصة أن الشبكة أصبحت بمثابة “رئة حيوية” لاتصال العالم ببعضه.

 

 

كيف أثّر الحريق على الاستثمار في مصر؟

 

من جانبه، أكد الدكتور محمد يونس، عميد كلية الاقتصاد بجامعة الأزهر، أن حريق سنترال رمسيس أثّر بشكل مباشر على الاقتصاد المصري، خاصة في ظل اهتمام الدولة المصرية الحالي بالتحول الرقمي في جميع قطاعاتها. وأضاف أن الاقتصاد المصري والاستثمار، سواء المباشر أو غير المباشر، تأثرا خلال فترة تعطل خدمات الاتصالات الناتجة عن حرائق سنترال رمسيس.

 

وأوضح لمنصة “MENA”، أن غضب المصريين من الحادث جاء نتيجة توقف الخدمات المالية والبنكية بشكل كامل، ما أثّر بصورة مباشرة على الحياة اليومية وسير العمل داخل مصر.

 

وأضاف عميد كلية الاقتصاد الأسبق بجامعة الأزهر، أن مصر دولة كبيرة تسعى إلى التحول الرقمي الكامل في كل القطاعات، وأن هناك العديد من القطاعات التي تأثرت بفعل هذا الحريق، مثل البنوك والبورصة، إلى جانب قطاعات الطيران والسياحة والسكة الحديد، وذلك لأن قطاع الاتصالات أصبح متداخلًا بشكل أساسي في كافة المجالات. وأكد أن الدقيقة الواحدة لتوقف مثل هذه الخدمات تُكلف الدولة كثيرًا، خاصة أن الرؤية المستقبلية لمصر – سواء القريبة أو البعيدة – تعتمد على الرقمنة وتوطين التكنولوجيا.

 

اللامركزية

 

وحول فكرة التحول إلى اللامركزية في قطاع الاتصالات، أكد الدكتور محمد يونس أن هذا التحول قد يؤدي إلى زيادة الفساد، خاصة أن تطبيقه سيُحمّل المواطن أعباء إضافية، رغم أنه بات يعتمد على خدمات الاتصالات بشكل أساسي في تحويل الأموال والتعاملات البنكية.

 

وأشار إلى أن الدولة المصرية تسعى لتخفيف الأعباء عن المواطن وتوفير الخدمات بما يُعزز مناخ الاستثمار المباشر وغير المباشر، موضحًا أن اللامركزية في الاتصالات قد تمنح الشركات سلطة زائدة للتحكم في سياسات الدولة واحتكار أسعار الخدمات.

 

ونصح عميد كلية الاقتصاد الأسبق بجامعة الأزهر بضرورة أن تعمل مصر على تعزيز تأمين مثل هذه الخدمات، وتوفير البدائل اللازمة لضمان استقرارها، لأن ذلك يسهم بشكل مباشر في زيادة الاستثمارات في مختلف القطاعات. وحذّر من أن تكرار مثل هذه الحوادث يشكل خطرًا كبيرًا على المناخ الاقتصادي والاستثماري في مصر، مشددًا على ضرورة وضع معايير أمان عالية في المنشآت الاستراتيجية لتفادي خسائر أكبر مستقبلًا.

 

 

لماذا تجدد الحريق بعد إخماده؟

 

في سياق متصل، وحول الجانب المهني المتعلق بإطفاء الحريق، أكد اللواء أيمن فؤاد، خبير الحماية المدنية، أن حريق سنترال رمسيس كانت له طبيعة خاصة، نظرًا للمعوقات التي واجهها رجال الإطفاء خلال عملية السيطرة عليه، خاصة بسبب طبيعة بناء المبنى، الذي شُيّد عام 1927، في حين لم تُعتمد قواعد الحماية المدنية سوى عام 1980.

 

وأوضح أن الحريق كان يشتعل من جديد في كل مرة يتم فيها إخماده، بسبب وجود مواد شديدة القابلية للاشتعال داخل المبنى، مما يجعل من الصعب السيطرة عليه بسهولة.

 

وأضاف خبير الحماية المدنية أن هناك العديد من المواد القابلة للاشتعال داخل المبنى، وعلى رأسها الأسلاك وكابلات الكهرباء ومواد التوصيل، التي تحتوي على مركبات مثل “البولي إيثيلين” و”البولي بروبيلين”، والتي تسهم في زيادة الاشتعال وتتسبب في تصاعد أبخرة سامة. وأوضح أن هذا هو ما دفع المواطنين للتساؤل عن أسباب تجدد اشتعال الحرائق كل عدة ساعات.

 

 

وأكد أن رجال الإطفاء واجهوا العديد من التحديات، من بينها تلك الأبخرة السامة، بالإضافة إلى درجات الحرارة المرتفعة داخل مكان مغلق، وما يصاحبها من احتباس حراري ناتج عن الحريق ذاته.

 

وتابع خبير الحماية المدنية حديثه عن حريق سنترال القاهرة، قائلًا إن جميع هذه العوامل تسببت في إجهاد سريع لرجال الحماية المدنية، بالإضافة إلى انعدام الرؤية، وهو ما أدى إلى إطالة مدة السيطرة على الحريق، الذي يتطلب أيضًا أجهزة تنفس خاصة تُمكّن رجل الإطفاء من الاستمرار داخل مكان الحريق.

 

وأشار إلى أنه في ظل هذه الظروف يصبح من الصعب الوصول إلى مركز الحريق والتحكم فيه، مؤكدًا أن رجل الإطفاء يتأثر مباشرة بحرارة الحريق رغم ارتدائه البذلة الخاصة بالإطفاء، والتي، وإن كانت لا توفر حماية كاملة من الحرارة، إلا أنها تتمتع بدرجة عالية من العزل لتقليل التأثير قدر الإمكان.

 

اقرأ أيضًا:

 

الإيجار القديم.. هل تفهم الدولة تداعيات الأزمة؟

 

المشروع النووي المصري.. سباق مع الزمن لدعم الاقتصاد وسط مخاوف بيئية

 

من العريش.. السيسي وماكرون: لا للتهجير

 

مقالات ذات صلة